الكاتب : يونس العموري
في قاعةٍ تزدحمُ بالقرارات الباردة، حيثُ الكلماتُ تُصاغُ كالسيوف لا كالجسور، مرَّ قانونٌ جديد عبر أروقة الكنيست الإسرائيلي، لا كتشريعٍ عابر، بل كظلٍّ ثقيلٍ يمتدّ على ذاكرة الأرض ومن يسكنها. هناك، بدا الزمن وكأنه يعود القهقرى، إلى عصورٍ كانت فيها العدالة تُوزن بميزان القوة، لا بميزان الحق.... وهنا نستحضر تلك القوانين التي صدرت في ظل قانون سكسونيا ... وقوانين نبلاء روما .. واستيراد العبيد ... والسود والبيض وما بينهم وفوضوية قوانين الغاب وتظل الرواية الأبرز انعتاق الانسان والتوق للحرية واحدة من ملاحم التاريخ والموت حقيقة والحقيقة هنا واحدة من ابرز مقومات الحياة حينما تستطيع اليها سبيلا ...
عبر قانونهم اصبحت اعواد المشانق تنتظر القادم اليها بعنفوان الثائر مستحضرة معها حكايا الاولين ويشبه هذا القانون في روحه أسطورة سيزيف، ذاك الذي حكمت عليه الآلهة أن يدحرج صخرته إلى قمة الجبل، كلما اقترب من الخلاص سقطت الصخرة وعاد من جديد. هكذا يبدو الفلسطيني، محكومًا بدائرةٍ لا تنتهي من الألم .. كلما لاح أفقٌ للحرية، انحدرت الصخرة من جديد، ولكن الفرق أن سيزيف كان أسطورة، أما هنا فالحكاية من لحمٍ ودم.
وفي ظلال هذا المشهد، يطلّ طيف بروميثيوس، الذي سرق النار ليمنحها للبشر، فعوقب بأن يُنهش كبده كل يوم. كأن الأسير الفلسطيني، في سردية هذا القانون، يُعاقَب لأنه تجرأ على حمل شرارة الحرية، لأنّه رفض أن يكون مجرد رقمٍ في سجلّ النسيان. العقوبة ليست فقط جسدية، بل رمزية، محاولة لردع الحلم ذاته...
أما الأرض السمراء الحبلى بقرابين المذابح ، فهي أشبه بتلك المدينةٍ التي حوصرت طويلًا، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها صمدت. في كل مرة يُسنّ فيها قانونٌ كهذا، يُدقّ مسمارٌ جديد في حصارها، لكن الأسطورة تخبرنا أن طروادة لم تكن مجرد مدينة، بل ذاكرة مقاومة، وأن الحصار مهما طال لا يُطفئ الحكاية.
هذا القانون، في عمقه، ليس مجرد نصٍ قانوني، بل مرآة لصراعٍ أقدم من النصوص نفسها؛ صراع بين من يكتب التاريخ بالقوة .. وباعواد المشانق ، ومن يحفظه بالمعاناة. إنه محاولة لإضفاء الشرعية على نهايةٍ قسرية، في حين أن الحكايات الكبرى لا تنتهي بقرار، ولا تُمحى بتوقيع.
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا في فضاءٍ مثقلٍ بالأساطير والدموع .. هل يمكن لقانونٍ أن يُنهي رواية شعب؟ أم أن كل سطرٍ يُكتب بالقمع، يُقابله ألف سطرٍ يُكتب في ذاكرة الذين لا ينسون؟
ويمتدّ السرد، كأنّه نهرٌ لا يقبل الانقطاع، ليحملنا إلى أسطورةٍ أخرى، إلى صرخةٍ خرجت من أعماق التاريخ ولم تخمد .. سبارتاكوس، ذاك الثائر الذي كسر قيوده، لا لأنه ظنّ النصر سهلًا، بل لأنه أدرك أن الكرامة أثقل من السلاسل...
في حضرة هذا القانون، يعود سبارتاكوس لا كذكرى، بل كمعنى. نراه في وجوه الأسرى، في أعينهم التي لم تنحنِ، في صمتهم الذي يعلو أحيانًا على كل خطاب . لقد حاولت الإمبراطوريات قديمًا أن تُخضع الجسد بالعقاب، أن تجعل من الموت نهايةً رادعة، لكن سبارتاكوس علّم التاريخ درسًا مختلفًا .. أن الخوف حين يُكسر مرة، لا يعود كما كان.
كأنّ المشرّع، وهو يخطّ هذا القانون، يستدعي عن قصد أو عن جهل ذلك المشهد الروماني القديم، حين ظنّت روما أن صلب سبارتاكوس ورفاقه على الطرقات سيُطفئ التمرّد إلى الأبد. لكن ما حدث لم يكن نهاية، بل بداية أسطورة؛ فكل جسدٍ عُلّق صار شاهدًا، وكل شاهدٍ صار حكاية، وكل حكايةٍ صارت نارًا تنتقل من جيلٍ إلى جيل.
وهكذا، في هذا الزمن، يتكرّر المشهد بأسماءٍ مختلفة. يُراد للأسرى أن يكونوا عبرة، أن يُختزلوا في حكمٍ نهائي، لكن الأسطورة تقول غير ذلك .. تقول إن الإنسان، حين يُدفع إلى حافة الفناء، يكتشف في داخله معنى البقاء . وأن الموت، حين يُفرض كقانون، يتحوّل في ذاكرة الشعوب إلى دليلٍ على هشاشة من يسنّه، لا على قوة من يخضع له.
سبارتاكوس لم ينتصر عسكريًا، لكنّه انتصر في مكانٍ أعمق .. في فكرة أن الحرية لا تُقاس بنتيجة معركة، بل بإرادة خوضها. وربما لهذا، يخشى كل نظامٍ يُراكم القوانين القاسية، من تلك اللحظة التي يتحوّل فيها الخوف إلى شجاعة، والصمت إلى صوت.
في النهاية، يبدو أن القوانين، مهما بلغت قسوتها، تظلّ نصوصًا على ورق، بينما الأساطير كأسطورة سبارتاكوس تُكتب في القلوب. وما يُكتب في القلوب لا يُمحى، بل يظلّ، يقاوم، ويتحوّل مع الزمن إلى قدرٍ لا يمكن تفاديه: أن الحكاية ستُروى، وأن الصوت، مهما خُنق، سيجد طريقه إلى الضوء .



