الكاتبة : د. تهاني رفعت بشارات
في زمنٍ استثنائيٍّ تُحاصر فيه الحياة بأسئلة المصير، وتضيق فيه المسافات بين القرار ونتائجه، لم يعد الموقف التربوي ترفاً إدارياً أو خياراً قابلاً للأخذ والرد، بل غدا اختباراً حقيقياً لجوهر المسؤولية الإنسانية. وفي هذا السياق، يبرز قرار وزارة التربية والتعليم لا بوصفه إجراءً تنظيمياً عابراً، بل كفعلٍ أخلاقيٍّ واعٍ، ينحاز بوضوح للحياة، ويضع سلامة الطالب والمعلم في صدارة الأولويات، حيث لا مجال للمغامرة، ولا مساحة للخطأ.
إننا أمام لحظةٍ تُقاس فيها القرارات بقدرتها على الحماية قبل الإقناع، وعلى صون الأرواح قبل إرضاء التوقعات. فالمعلم في فلسفة التربية ليس مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل هو حامل رسالة، وصانع وعي، وحارس قيم. والطالب ليس رقماً في كشوف الحضور، بل هو مشروع إنسان، وامتداد وطن، ونبض مستقبل. ومن هنا، فإن الحفاظ على حياتهما ليس خياراً، بل واجبٌ وطنيٌّ وأخلاقيٌّ لا يحتمل التأجيل أو التردد.
قد يرى البعض في هذا القرار خروجاً عن المألوف، أو انحرافاً عن النمط التقليدي للتعليم، غير أن القراءة العميقة تكشف أنه انحيازٌ شجاع للحياة، واستجابةٌ واعية لظرفٍ لا يُقاس بالمعايير المعتادة. ففي أزمنة الاستقرار، قد نختلف حول الوسائل، أما في أزمنة الخطر، فإن الأولوية تُحسم لصالح البقاء، ومنه تنبثق كل الخيارات الأخرى.
وفي قلب هذا التحول، يتصدر التعليم عن بُعد المشهد، لا كبديلٍ اضطراريٍّ مؤقت، بل كخيارٍ استراتيجي يعيد تشكيل الوعي التربوي، ويفتح آفاقاً جديدة لمفهوم التعلم. لقد أثبت هذا النمط قدرته على الصمود أمام الأزمات، وعلى كسر قيود الجغرافيا، وتجاوز عوائق الواقع القاسي، ليمنح العملية التعليمية فرصة الاستمرار في أكثر اللحظات تعقيداً.
إن التعليم الإلكتروني ليس مجرد شاشةٍ تُعرض عليها الدروس، بل هو بيئة تعليمية متكاملة، تتطلب إعادة تعريف أدوار جميع الأطراف. فالمعلم لم يعد ملقناً، بل ميسراً ومصمماً للتجربة التعليمية، والطالب لم يعد متلقياً سلبياً، بل شريكاً فاعلاً في بناء معرفته، أما الأسرة، فقد أصبحت ركيزة أساسية في دعم هذا النموذج، واحتواء أبنائها، ومساندة المعلم في أداء رسالته.
وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية الأهل، إذ لم يعد دورهم يقتصر على المتابعة الشكلية، بل باتوا شركاء حقيقيين في العملية التعليمية، يهيئون البيئة المناسبة، ويحتوون أبناءهم نفسياً وتربوياً، ويزرعون فيهم الصبر والانضباط، في ظل ظروفٍ قد تُثقل كاهلهم وتربك إيقاع حياتهم. وهنا، يتجلى الوعي المجتمعي كعاملٍ حاسم في نجاح التجربة أو تعثرها.
ولا يمكن إغفال التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم عن بُعد، وهو الحفاظ على البعد الإنساني في فضاءٍ رقميٍّ قد يبدو بارداً في ظاهره. فالتربية ليست محتوى يُنقل فقط، بل علاقة تُبنى، وقيم تُغرس، وتفاعلٌ حيٌّ يُشكّل شخصية المتعلم. ومن هنا، فإن نجاح هذا النمط مرهون بقدرتنا على فهم التعليم الرقمي، وجعل الشاشات نوافذ تواصل لا جدران عزلة.
أما ما يُعرف بالفاقد التعليمي، فلا ينبغي النظر إليه كخسارةٍ نهائية، بل كفرصةٍ لإعادة البناء، وإعادة التفكير في طرائق التعليم، ومضامينه، وأدواته. فكل أزمة تحمل في طياتها بذور التجديد، وكل تحدٍّ يفتح باباً لإعادة التشكيل. إن معالجة هذا الفاقد تتطلب رؤية مرنة، وتقويماً واقعياً يتناسب مع الظروف، ويُراعي الفروق الفردية، ويُعيد التوازن للعملية التعليمية دون إثقال كاهل الطالب أو المعلم.
وفي هذا الإطار، يتجلى المنهاج لا كوثيقة جامدة، بل ككائنٍ حيٍّ يتشكل من خلال التفاعل اليومي بين المعلم والطالب، ويتكيف مع السياق، ويستجيب للواقع. كما يصبح التقويم أداةً داعمة للتعلم، لا وسيلةً للعقاب أو الإقصاء، بل معياراً مرناً يُنصف الجهد، ويُقدّر الظروف، ويُعزز الدافعية.
إن التجربة التعليمية في فلسطين، بما تحمله من خصوصيةٍ وتحديات، تقدم نموذجاً فريداً في الصمود والتكامل، حيث يتشابك التعليم مع الهوية، ويتداخل مع الواقع، ويُشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التجهيل والتهميش. وهنا، لا يكون التعليم مجرد حق، بل فعل مقاومة، ورسالة بقاء، وأداة بناء.
ومن هذا المنطلق، فإن التعليم عن بُعد يجب ألا يُفهم كبديلٍ دائم أو قطيعة مع التعليم الوجاهي، بل كجزءٍ من نظامٍ مدمج، يوازن بين الاستمرارية والتفاعل الإنساني، ويجمع بين التقنية والروح، ليُنتج نموذجاً تربوياً أكثر مرونة وعمقاً.
وفي المحصلة، فإن النهضة التعليمية الحقيقية لا تقوم فقط على الأدوات، بل على سيادة القرار الوطني، وشراكة المجتمع، والإيمان العميق بأن الإنسان هو محور كل عملية تربوية. فحين نضع الطالب والمعلم في قلب القرار، ونحمي حياتهما، ونصون كرامتهما، فإننا لا نحمي الحاضر فقط، بل نبني المستقبل.
إننا في ظرفٍ استثنائي، نعم… لكننا نمتلك وعياً قادراً على تحويل الألم إلى أمل، والتحدي إلى فرصة. وما نحتاجه اليوم ليس الجدل، بل الصبر، وليس النقد، بل المشاركة، وليس الخوف، بل الثقة. فالأوطان التي تُحسن إدارة أزماتها، هي وحدها التي تكتب تاريخها بوعي، وتصنع مستقبلها بإرادة.
وفي معادلة الحياة والموت… يبقى القرار الصائب هو ذاك الذي يحمي الإنسان أولاً… ثم يُعلّم.



