الكاتب : عيسى قراقع
اسم السجن بالعبرية راكيفت، ويعني الصندوق، يقع في حفرة عميقة تحت سجن الرملة الاسرائيلي، هناك تحت الارض يحتجز المعتقلون الفلسطينيون، خزائن حجرية باردة وصامتة تغطيها طبقات كثيفة من الاسمنت المسلح والحديد، زنازين ضيقة خالية من النوافذ والإنارة، قبور مظلمة متراصة تمارس فيها كل أشكال الانتقام والسادية.
ليس وصف "الحفرة" في سجن الرملة مجرد تفصيل مكاني عابر، بل هو إعلان عن محطة للاعدام كما صرح المتطرف ابن غفير، وعنوان للفاشية الصهيونية ووحشيتها الأخلاقية التي حولت التعذيب والعنف الجنسي إلى سياسة رسمية وممنهجة دون مساءلة أو عقاب.
الحفرة في كل مكان، في معتقل سدي تيمان الدموي، في سجون شطة ومجدو، في عوفر والنقب، في غزة والضفة والقدس، يريدون أن يكون الشعب الفلسطيني مخفيا من الوجود، في المقابر أو في السجون.
الحفرة عنوان سياسي وحربي، تحويل الفلسطيني إلى جسدٍ محبوس في صندوق حجري تحت الأرض بلا اسم أو هوية، حيث تُلغى السماء ويُستبعد الضوء، ويجفف الهواء، ويُختزل العالم في أربعة جدران تليها جدران أربعة من الصمت والرعب، الوطن صار عبارة عن حفر وحواجز وزنازين كثيرة، اخفاء قسري للمعتقلين، اعدامات ميدانية، هذه الزنازين التي تحدثت عنها تقارير حقوقية، تشكل مختبرًا لدراسة كيف يمكن للاحتلال أن يعيد تشكيل الإنسان عبر تفكيكه نفسيًا وجسديًا، تحت غطاء "الاعتقال الإداري" أو "قانون الإعدام" أو "العزل الانفرادي"، أو المقاتل غير الشرعي، تجريده من إنسانيته وكرامته اذلالا وتجويعا واغتصابا وتعذيبا على مدار الساعات المقفلات، هناك حيث يسود الصمت المريع وتتعفن قيمة الإنسان.
في الحفرة تدفن الفكرة والهوية والحقوق، لا شرعية لكل من قاوم الاحتلال، تدفن اتفاقيات جنيف الأربع وقانون حقوق الانسان، تدفن العدالة الدولية، وفي الحفرة يعاد صياغة نظام دولي جديد يستند فقط للقوة، وإضفاء شرعية اخلاقية على جرائم ضد الإنسانية.
في الحفرة ضرب وتكسير، اكتظاظ واختناق، ديدان ورطوبة، قيود مشددة، ومعاملة مميتة، كلاب مفترسة، تعرية واهانات وامراض، مسرح جهنمي لطحن البشر، زار الحفرة المجرم نتنياهو واطمأن أن كل اسير يصعد من الحفرة يكون معلقا بحبل مشنقة، هكذا تنتصر دولة اسرائيل عندما تتحول الى دولة وباء في المنطقة.
سجن الرملة ليس مجرد منشأة احتجاز عادية، إنه واحد من أقدم السجون التي استخدمتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتخزين الأجساد الفلسطينية، وتحويل المقاومة إلى أرقام في ملفات أمنية، في هذا السياق، تتجاوز "الحفرة" وظيفتها كزنزانة إلى أن تصبح أداة سياسية بامتياز:
١. سياسة العزل: العزل الانفرادي الذي يُمارس في هذه الزنازين هو شكل من أشكال "الموت البطيء" المتعمد، حيث يُحرم الأسير من أبسط حقوقه الإنسانية، ويُفقد صلاته بالعالم الخارجي، هذا ليس عقابًا على فعل ارتكبه الأسير بقدر ما هو استراتيجية لتفكيك إرادته قبل محاكمته أو حتى دون محاكمة.
٢. الاعتقالات الواسعة: عندما تصبح الاعتقالات جماعية وواسعة النطاق، فإنها تفقد أي مبرر أمني آني، وتتحول إلى سياسة عقاب جماعي، الاعتقال الإداري – الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة – هو تجسيد لهذه السياسة، حيث يصبح القانون مجرد غطاء لإرادة الجلاد المطلقة، وتشريع للابادة الصامتة.
٣. قانون الإعدام: إقرار ما يُعرف بـ "قانون الإعدام" للاسرى الفلسطينيين، تعكس تحولًا في طبيعة الصراع: من صراع سياسي إلى صراع وجودي، حيث يُعتبر كل من يقاوم الاحتلال ارهابيا و خارج الإنسانية، ويُعاد تعريفه كهدف يُستباح جسده وروحه، احكام تعسفية همجية وعنصرية صادرة عن محاكم لا تتوفر فيها معايير المحاكمة العادلة.
٤. الاغتصاب في السجون العسكرية ليس مجرد عنف جنسي فردي، بل هو استراتيجية لتدمير كرامة الاسير، وإعادة إنتاج منطق الهيمنة الاستعمارية عبر اختراق أعمق حدود الخصوصية الجسدية، واعتبار هذه الأفعال الشنيعة افعالا مقدسة، والفاعلون أبطالا قوميون حظوا بكل الدعم الرسمي والتصفيق والأوسمة.
تقرير الأمم المتحدة الأخير 19.3.2026 الذي تحدث عن "الاغتصاب والتعذيب" في مراكز الاحتلال الإسرائيلية، واعطاء حصانة للمجرمين والدفاع عنهم، هو إدانة قانونية موثقة لواحدة من أبشع الانتهاكات التي يمكن أن ترتكبها سلطة احتلال في القرن الحادي والعشرين، وقد يكون تقرير عن العار والسياسة التدميرية الذي لطخ وجه البشرية.
الحفرة في سجن الرملة انحدار عميق لكل المفاهيم والمنظومات الإنسانية نحو الهاوية، العدالة نفسها صارت في صندوق، اختزال الإنسان إلى شيئ، بلا صوت وبلا تاريخ وبلا معنى.
الاسرى الذين خرجوا من تلك الحفر السجنية ونجوا من الموت، لم تخرج الحفر من نفوسهم واصواتهم وملامحهم، هناك من حفر في داخلهم رعبا وصفوه بالجحيم، حفر في عظامهم وعقولهم تنغرز الما كالسكين، ومع كل خطوة يروا السجان أمامهم يلاحقهم في حجرات الزنازين.
الحفرة هي إمتداد لما صنعته الامبراطوريات الاستعمارية: البريطانية والفرنسية والألمانية والبرتغالية والأمريكية في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، معسكرات وأماكن احتجاز سرية، وتجريد المعتقلين من هوياتهم القانونية، الزنزانات كانت مليئة بآثار الدماء والعظام والأنسجة البشرية، واطلق عليها الأقبية المظلمة، كانت جزء من نظام القمع والإبادة الجماعية للمقاومة، وتمثل ذروة التناقض بين القيم الأوروبية المزعومة ووحشية الممارسات الاستعمارية.
لم يتعلم المستعمرون أن من يحفر حفرة يقع فيها، القوة المستبدة لا تصنع نصرا ولا حقا، الحفرة مهما ابعدت في أعماق الارض قد تحتجز اجسادا، لكنها لن تستطيع احتجاز الوعي بالظلم، الوعي نور لا يعدم.
يقول الشاعر سميح القاسم:
انا اؤمن بالحق الذي مجده يؤخذ قسرا واغتصابا
وأنا أؤمن اني باعث في غدي
الشمس التي صارت ترابا
فاصبري يا لطخة العار التي
خطها الامس على وجهي كتابا
وانتظري النار التي في اضلعي
تهزم الليل وتجتاح الضبابا



