الكاتب : عيسى قراقع
في فلسطين وفي ذكرى يوم المرأة العالمي اقيمت اول جمهورية فلسطينية مستقلة رئيستها امرأة اسمها مالكة ابو عكر "ام نضال"، دولة أقيمت في مخيم الدهيشة للاجئين تطل على القدس وتزحف على الرصيف إلى البحر وحيفا والجليل والنقب و الى أبعد نقطة دم في الذاكرة.
لأول مرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر تقام دولة بين الموت والحياة، وتبني سرديتها على حافة الانتظار.
في المخيم لا تُقاس السيادة بالحدود، بل بالثبات، والقدرة على أن يبقى حبل الولادة مشدودا إلى أقصى حدود بالمكان، ولا يكتب الدستور بالحبر، بل بالصبر والامل والارادة والأغنية والحب.
كانت مالكة أبو عكر، أم نضال، ابنة قرية رأس أبو عمار المهجَّرة، تحمل قريتها في قلبها كما تحمل الأم طفلها الأول: خوفًا عليه، وإصرارًا على أن يكبر رغم الخراب والجريمة والابادة المستمرة، خرجت في عام النكبة لا لتغادر المكان فقط، بل لتدخل امتحان الزمن، ومنذ تلك اللحظة لم تكن لاجئةً بالمعنى المكتوب به في بطاقة المؤن، بل صارت ذاكرةً تمشي على قدمين، وشاهدةً على اقتلاعٍ لم يقتلع جذورها.
سيجل التاريخ ان الشعب الفلسطيني أقام دولته الحرة في قلب امرأة، ومن ضلوع النساء، وكانت هي الام والارض، الوعي والهوية، العابرة لكل الحدود من النكبة حتى آخر حجر يقذفه طفل في وجه دبابة.
لم يحدث أن تحول مخيم إلى دولة بحجم الكرة الارضية، من الخيمة وبابور الكاز إلى انتفاضات، ومن حارات الفقراء والمنكوبين: حارة الزكاروة، وحارة الراسية وحارة الجعافرة، وحارةالجراشية، وحارة العطابنة، وحارة الولجية، ومن البقجة الى الكوفية، ومن الجامع إلى الكنيسة، ومن الحجر إلى البندقية إلى فضاء للثورة والعودة والحرية.
جمهورية مخيم الدهيشة اكبر من جغرافيا المعازل والكانتونات الضيقة، واكبر من لغة التنازل عن المكان والزمان، جمهورية رئيستها امرأة ترى ابعد من المستوطنات والحواجز العسكرية والتهويد والعبرنة وأساطير التوراة، هكذا قال ضباط المخابرات الصهاينة عندما اقتحموا بيت مالكة ابو عكر وقراوا مواقع فلسطين على ثوبها الفلاحي ومساحة الخريطة.
في مخيم الدهيشة لم يكن بيتها جدرانًا من إسمنت، بل من حكايات متراكمة، بيتها خيمة تحولت إلى جدار، وجدارا تحول إلى قلعة صمود داهمه الجنود مئات المرات، غير أن المداهمة كانت تصطدم بشيء لا يُرى: امرأة تعرف أن الكرامة لا تُصادَر. كانت تقف أمام البنادق بثبات، أمٍّ تعرف أن الخوف إذا انكسر مرةً لن يعود سيدًا، في عينيها كان سؤال أخلاقي يربك المحتل: من يملك الأرض؟ من يسكنها بالقوة أم من يسكنها بالحق؟ امرأة تنثر البطولة على لحم الاسفلت، وتنثر الاسفلت في لحم القصيدة كل مساء.
أمّ شهيد وأمّ أسرى وجرحى، لكنها كانت أمًّا لفكرة أكبر: أن الحرية تربية وثقافة ومواقف قبل أن تكون شعارًا. لم تكن تعدّ أبناءها بالأرقام، بل بالقيم والشجاعة والاقدام، كانت تُشيّع الشهيد كما تُزفّ الحياة، وتستقبل الأسير كما يُستقبل العائد من امتحان الصمود والكرامة، بيتها كان مدرسةً وطنية، والمخيم في ظلها صار جمهوريةً أخلاقية، دستورها الصبر، وعَلَمها الشهداء، ونشيدها أسماء الغائبين الحاضرين.
كل الذين لاحقهم الاحتلال لم يجدوا مكانا آمنا الا في جمهورية مالكة ابو عكر، البعثيون واليساريون والاسلاميون والقوميون، الباحثون والقادة والسياسيون والمتضامنون والصحفيون والشعراء والفنانون، ومن أراد أن يتعرف على الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري والوطني جاءوا إلى جمهورية مخيم الدهيشة، والتقوا مع رئيستها مالكة ابو عكر، وهناك كتبوا وشاهدوا، أكلوا خبز الطابون وغمسوا دمهم بالزيت والدم والحبر واشتعلوا في أرجاء الكون.
في يوم المرأة نزور أم نضال، وهناك في بيتها طبقات من القيم والمفاهيم والايمان ما يغنيك عن الدنيا والاخرة، يعلمك كيف تفتح شباكا في زنزانة، ويعلمك كيف ينفجر النبع من جسد مليئ بالشظايا، ومن دخل بيتها دخل الى بيت الذاكرة، بيت الوحدة الوطنية، رموز واحلام وآلاف من الورود الحمراء على قبور الشهداء والعشاق، رموز الميلاد والموت، التاريخ والرواية، السماء والارض، اسماء الامكنة والنساء، الحضور والغياب والنبوءات الكثيرة، أنه جيش جمهورية مالكة ابو عكر المستقلة في مخيم الدهيشة.
في هذه الدولة الواسعة إذا غاب الرجال في السجون أو المقابر تسمع مالكة تقول: نحن هنا، ما زلنا نلد الحياة في وجه الموت، وإذا كان الاستعمار يقوم على محو الانسان فإننا نقوم على إعادة خلقه كل يوم، في البيت والمدرسة، في المظاهرة والعرس والجنازة. أنها الام التي تنجب الحياة في زمن يصنع فيه الموت.
الرئيسة مالكة حين ترفع صوتها لا تتكلم امرأة واحدة، بل تتكلم اجيال من الأمهات اللواتي حملن حكاية الوطن في صدورهن، أنها وطن في امرأة عنيدة، ترفض المساومة أو النسيان.
لم تكن “رئيسة جمهورية مخيم الدهيشة المستقلة” مجازًا بل معنى، لم تنتخبها صناديق اقتراع، بل انتخبها وجدان الناس والفقراء والجوعى، الشهداء والاسرى والاسيرات، كانت تمثل المرأة الفلسطينية في صفائها وقوتها وصلابتها؛ المرأة التي تجمع بين الحنان والمواجهة، بين الدمع والكبرياء. في شخصها تشكّلت رمزيًا حكومة المخيم:
هي الرئاسة حين يضيق الأفق،
وهي البرلمان حين تتكلم الحقيقة،
وهي القضاء حين تنطق العدالة باسم المظلومين.
وهي قوة الضعيف في وجه الاقوياء،
هي دبلوماسية المخيم أيضًا، صوتًا يتجاوز الأزقة الضيقة ليصل إلى العالم، تقول: إن شعبًا يريد الحرية لا يمكن أن يُختصر في خبر عاجل أو صورة عابرة أو ظلال، كانت تُعرّف العالم على المخيم لا كمساحة بؤس، بل كمساحة كرامة، وان الضحية خرجت من مجزرة إلى مجزرة إلى مقاتلة، وهكذا تحوّلت سيرتها إلى بيان سياسي صامت، والشوارع إلى اشتباكات يومية، الاحتلال قد يملك القوة، لكنه لا يملك الشرعية، وأن المرأة الفلسطينية ليست ظلًّا للرجل، بل شريكة في صياغة التاريخ.
منذ عام النكسة لم يستطع المحتل احتلال جمهورية مخيم الدهيشة، هنا ام نضال، هنا التعددية الفكرية والسياسية، هنا ديمقراطية المقاومة والتضحية، هنا من اسقط السياج والشعارات الكاذبة، هنا من تحدى الجرافة والاتفاقيات البائسة، هنا الحياة شهية بين الرصاص وقنابل الغاز، هنا صرخة المعذبين الذين رفضوا الخضوع والعبودية.
جسّدت الرئيسة حقيقة أن الإنسان قد يُحاصر في الجغرافيا، لكنه يبقى حرًا في المعنى، وأن اللجوء ليس فقدان مكان، بل اختبار هوية، كانت تعرف أن المخيم ليس انتظارًا طويلًا، بل تمرينًا يوميًا على الاستقلال الداخلي، لذلك عاشت كل مناسبة وطنية كأنها إعلان سيادة، وكل مواجهة كأنها استفتاء على حق العودة.
من يعرف ام نضال تخرج منه الذكريات دفعة واحدة، كأن هذه المرأة الرابضة على جبل في المخيم تحيي فيك عصورا ضائعة، وحينما تناديها يا امي وتعانقها، تشعر انك تقطع المسافة بين الانتظار والانفجار، وبين الشمس والعاصفة، وان في روحها معجزة.
مالكة ابو عكر ام نضال رئيسة جمهورية مخيم الدهيشة المستقلة، لو رمت حجرا لتحرك البحر المتوسط وخرج اللاجئون من القيعان وفاضوا صارخين، ولو حدثتك كيف ينمو الطفل على حليب وكالة الغوث وعلب السردين، لادركت كيف يصير الدم فلسطينيا في عروق فدائيين ظلوا واقفين على حد السكين.
من هذه المرأة التي تتسلل في منع التجوال وتحرس المقاومين؟ تحمل الخبز والمنشورات والتعليمات والإشارات خلال الاجتياحات، من هذه المرأة التي تحمي اولاد ناجي العلي وغسان كنفاني ومروان البرغوثي وأحمد سعدات وخالد الصيفي، وبنات واخوات فاطمة الجعفري وعائشة عبيد وليلى خالد ودلال المغربي و يسرى البربري وكريمة عبود وزكية شموط وربيحة ذياب في الساحة؟
امرأة كلما زارت اولادها في السجن تقول: اليوم الفاصل بين الايام الماضية في السجن، وبين الايام الباقية هو يوم حرية.
اذا دخلت مخيم الدهيشة انتبه الى الشهيد محمد العجيب، ابنها الذي مزق جسده الرصاص، كان يدرك أنه لن يموت لانه كان يريد أن يموت، الان تراه في رفح وجنين و طولكرم ونابلس والخليل، وانتبه كيف التحم الجسد بالنشيد، وانتبه أن مالكة ابو عكر رقصت في الجنازة حتى مطلع الفجر، أنه مشروع حرية في كتاب يقول: لا خيار، النصر أو القبر.
حين رحلت، لم تترك فراغًا بل تركت معيارًا. تركت إرثًا يُقاس به معنى المرأة الفلسطينية: قوةٌ لا تصرخ إلا لتقول الحق، وصبرٌ لا ينحني إلا لله، وصوتُ شعبٍ يريد الحرية وتحطيم القيود مهما طال الطريق.
رحلت الرئيسة مالكة في زمن الإبادة والوحشية، عيناها حتى آخر نظرة ظلت على غزة، وفي صوتها خطى أجيال قادمة.
في سجلّ المخيم غير المكتوب سيبقى اسمها:
رئيسة جمهورية الدهيشة المستقلة،
جمهورية الصابرين،
حيث الحكومة ضمير،
والدبلوماسية موقف،
والحرية وعدٌ لا يموت.



