الكاتب : د. مجدي شقوره
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أكتب إليكم هذه الرسالة في لحظة تاريخية استثنائية تمر بها القضية الفلسطينية؛ لحظة تتقاطع فيها تحولات إقليمية عميقة مع تغيرات متسارعة في طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه. لم يعد ما نشهده مجرد جولات متكررة من الصراع، بل انتقالاً تدريجياً إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إسرائيل إلى تثبيت واقع سياسي وجغرافي دائم يجعل إنهاء الاحتلال أمراً أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إن صعود التيارات القومية والدينية الأكثر تطرفاً داخل إسرائيل لم يعد ظاهرة عابرة في الحياة السياسية الإسرائيلية، بل أصبح اتجاهاً بنيوياً يعيد تعريف طبيعة الدولة وسياساتها تجاه الفلسطينيين. فالتوسع الاستيطاني يتسارع، ومشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية تتقدم، والقدس تتعرض لعملية تغيير منهجية في هويتها وديمغرافيتها، بينما يعيش قطاع غزة تحت حصار طويل يهدد بتحويله إلى أزمة إنسانية دائمة. في هذا السياق، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد إسرائيل تكتفي بإدارة الصراع، بل تسعى إلى حسمه تدريجياً عبر فرض الوقائع على الأرض.
سيادة الرئيس، إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط ما تفعله إسرائيل، بل احتمال أن تستمر السياسة الفلسطينية في العمل وفق أدوات وصيغ تشكلت في زمن مختلف تماماً عن زمننا الحالي. لقد بُنيت الاستراتيجية الفلسطينية خلال العقود الماضية على ركيزتين أساسيتين: المسار التفاوضي، والرعاية الدولية للعملية السياسية. لكن التجربة الطويلة أظهرت أن ميزان القوى المختل، إلى جانب التحولات العميقة داخل إسرائيل، جعلا هذا المسار غير قادر على تحقيق الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني. وإذا كان من الطبيعي أن تمر المشاريع الوطنية بمراحل من التعثر، فإن الخطأ الحقيقي يكمن في الاستمرار في النهج ذاته رغم تغير الظروف جذرياً.
وكما نشهد تحولات عميقة في المجتمع الإسرائيلي، فإن المجتمع الفلسطيني ذاته يشهد تحولات كبرى لا تقل أهمية، فهناك تغير في البنى الديموغرافية والاجتماعية، وبروز أجيال جديدة لم تعايش نكبة 1948 ولا نكسة 1967، وتتشكل وعيها في ظل احتلال يومي وجدار فصل واستيطان متواصل، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت آفاقاً جديدة للوعي والتواصل مع العالم، وخلقت فضاءات للتعبير خارج الأطر التقليدية. هناك أيضاً تصاعد لدور المرأة والشباب في الحراك المجتمعي، وتنامي لتيارات فكرية وثقافية جديدة تعيد إنتاج الخطاب الوطني بأساليب مختلفة. هذه التحولات المجتمعية العميقة تفرض نفسها على المشهد السياسي، وتستدعي أدوات جديدة للتنظيم والتعبير والسياسة.
إن الانتقال إلى مستقبل أكثر إشراقاً يتطلب شجاعة سياسية حقيقية، تبدأ بمراجعة نقدية صريحة للتجربة السياسية الفلسطينية خلال العقود الماضية. وهذه المراجعة لا يمكن أن تكون شكلية، بل ينبغي أن تفتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني واستراتيجيته الوطنية. فأول هذه التحولات يجب أن يكون إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، فالانقسام الداخلي الذي استمر سنوات طويلة لم يضعف فقط قدرة الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال، بل أضعف أيضاً ثقة الشعب بمؤسساته السياسية، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يستعيد قوته دون إنهاء هذا الانقسام وإعادة بناء مؤسسات تمثيلية جامعة تعكس إرادة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته.
كما أن تجديد الشرعية السياسية عبر آليات ديمقراطية واضحة يعيد الحيوية للنظام السياسي الفلسطيني، فالقوة الحقيقية لأي قيادة وطنية تنبع من ثقة شعبها بها، ومن قدرتها على تجديد هذه الثقة عبر المشاركة السياسية والتمثيل الحقيقي. وهذا يستدعي بالضرورة توسيع الحياة الديمقراطية في كل مفاصل المجتمع الفلسطيني، وتفعيل دور السلطة القضائية المستقلة كضمانة للحقوق والحريات، وتمكين السلطة الرابعة - الإعلام الحر والمسؤول - من القيام بدورها في المراقبة والمحاسبة وطرح القضايا الوطنية للنقاش العام، فالمجتمع الذي تكتمل فيه أركان الديمقراطية يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
كذلك فإن تجديد القوى السياسية والأحزاب والنقابات بات ضرورة حتمية، فكثير من هذه الأطر لا تزال تعمل بآليات وخطابات تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة، ولم تعد تواكب التحولات المتسارعة في المجتمع الفلسطيني ولا معطيات المستقبل. نحن بحاجة إلى أحزاب سياسية قادرة على استقطاب الشباب والنساء، ونقابات مهنية تعبر عن هموم المواطنين الحقيقية، وقوى مجتمع مدني فاعلة تقدم رؤى جديدة وتشكل رافعة للعمل الوطني. إن تجديد هذه الأطر ليس ترفاً سياسياً، بل هو شرط أساسي لاستعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته، ولضمان قدرة المشروع الوطني على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات.
كما أن إعادة تعريف أدوات النضال السياسي الفلسطيني تمثل أولوية كبرى، ففي عالم تتزايد فيه أهمية القانون الدولي والرأي العام العالمي، يمكن للفلسطينيين أن يعززوا موقعهم عبر توسيع استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية، والعمل على تحويل سياسات الاحتلال إلى قضية مساءلة دولية مستمرة.
أما بخصوص فلسطينيي الشتات، فإن إعادة دمجهم ضمن المشروع الوطني الفلسطيني يمثل أولوية قصوى، فهؤلاء لا يمثلون مجرد جاليات بعيدة عن الوطن، بل هم الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني، يحملون همومه وطموحاته، ويمتلكون طاقات سياسية واقتصادية وثقافية هائلة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة إحياء القضية الفلسطينية على المستوى العالمي. فمنذ حرب 1948، يعيش أكثر من نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، في مخيمات اللجوء المنتشرة في الدول العربية، وفي جاليات مهاجرة في أوروبا والأميركيتين وأستراليا. هؤلاء يحملون مفاتيح العودة ويتناقلون حكاية فلسطين جيلاً بعد جيل. إن إشراكهم في مؤسسات منظمة التحرير، والاستفادة من خبراتهم المهنية والأكاديمية، وتوظيف مواقع نفوذهم في المجتمعات التي يعيشون فيها لصالح القضية الفلسطينية، كلها أدوات غير مستثمرة بالشكل الكافي. كما أن فلسطينيي الشتات يمكن أن يشكلوا قوة ضغط دبلوماسية واقتصادية هائلة.



