الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
ثمة صورة مغايرة تصدر الى الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عبر وسائل اعلام عديدة من أن ابناء الداخل المحتل استطاعت المؤسسة الاسرائيلية ان تؤثر فيهم وحولتهم الى عصابات ومجرمين وقتلة . ويتعزز ذلك من خلال الاخبار التي يتم تداولها في غير موقع اخباري محلي وخارجي والتي تشير في معظمها الى جرائم القتل والعنف وتجارة المخدرات والسلاح . لكن هذه الابواق الاعلامية الصفراء تخفي الوجه الاخر للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل وهي الصورة الحقيقية المطموسة للاسف بفعل فاعل . فهناك كما يقال ضوء في آخر النفق . كيف لا وقد إهتديت في الايام القليلة الماضية الى جوقة سراج الجليلية التي تضيء شموعا وسط هذا الظلام الحالك من خلال ما تقدمه من تراث أصيل على مسارح فلسطينية في الداخل وعربية وأجنبية حيث يصدح صوتها الفلسطيني الحر من الجليل الى بلغاريا دون توقف . هذه الجوقة التي بحثت عنها في الميديا ووجدتها تغص بالكثير من الالبومات الغنية الشيقة التي تنقل المتلقي من حالة الاحباط الى حالة الانتعاش من خلال الاستماع الى أصوات أعضائها من الصبايا والشباب المشرقين والذين يغنون ام كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وسيد درويش وصباح فخري وغيرهم من عمالقة الطرب العربي الذين لا يمكن ان يطويهم النسيان .
لا أخفي او انكر انني حاولت الحصول على تصريح من السلطات الاسرائيلية من أجل الوصول الى هذه الجوقة العظيمة في عقر دارها -الجليل- الشامخ ولكن باءت المحاولات بالفلشل فقد توقف اصدار هذه التصاريح منذ اندلاع الحرب . ولكن الشوق الى حضور عروضها يدفع المرء الى تسلق الجدران والمغامرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى من اجل الوصول الى الداخل الفلسطيني الذي نحرم منه نحن اهالي الضفة الغربية من قبل سلطات الاحتلال . ولو استطعت ان افعل ذلك لما توانيت لحظة واحدة فهي مؤسسة " الجوقة" تستحق التضحية لانها تحمل على عاتقها مهمة الحفاظ على الهوية الثقافية العربية الفلسطينية في الداخل المحتل والذي يتعرض لعملية محو ممنهجة لهذه الهوية ولكن كل ذلك يبوء بالفشل لأن الوعي بالقضية هو سمة هذا الشعب الضاربة جذوره في الاعماق .
عندما بدأت ابحث عن الفرقة عبر الفيسبوك ومواقع تواصل اجتماعي أخرى ، عثرت على فيديوهات كثيرة للفرقة التي معظم اعضاؤها من الشباب بين ال18-25 عاما مع تطعيم لجيل ما فوق الاربعين والذين همهم الاساس ايصال رسالة ثقافية وفنية أصيلة ليس فقط الى اصحاب الذوق الرفيع من محبي الطرب الأصيل الذين يمزجون ما بين الاصالة والحداثة، بل ايضا الى الشعوب المجاورة للتأكيد على ان الداخل الفلسطيني عصي على التهويد ولا يقبل بمحو هويته العربية الاصيلة وانما يناضل بكل الوسائل المتاحة من اجل الحفاظ عليها .
عند استماعي الى أغاني الجوقة ومشاهدتي للأجواء المحيطة بها ، فإن الاذن تنشد انشدادا كليا نحو الاصوات الشابة الرخيمة التي تعلو وتنخفض بقيادة المايسترو والملحن والموزع العبقري سامر بشارة ، مما اعطى الفرقة رصانة وقوة شخصية قل نظيرها بين الفرق الاخرى، فهي تنبض بالحياة وتزخر بكل ما هو جديد -أصيل- ومشوق . ولعل العنصر الشاب في هذه الجوقة الفلسطينية البحتة هو الذي يجعلها تندفع بقوة نحو العالمية والدول العربية المحيطة حيث قدمت سابقا وما تزال وستبقى تقدم أفضل ما لديها من عروض على خشبات المسارح المتعددة مستعرضة ام كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وسيد درويش وصباح فخري وغيرهم من كبار المطربين العرب الذي اشعلوا فينا المشاعر والاحاسيس منذ اكثر من خمسين عاما خلت ومازالت أغانيهم خالدة فينا الى الان وستبقى الى الأبد ذلك انها حافظت التراث والموروث وعلى رصانة الكلمة العربية والقصيدة الشعرية المغناة وجمالها وبديعها الذي لا يوجد في لغة اخرى في العالم .
ومن خلال التنقيب عن الفرقة ، اتضح لي بشكل جلي ان أعضاءها لا يؤدون دورا وظيفيا او يفرغون طاقة مكبوتة وانما يعبرون عن انتماء حقيقي للهوية وعن مشاعرهم وأحاسيسهم الجياشة بكل قناعة صادقة ويوجهون رسالة ثقافية تراثية الى الجمهور " الذويق" كما انهم يتماهون تماهيا كاملا من الالحان والكلمات العذبة التي ترطب القلب وتنعش الذاكرة .
وتعد جوقة سراج واحدة من أبرز الفرق الموسيقية في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، إذ نجحت منذ تأسيسها عام 2005 في قرية الرامة بالجليل في رسم بصمة فنية متميزة تمزج بين الأصالة والتجديد. واستطاعت الجوقة تقديم عروض على مدار عقدين من الزمن، حيث شاركت في مهرجانات محلية وعالمية، أبرزها مهرجان جرش في الأردن، ومهرجانات في بولندا وجورجيا وبلغاريا، محققة إنجازات مشرفة، كان من أبرزها حصد المركز الثالث في مسابقة عالمية في بولندا.
ولمن لا يعرف فإن هذه الجوقة العريقة الجديرة بالاحترام والتقدير والمتابعة هي مشروع ثقافي متكامل لتعزيز الهوية الفلسطينية والعربية من خلال الطرب الكلاسيكي والتراثي. ولعلني اجزم انها مع قادم الايام ستصبح الفرقة رقم " 1" على مستوى الداخل الفلسطيني على وجه الخصوص ذلك انها تحيي الامل في قلوب ونفوس الناس وان في هذه البلاد العربية شباب بعمر الورد من كلا الجنسين يقدمون للعالم هويتهم الفلسطينية العربية التي ترفض المحو او التزييف ويؤكدون على ما قاله الرحل الكبير محمود درويش "على هذه الارض ما يستحق الحياة" .



