الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
"اذا كان لابد من فرح فليكن خفيفا على القلب والخاصرة" .. كلمات شعرية جزلة اختصر فيها الراحل الكبير محمود درويش كيف يكون شكل الفرح لدى الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت آخر احتلال في التاريخ الحديث يعمل حاليا وبكل ما يمتلك من قوة عسكرية وحقد وغطرسة وعنصرية ودعم وتواطؤ دولي على اعادة رسم الشرق الاوسط مجددا وتصفية القضية الفلسطينية .
بدأت بهذه المقدمة قاصدا الانتقاد البناء، حيث لفتني غزارة الدعوات التي يغص بها " الفيسبوك" لحضور احتفالات الزفاف في غير منطقة في الضفة الغربية وفيها تحديد لمواعيد الغداء والاحتفال والزفة في قاعات باهظة التكاليف وما الى ذلك من مراسم مبالغ فيها وان جاز التعبير وصفها بالفعاليات على وجه الدقة وكأن الوطن بخير وكأن الدماء التي تسيل في غزة ليست دماء ابناء جلدتنا وفلسطيننا . مما أثار لدي الدهشة والاستغراب من هذا التنكر وعدم الوفاء للدم المجبول بتراب غزة وسواحلها الحزينة وهي القطعة المقدسة من الوطن المذبوح من الوريد الى الوريد .
وهنا علني أعبر عن إعجابي بالفنان المقدسي القدير حسام أبو عيشة الذي قرع جدران الخزان وخرج بفيديو قصير على الفيسبوك انتقد فيه بشكل لاذع من يبالغون في التعبير عن الفرح بزفاف ابنائهم وبغيرها من المناسبات وكأن فلسطين بخير ولا تسيل منها الدماء في كل لحظة . وهنا والكلام لكاتب المقال - لابد من التأكيد لمن يعتقدون بأن ما تمر به البلاد مجرد مرحلة عابرة أقول: اننا في أشد مراحل عسر المخاض فإما ان ننكفئ واما ان نحقق انجازا سياسيا ما يعطي أملا للشعب الفلسطيني بأنه سينال حريته واستقلاله كثمن واقعي وموضوعي لهذه الدماء الغزيرة وهذه الارواح البريئة التي تزهق في شتى بقاع الوطن وتحديدا في غزة وعلى مذبح ما يسمى " مراكز المساعدات الانسانية " في غزة .
ما أرمي إليه في هذه العجالة ليس الدعوة الى عدم الفرح او "قتله" على العكس من ذلك فإنني اطالب كل فلسطيني بأن يتسامى على الجرح ويحقق ما يصبو اليه في شتى المجالات ولكن شريطة الالتزام بالأصول والاعراف الوطنية والاجتماعية فلا يعقل ان تقام الاحتفالات الصاخبة والولائم العامرة في الوقت الذي يموت فيه الناس في غزة بين اكياس الطحين وطرود التموين المسممة... نحن نأكل اللحوم المغلظة وهم يتضورون جوعا ،، اي معادلة تلك؟ . فاحترام الدم والتضحيات واجب مقدس على كل مواطن فلسطيني حر وشريف فلا يجوز مطلقا من الناحيتين الاخلاقية والوطنية ان تشتعل الضفة بالاحتفالات بينما غزة وجنين وطولكرم وبلاطة تذبح .. لا يجوز التعبير عن فرحنا بإدعاء انه مقاومة في الوقت الذي تعمل فيه اسرائيل ومن خلفها الغرب كله على تصفية القضية الفلسطينية وتهجير ابناء شعبنا .
للتذكير فقط : في الانتفاضة الكبرى عام 87 كان التكافل والتضامن سمتا المرحلة فيما لم تتوقف الحياة عن الدوران فهذه حركة تاريخية كونية ولا احد يمتلك قوة فيزيائية لارغمها على التوقف . ولكن كانت الناس تتزوج وتتعلم وتتخرج من الثانوية العامة ومن الجامعات بهدوء تام وبتعبيرات صادقة وبريئة عن الفرح. اما في هذه الحقبة الزمنية السوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني فقد تحول فيها الفرح الى استعراض للقوة العائلية والعشائرية والنفوذ السياسي . وهذا أمر مؤسف ومخجل سببه الجوهري غياب التنظيمات الفاعلة عن الساحة والتي بإمكانها ان توفرت لديها الارادة الحقيقية ان تضبط ايقاع الشارع وتعيد السكة الى مسارها الصحيح .
الخلاصة : هذه مسؤولية جماعية على الفرد والمجتمع والتنظيم والمؤسسة والحزب وما الى ذلك من مسميات، حتى نعيد الى القيم الاجتماعية والوطنية بريقها الماضي ، فالمرحلة جد خطيرة ولا تحتمل أي منطق رخو وعلى الكل ان يتكاتف ويتحد لمواجهة المصير المشترك تماما كما فعلت اسرائيل رغم انها نموذج اسود واتحدت كقبلية في مواجهة دمنا . وعلينا ان نتذكر دائما كلمات الشاعر الراحل أمل دنقل " هل يصير دمي بين عينك ماء؟ اتنسى ردائي الملطخ بالدماء ... تلبس فوق دمائي ثيابا مطرزة بالقصب" من قصيدة " لا تصالح" .. فأرجو ان تكون الرسالة قد وصلت .



