الكاتب : أحمد دخيل
في حضرة القصيدة، يصير الغياب محطة عابرة، و الكلمات تواصل طريقها نحو الشمس. فالشعراء العظام لا يموتون بسقوط الجسد، فالنص يخلّدهم لأنه القادر على البريق كنجمة لا تخبو.
هكذا يبقى سميح القاسم حاضرًا حتى بعد أن أسلم الروح في التاسع عشر من آب 2014، تاركًا إرثًا شعريًا تصدح به حناجر الأزقة، و تتنفسه بساتين الزيتون، و تطل من شرفات القرى الصغيرة، لتذكّر بأن الوطن و الشعر يورّثان كما يُورّث التراب والزيتون والماء.
كان القاسم يدرك أن القصيدة التي تُكتب من صميم القلب، قادرة على مواصلة رسالتها حتى بعد أن يذوب ظلُّ صاحبها. ولذلك ظل يكتب وكأنه يزرع قمحًا في أرض يعرف أنها ستُجنى يومًا، مؤمنًا أن من يزرع الحرف يزرع حياة.
الغائب الحاضر ..
بدا سميح القاسم ثورة تمشي على تفعيلة، ومرآة لشعبه ومأساة وطنه. كتب للوطن من قلبه، وللغد الذي تتشبث به الشعوب، وللأمل الذي يزهر حتى في حقول الدم. كلماته كانت شعلة مضيئة، وحكاية كفاح مشفوعة بالجرح والتحدي.
قال متحديًا على إيقاع المتدارك:
" رُبَّما تُحرَقُ أَشْعاري وَكُتُبي
رُبَّما تُطعِمُ لَحمي لِلكِلابِ
رُبَّما تَبقى على قَريَتنا كابوسَ رُعْبِ
يا عَدُوَّ الشَّمسِ لَكِنْ لَنْ أُساوِمْ
وإلى آخِرِ نَبْضٍ في عُروقي سَأُقاوِمْ"
هذه الأبيات قَسَم شعري تتعهد فيه الكلمة أن تبقى واقفة في وجه الريح، وأن تحيا حتى لو أُحرقت الأوراق وتبددت الحروف.
القصيدة كسلاح ..
كان الشعر عند القاسم سلاحًا مشرعًا في وجه الظلم، ومفتاحًا يفتح أبواب الحرية. وحين يكتب على إيقاع النزال:
"آنَ أنْ يَزهَقَ الباطِلْ
آنَ أنْ يَعلَمَ اللِّصُّ والقاتِلْ
بين كَفِّ الشُّعوبِ ومِخرَزِ أعدائِها
لن يَطولَ الحوارُ
بعدَ ليلٍ قصيرٍ يُطِلُّ النهارُ"
يلتحم الإيقاع الموزون مع الرسالة السياسية، فيتحول النص إلى نشيد المعركة، حيث تتجاور القافية مع الأمل، وتتحول الكلمات إلى طبول حرب تدعو للانتصار.
جواد لا يكبو ..
ركض القاسم في ميادين الشعر كأنه جواد على سفوح الرامة، لا يعرف الانكسار. كل كلمة عنده كانت ترياق حياة و بذرة حلم جديد.
كتب متحديًا الموت:
" إنَّما… لا أَموتْ
الميادينُ تَذكُرُني و البيوتْ"
هنا تتجلى استعارة كبرى في شعره: أن الشاعر لا يُختزل في جسد لأنه يتحول إلى ميدان و بيت، ومكان يُسكن و لا يرحل.
موقعه بين أقرانه ..
إلى جانب محمود درويش، شكّل سميح القاسم وتوفيق زياد مثلث الشعر الفلسطيني المقاوم. كان درويش شاعر الغربة والحنين، و زياد شاعر الميدان و الناس، بينما جمع القاسم بين الحماسة الثورية و النغمة الغنائية، فجاء شعره جسرًا بين القصيدة السياسية و القصيدة الوجدانية. كتب من "منفى الداخل" تحت السجن و الملاحقة والحصار، جاعلًا من البقاء في الأرض فعلًا شعريًا لا يقل بطولة عن حمل البندقية.
الصور البلاغية و الأساليب الإنشائية ..
امتاز شعر القاسم بكثافة التشبيه و الاستعارة: الشمس عدو، الكلمة سيف، الأرض أمّ، و الموت ضيف ثقيل لا يُخشى. كما كان يوظّف المقابلة بين الأمل و اليأس، و الموت و الحياة، ليبرز حدة الصراع و يضخ في النص روح المفارقة.
الأساليب الإنشائية عنده كانت حاضرة بقوة:
النداء: "يا عدو الشمس" لخلق مواجهة مباشرة مع الخصم.
الأمر: "تقدّموا" لإشعال الحماسة و دعوة الفعل.
التكرار: كإيقاع داخلي يحاكي دقات القلوب في الميدان.
الاستفهام الإنكاري: لهدم يقين الخصم و زعزعة ثقته.
"تقدّموا": نبض الانتفاضة ..
قصيدة "تقدّموا" ولدت مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وسرعان ما تحولت إلى ترويدة ميدانية.
تكرار الأمر "تقدّموا" يصنع إيقاعًا يشبه وقع الأقدام في الشوارع، بينما التوازي في الجمل يعطي النص نبضًا جماعيًا، حيث يلتقي الشاعر مع المتظاهر في ساحة واحدة.
يقول القاسم، بإيقاع يضاهي وقع الحجارة على الخوذ:
" تَقَدَّموا… تَقَدَّموا…
فَكُلُّ ما تَبَقّى لَكمْ
مِن أَرْضِكُمْ… مِن دَمِكُمْ…
مِن لَحْمِكُمْ… مِن حُلْمِكُمْ…
مِن قَلْبِكُمْ… مِن قَبْرِكُمْ…
هُوَ أنْ تَقَدَّموا… تَقَدَّموا"
بهذه الجمل القصيرة المترادفة، تتحول القصيدة إلى صفّ عسكر، وكل كلمة فيها خطوة نحو المواجهة. الصور الحسية واضحة: الحجارة، القبضات المرفوعة، عيون الأطفال التي تحدق في الجنود، لتعيد رسم الميدان في ذهن القارئ وكأنه يعيش اللحظة.
القاسم و البعد الإنساني في المقاومة ..
رغم حضوره السياسي القوي، لم يحصر القاسم شعره في الشعارات. في قصائده العاطفية مثل "أحبك كما يشتهي الموت"، يتحول الحب إلى فعل مقاومة، و إلى مساحة حرية فردية داخل حصار الاحتلال. كان يرى أن الحب جزءًا من المعركة، لأنه يمنح الإنسان سببًا للبقاء والصمود.
وصية شاعر ..
حين اقترب موعد الرحيل، كتب وصيته الشعرية التي تكشف نزعة صوفية وإباء إنساني:
" أنا لا أُحِبُّكَ يا موتْ
لكِنِّي لا أَخافُكْ
و أَعلَمُ أنّي تَضيقُ عَلَيَّ ضِفافُكْ
و أَعلَمُ أنّ سَريرِي جَسَمي
و رُوحي لِحافُكْ"
هنا يواجه الموت بوعي كامل لطبيعته، دون إنكار حتميته، لكنه يؤكد أن الروح أكبر من الجسد و أن الكلمة أوسع من الكفن.
إرث لا يغيب ..
من "قرآن الموت والياسمين" إلى "ديوان الحماسة" و"أحبك كما يشتهي الموت"، ظل القاسم يزرع سنابل في رحم الإعصار، مؤمنًا أن القصيدة التي تُروى بدم صاحبها تتحول إلى شجرة أبدية. في "جهات الروح" قاد القارئ إلى جغرافيا لا تعرف الانكسار، مؤكدًا أن الغد، وإن حمل الرحيل، سيحمل الأمل القادم بلا انقطاع،مدركًا أن الأجيال اللاحقة ستقاوم و تتقدم .
رحيله كان جسديًا، وحضوره الشعري باقٍ، يزرع الحرية في القلوب ويهمس: "تقدّموا… فالحلم باقٍ" بانتظار الحالمين.
*شاعر وصحفي فلسطيني

