من يقرأ نص فلاديمير لينين «ملامح التطور التاريخي للماركسية»، يلمس فيه ما يشبه الإيمان الصارم: دفاع شرس عن الماركسية "الصحيحة"، ورفض حاد لأي انحراف عن مسارها كما رآه ماركس وإنجلز – أو كما قرأه هو تحديدًا. لينين لم يكن فقط قائدًا ثوريًا يسعى لقلب النظام القيصري وبناء الدولة الاشتراكية، بل كان أيضًا يعتبر نفسه "الحارس الأمين" على جوهر الماركسية، حاميها من التحريف، ومُفسّرها الشرعي.
لكن، هل كان لينين حارسًا حقًا؟ أم أنه، دون أن يعلن، أعاد تشكيل الماركسية وفقًا لضرورات اللحظة الروسية؟ وهل ما كتبه دفاع عن "الأصل" أم صياغة لفرع جديد له شروطه وأولوياته الخاصة؟
في هذا المقال، نحاول قراءة نقدية لهذا النص المهم، لا بهدف التقليل من قيمته التاريخية، بل لتفكيك بنيته الفكرية، وطرح أسئلة مراجعة بعد مرور أكثر من قرن على صدوره.
أولًا: لينين ليس ناسخًا، بل مؤسس قراءة جديدة
ينطلق النص من فكرة أن الماركسية تطورت عبر ثلاث مراحل: فلسفية، اقتصادية، وسياسية – وهي رؤية كلاسيكية، تُبنى على خطٍّ مستقيم من ديموقريطس وهيغل إلى فيورباخ ثم ماركس. لكن ما يغيب هنا هو أن لينين نفسه لم يكن مجرد ناقل لهذا التطور، بل أعاد إنتاجه.
فحين كتب عن "المادية الجدلية"، لم يكن يشرح ماركس فقط، بل كان يردّ أيضًا على خصومه داخل اليسار الروسي، ويؤسس شرعية فلسفية لبنية الحزب البلشفي الصارمة، ويقدّم بديلاً ماركسيًا للرؤية المثالية التي كانت تغلب على التيارات الليبرالية والثورية آنذاك.
ما فعله لينين كان في الواقع "إعادة صياغة" للماركسية بما يناسب سياقه السياسي: روسيا المتأخرة صناعيًا، الفلاحية بطبيعتها، القمعية سلطويًا. لقد طبّق الماركسية... لكن على طريقته.
ثانيًا: الدولة والثورة... ومسألة الحزب
في أحد أقوى مواضع النص، يُطرح أن الثورة البروليتارية ودكتاتورية الطبقة العاملة هما المسار الحقيقي للتحرر. يتم رفض الإصلاح التدريجي، ويتم التشديد على حتمية الصراع الطبقي وانهيار الدولة البرجوازية.
لكن ما يغيب عن هذا الطرح هو سؤال: من يمثّل الطبقة العاملة؟
لينين أجاب عمليًا: الحزب الطليعي، المنضبط، المركزي، الذي يعرف "مصلحة الطبقة" حتى لو لم تعبّر عنها الجماهير. وهنا، ينزلق الخطاب الماركسي إلى سلطوية مغلّفة بثورية. فالثورة لم تعد فعلًا جماهيريًا بل مهمة نخبوية لحزب يعرف أكثر.
والتاريخ أثبت أن "دكتاتورية البروليتاريا" تحوّلت سريعًا إلى دكتاتورية الحزب... ثم دكتاتورية الفرد.
ثالثًا: الاقتصاد الماركسي ليس "علمًا صارمًا"
يتعامل النص مع الاقتصاد السياسي الماركسي كعلم اكتمل مع ماركس، خصوصًا في كشفه لآليات الاستغلال من خلال فائض القيمة. لكنه يتغافل عن تعقيدات الاقتصاد الحديث، وعن الأسئلة التي لم تجب عليها الماركسية الكلاسيكية:
ماذا عن العمل غير المأجور؟
كيف تُحسب القيمة في الاقتصاد الرقمي؟
ما هو موقع البيئة، الاستهلاك، الثقافة، في النظام الرأسمالي؟
الاقتصاد الماركسي، كما قُدّم هنا، يبدو متماسكًا، لكن في حقيقته أقرب إلى منظومة تفسيرية نقدية منه إلى علم تجريبي قادر على التنبؤ أو التطوير. وحتى بعض المفاهيم المحورية، مثل "الطبقة" أو "الصراع الطبقي"، تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف في ظل تفتت الهويات الاقتصادية وصعود الفئات الهجينة.
رابعًا: الماركسية كمنهج، لا كنص مقدس
ينهي النص بتأكيد أن الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل منهج متحرّك. لكنها تُقدَّم، عمليًا، كأنها كذلك: كل فكرة تبدأ بـ "الرفيق ماركس"، و"الرفيق لينين"، و"الرفيق إنجلز"، وكل استنتاج يبدو نهائيًا، وكأن الصراع الطبقي حتمي، والانتصار الاشتراكي مؤكّد، والبرجوازية إلى زوال.
هذا الخطاب المطمئن يناقض الجوهر الجدلي للماركسية نفسها، التي تقوم على الشك، والنقد، والتاريخية. كيف تكون الماركسية علمًا متطورًا إذا لم تتغيّر أدواته منذ قرن؟ ولماذا يتم التعامل مع نصوص القرن التاسع عشر كأنها صالحة لفهم القرن الحادي والعشرين؟
نحو ماركسية بعد-لينينية
ما تحتاجه الماركسية اليوم ليس الدفاع عنها كما فعل لينين، بل تحريرها من خطاب الحراسة. نحن نحتاج إلى ماركسية تتجاوز لينين دون أن تنكره، وتعيد طرح الأسئلة بدل تكرار الإجابات.
ماركسية تُعيد التفكير في شكل الدولة، وموقع الثورة، ومعنى الطبقة.
ماركسية تستوعب قضايا لم تكن مطروحة في زمن ماركس أو لينين: المناخ، النوع الاجتماعي، الذكاء الاصطناعي، السيادة الرقمية.
ماركسية تفكر في السلطة، لا فقط في من يمتلك وسائل الإنتاج.
لينين، بكل إنجازاته وشجاعته وفكره الحاد، لم يُكمل المشروع. لقد فتح الباب، لكنه لم يكتب الصفحة الأخيرة. وربما يكون النقد اليوم، لا التقديس، هو أكثر أشكال الوفاء له.



