واشنطن – هبة القدسي-وصل الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 على موجة من الوعود الاقتصادية، بعدما أقنع الناخبين بأنه المنقذ من الركود وغلاء المعيشة. وكرر في حملاته الانتخابية سؤالاً بسيطاً موجهاً للأميركيين: "هل أنتم أفضل حالاً مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟"، متعهداً بخفض الضرائب والأسعار، ورفع معدلات النمو والتوظيف.
لكن بعد مرور 100 يوم على تنصيبه، تغيّر المشهد الاقتصادي الأميركي والعالمي بشكل دراماتيكي، إذ فجّرت سياسات ترمب المالية والتجارية سلسلة من الصدمات في الأسواق العالمية، وأطلق حرب رسوم جمركية على عشرات الدول، متهماً إياها باستغلال الاقتصاد الأميركي.
تراجع الثقة وفوضى الأسواق ..
ووصفت صحيفة "واشنطن بوست" أداء ترمب بأنه "الأسوأ لرئيس أميركي في أول 100 يوم منذ أكثر من قرن"، مشيرة إلى أن سياساته أشعلت حالة من الفوضى وعدم اليقين على نطاق واسع. فقد تباطأ النمو، وتراجعت ثقة المستثمرين والمستهلكين، وتراجعت مدخرات ملايين الأميركيين، خصوصاً في صناديق التقاعد.
وأثارت الحرب التجارية التي أطلقها ترمب، وشملت كندا والمكسيك وأوروبا واليابان، غضباً واسعاً حتى من الحلفاء، لا سيما بعد تصريحاته الاستفزازية حول كندا وتهديداته لغرينلاند وبنما. كما دفعت هذه الإجراءات شركاء أميركا إلى التشكيك في مصداقية واشنطن كشريك تجاري موثوق.
ردود عنيفة من الخصوم ..
الصين، العدو الاقتصادي الأول لترمب، ردّت على الرسوم الجمركية بإجراءات مضادة، أبرزها تعليق تصدير المعادن النادرة التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية الأميركية. كما تحركت بكين بسرعة لملء الفراغ الذي خلّفته واشنطن على الساحة التجارية الدولية.
تراجع التأييد الشعبي ..
أظهرت نتائج استطلاع مشترك بين إيكونوميست ويوغوف أن 52% من الأميركيين لا يوافقون على أداء ترمب الاقتصادي، مقابل 42% يؤيدونه. وانخفضت شعبيته الاقتصادية 16 نقطة منذ توليه السلطة. كما أشار استطلاع أجرته رويترز وإيبسوس إلى تزايد مشاعر الإحباط وعدم الرضا بين الناخبين.
صدمة الرسوم الجمركية ..
فرض ترمب رسوماً جمركية جديدة في احتفال صاخب بالبيت الأبيض في 2 أبريل، أطلق عليه اسم "يوم التحرير". لكن هذه الخطوة أشعلت حرباً تجارية عالمية، وأدت إلى تقلبات حادة في الأسواق، حتى وصفها كريستوفر والر، محافظ الاحتياطي الفيدرالي، بأنها "واحدة من أكبر الصدمات الاقتصادية لأميركا منذ عقود".
تأثيرات محلية وعالمية ..
لم تقتصر آثار الرسوم على الشركات الكبرى، بل امتدت لتطال الأسر الأميركية بزيادة الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. وفي حين كان الهدف المعلن هو دعم التصنيع المحلي، فإن واقع ارتفاع التكاليف وضع ضغوطاً كبيرة على المستهلكين والشركات على حد سواء.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن السياسات الأميركية قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي، وترفع الدين العالمي إلى مستويات تتجاوز تلك التي سُجلت خلال جائحة كوفيد-19، لتقترب من 100% من الناتج العالمي بحلول عام 2030.
أسواق متقلبة ومؤشرات مربكة ..
شهدت مؤشرات الأسهم الأميركية تذبذباً شديداً. ففي حين ارتفعت مؤقتاً بعد تجميد مؤقت للرسوم، تراجعت مجدداً مع تهديد ترمب بإقالة رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" جيروم باول، ثم استعادت بعض الاستقرار بعد نفيه للأمر. وسجلت أسعار الذهب ارتفاعاً متسارعاً، بينما تراجعت قيمة الدولار، وارتفعت عائدات السندات، ما يشير إلى ارتباك عميق في ثقة المستثمرين.
ترمب: "صفقات عادلة" في الأفق ..
رغم هذه الفوضى، لا يزال البيت الأبيض يؤكد أن هذه الإجراءات جزء من خطة إستراتيجية طويلة الأجل. وأعلن ترمب عزمه التفاوض على اتفاقات تجارية "عادلة" مع الصين والاتحاد الأوروبي، مع احتمال خفض الرسوم على المنتجات غير الحساسة للأمن القومي. كما ألمح إلى إمكانية التراجع عن بعض الرسوم إذا تم التوصل لاتفاقات.
لكن حتى الآن، لم تُبرم أي صفقات ملموسة، رغم تلميحات صينية بأن باب التفاوض ما زال مفتوحاً. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن "فن التراجع" الذي يمارسه ترمب، أي إطلاق التهديدات ثم التراجع عنها، يولّد حالة من عدم اليقين تعرقل قرارات الأعمال والاستهلاك.
مستقبل غير واضح ..
مع هذه البداية المضطربة لولاية ترمب، تتزايد التساؤلات: إذا كانت المائة يوم الأولى قد قلبت النظام الاقتصادي العالمي رأساً على عقب، فكيف ستكون ملامح الأيام الـ1360 القادمة؟



