الكاتب : عليان الهندي
على عكس الانتخابات التي جرت منذ عقدين تقريبا، تعتبر الانتخابات الإسرائيلية الحالية، من أهم الانتخابات التي تجري، خاصة بعد محاولات الليكود وأحزاب اليمين إحداث تغييرات قضائية في إسرائيل، أو بصورة أدق نقل صلاحيات القرار من مؤسسات الدولة العميقة، إلى الأحزاب الحاكمة، وأحداث السابع من أكتوبر ومحاولة إسرائيل طرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وتفريغ الأغوار الفلسطينية من سكانها الفلسطينيين الأصليين، والعدوان الإسرائيلي على لبنان، والأميركي – الإسرائيلي المتواصل على ايران منذ عام 2025 حتى اليوم.
الانتخابات التي ستجري تشبه إلى حد بعيد، الانتخابات الإسرائيلية التي جرت عام 1974، بعد الهزيمة التي تعرضت لها إسرائيل في حرب أكتوبر عام 1973، التي مهدت الطريق لإحداث تغيير في الخريطة السياسية الحاكمة، وحدوث ما يسمى بالانقلاب عام 1977، الذي أدى إلى هزيمة حزب العمل "المعراخ"، وصعود حزب "حيروت" ،الليكود حاليا، إلى سدة الحكم منذ ذلك الوقت حتى اليوم، باستثناء فترات محددة.
كم تشبه نتائج الانتخابات التي حدثت عام 1974، بالانتخابات التي ستجري في الربع الأخير من عام 2026، حيث جاءت الأولى، بعد تقرير لجنة "أغرانات" التي حملت فيها نتائج الفشل في حرب أكتوبر للقيادة العسكرية، وليس للقيادة السياسية، ما اعتبره المجتمع الإسرائيلي قمة الفساد في السلطة والحزب الحاكم. في حين نجح الحزب الحاكم (الليكود)، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الحالي في دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ومعه أحزاب اليمين المتطرف، من أحزاب الصهيونية الدينية، أي المستوطنين وأتباعهم، وأحزاب المتدينين المتزمتين "الحريديم" الهروب من لجنة تحقيق قضائية كتلك التي شكلت عام 1973، محملا تبعات فشل أحداث يوم السابع من أكتوبر إلى المستويات العسكرية، التي استخلصت جميعها العبر وقدمت استقالتها بدءا من رئيس الأركان الفريق هيرتسي هليفي ورئيس جهاز المخابرات رونين بار وكبار جنرالات الجيش، الذين نفذوا جريمة إبادة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لم يشهد لها العالم مثيلا، حتى اليوم، منذ الحرب العالمية الثانية، باستثناء ما حدث من مذابح وإبادة جماعية في رواندا.
الانتخابات الحالية، لن تكون انتخابات على الأيديولوجيات أو على التوجهات والبرامج السياسية الجديدة والمختلفة عن بعضها البعض، بل هي انتخابات عنوانها الأبرز، إزاحة بنيامين نتنياهو عن سدة الحكم، وإغلاق نهائي لمحاولة اليمين الإسرائيلي إسقاط مؤسسات الدولة العميقة ومعها قرارات الحرب والسلام، لصالح الحزب الحاكم والكنيست.
لذلك، لن تكون للانتخابات الحالية، انعكاسات ونتائج إيجابية ملموسة على الشعب الفلسطيني، وعلى حل دولتين لشعبين، بل ستكون لصالح أجندة داخلية وخارجية هدفها إخراج دولة الاحتلال الإسرائيلي من عزلتها الإقليمية والدولية، مقابل بعض التحسينات الاقتصادية والسياسية الرمزية للفلسطينيين.
تحاول المقالة الحالية، تسليط الضوء على الانتخابات الإسرائيلية بتفاصيلها وأبعادها المختلفة، وتسليط الضوء على بعض الجوانب الشخصية لأعضاء الكنيست القادم وتوجهاتهم السياسية، والبرامج السياسة للأحزاب، ومحاولة تشكيل برنامج سياسي للحكومة القادمة، خاصة في كل ما يتعلق بالشعب الفلسطيني، وبالصراع العربي – الإسرائيلي.
والعيب الوحيد للمقالة الحالية، هو أنها مبنية على متوسط استطلاعات الرأي المختلفة، ونسبة الدقة في المعلومات والإحصاءات ستكون عالية جدا، تصل إلى أكثر من 90%، مع توقع سقوط حزب قديم وصعود حزب جديد، كما هو حال كل الانتخابات السابقة. ويستثني من ذلك حزب العمل، الذي اندمج مع حزب ميرتس مشكلا قائمة موحدة.
الانتخابات الإسرائيلية – المقترعون الرسميون ..
تشير المعطيات الرسمية المنشورة حتى 31\9\2026، أن عدد المقترعين في دولة الاحتلال الإسرائيلي، يصل إلى ما يقارب من 7.4 مليون ناخب، من بينهم ما يقارب من 1.1 مليون صوت عربي فلسطيني، ويشكلون ما نسبته 17% من أصوات الناخبين. وتعود نسبتهم الأقل، مقارنة مع نسبة المقترعين اليهود، إلى أن الفلسطينيين في مدينة القدس، مشمولين في الإحصاء الإسرائيلي العام كـ "سكان دائمين"، ولا يحملون الجنسية الإسرائيلية، لكنهم غير مشمولين في سجل الانتخابات الإسرائيلي. لذلك، تساوي القوة الانتخابية العربية الفلسطينية في انتخابات الكنيست العامة ما يقارب من 20 مقعدا، في حال كانت نسبة التصويت مشابهة لنسبة التصويت في أوساط المجتمع اليهودي. وفي حال كانت كل الأصوات، موجهة للأحزاب العربية، وهذا صعب المنال، خاصة ان نسبة كبيرة من أصوات الناخبين الدروز والشركس، وبدرجة أقل في أوساط البدو وبعض المسلمين، يصوتون لبعض الأحزاب الصهيونية، اعتقادا من الكثير منهم، أن التصويت لتلك الأحزاب، يساهم في تحسين أوضاعهم.
أما نسبة الحسم في الانتخابات الحالية، فتصل إلى 3.25% من مجموع أصوات المشاركين في الانتخابات، وقد رفعت تلك النسبة عام 2014، مع اقتراب الانتخابات الثامنة عشرة، على أمل إسقاط الأحزاب العربية في الانتخابات العامة، أو على أبعد تقدير عدم رفع عدد أعضائها في الكنيست، كي لا تشكل أية مشكلة لأية أغلبية يهودية في الكنيست، إن كانت من اليمين أو اليسار، كما هو الحال اليوم.
إجمالا كل من يصل إلى نسبة الحسم المذكورة، يحصل على 4 مقاعد في الكنيست. وفي السياق المذكور سقط حزب أبناء البلد المدعوم من قبل عضو الكنيست السابق عزمي بشارة لعدم قدرته على الحصول على 17 ألف صوت إضافية في الانتخابات الخامسة والعشرين، في حين سقط حزب ميرتس لعدم حصوله على 5 آلاف صوت. ولو نجح الحزبان، في تخطي تلك النسبة، لما نجح الليكود، ومعه أحزاب اليمين الفاشي في الصعود لسدة الحكم لأربعة أعوام كاملة.
وبخصوص صناديق الانتخاب، فقد بلغ عددها 12.525 صندوقا انتخابيا، موزعة على كل مناطق دولة الاحتلال الإسرائيلي، من بينها صناديق خصصت لمن تم إخلاؤهم من شمال وجنوب دولة الاحتلال نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى قطاع غزة.
وبخصوص مواقف المقترعين اليهود من الحل مع الفلسطينيين، تشير المعطيات المنشورة في مركز "زمان يسرائيل" الى أن 55% من المقترعين يفضلون المحافظة على الوضع القائم، في حين يفضل 23% الانفصال عن الفلسطينيين، في حين يؤيد 22% من الجمهور اليهودي إقامة دولة فلسطينية، وهي نسبة أعلى من نسبة أعضاء الكنيست للكنيست القادم ، لتركيز هؤلاء الأعضاء على استجلاب أصوات المستوطنين .
الأحزاب المشاركة ..
يشارك في الانتخابات الإسرائيلية الحالية 38 حزبا، تضم في صفوفها 1488 مرشحا، من بينهم 240 عربيا ينضوون تحت 4 أحزاب عربية. ويتنافس الجميع على 120 مقعدا . وباستثناء 4 أحزاب هي :الليكود، ويشار، والديمقراطيين، وبياحد، وهي أحزاب لم تضم سوى 10 مرشحين عرب، وضعوا في أماكن غير مناسبة في قوائم الأحزاب المذكورة، تمثل بقية الأحزاب في إسرائيل القطاعات والأعراق المختلفة مثل حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يمثل اليهود الروس، أو حزب "شاس" الذي يمثل اليهود المتزمتين دينيا "الحريديم" أو يهود الشرق حسب تعريفه، أو حزب "يهدوت هتوراة" الذي يمثل اليهود الغربيين المتزمتين دينيا "الحريديم"، وهما حزبان إضافة لتصنيفهما العرقي، فإن مهمتهما هي الدفاع عن مصالح هذه الفئة من السكان التي تساوي ما نسبته 14% من مجموع الناخبين، وفق لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، ولا يوجد حزب يهودي عربي مشترك، سوى حزب واحد فقط، لا تتوقع له استطلاعات الرأي الحصول على أي مقعد.
ووفق استطلاعات الرأي، التي تتشارك فيها كل القنوات والمواقع الإسرائيلية الإخبارية والحزبية المختلفة، يتوقع أن يفوز في الانتخابات القادمة من 10-12 حزبا من بينهم، حزبان عربيان، اللذان يشكلان سدا مانعا أمام قيام الكتلتين بتشكيل حكومة صهيونية.
لم تتوقف الانتخابات الإسرائيلية على الأحزاب الـ 38، فعظم الأحزاب المشكلة للكنيست القادم ، وحتى السابق ، تضم في صفوفها مجموعة من الأحزاب والمجموعات السياسية والاجتماعية، التي قررت التوحد فيما بينها، إما لعدم السقوط في الانتخابات، أو لرغبتها في الحصول على المزيد من الأصوات، وبالتالي الحصول على مقاعد إضافية في الكنيست.
هذا ما حصل مع الأحزاب اليمينية المتطرفة والفاشية مثل حزبي "الصهيوينة الدينية" و "عوتسماه يهوديت"، ومع الأحزاب الدينية المتزمته "الحريديم" مثل "يهدوت هتوراة"، التي شمل كل حزب فيها على تحالف بين 3 أحزاب من ذات الوجه.
كما انضمت القائمة العربية المشتركة إلى تلك القائمة، التي تضم في صفوفها 3 أحزاب، من أجل تعزيز مكانة الحزب في الانتخابات القادمة، خاصة ان الهدف الذي وضعه قادة الحزب أمام أعينهم هو إسقاط حكومة اليمين المتطرف، التي تغذي عمليات القتل الممنهج بحق الفلسطينيين في الداخل المحتل، وقمعت الفلسطينيين بشدة ومنعتهم، حتى من إبداء مظاهر التعاطف، مع أبناء شعبهم، نتيجة المجازر وحرب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ووفق متوسط الاستطلاعات، يتوقع ان يكون حزب "أزرق ابيض" برئاسة رئيس الأركان ووزير الحرب السابق الجنرال بنيامين غانتس أكبر الخاسرين لعدم توقع كل استطلاعات الرأي فوزه في الانتخابات القادمة، ويليه حزب "يش عتيد" الذي يترأسه يئير لابيد، الذي تفيد استطلاعات الرأي أن عدد أعضائه في الكنيست سينخفض إلى النصف، في حين سيكون رئيس الأركان والوزير السابق الجنرال غادي أييزنكوت رئيس حزب "يشار" أكبر الرابحين ليس فقط في فوز حزبه الجديد، بل في كونه أول يهودي شرقي يترشح لمنصب رئاسة الوزراء في دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها حتى اليوم.
نتيجة تركيبة الكنيست منذ نشأتها، حتى اليوم، تشهد دولة الاحتلال الإسرائيلي نوعا من عدم الاستقرار الحزبي، وعدم القدرة على تحقيق النسبة الكافية لتشكيل حكومات مستقرة، خاصة في العقد الأخير. وتفيد المعطيات أنه، لا يوجد حزب في إسرائيل حكم منفردا منذ نشأة هذه الدولة حتى اليوم، نتيجة عدم حصوله على أية اغلبية. مع ذلك، تشهد دولة الاحتلال الإسرائيلي، نوعا من الاستقرار السياسي الذي تحافظ عليه مؤسسات الدولة العميقة، مثل الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة، والأجهزة القضائية المختلفة، وفي مقدمتها مؤسسة المستشار القضائي للحكومة، وما يسمى بمحكمة العدل العليا.
ملاحظة مهمة لا بد من الإشارة إليها، في كل ما يتعلق بالأحزاب الإسرائيلية، وهي ان الصراع القائم بينها اليوم، ليس، صراعا بين يمين ويسار، بل صراع بين تيارين يملكان قوة أساسية في المجتمع الإسرائيلي، هما: تيار اليمين واليمين الوسط الذي يطالب بالمحافظة على الدور البارز والمهم لمؤسسات الدولة العميقة في عملية اتخاذ القرارات، ويمثلها في ذلك 4 أحزاب رئيسة هي: "يشار" الذي يقوده الجنرال غادي أييزنكوت و "الديمقراطيين" الذي يقوده الجنرال يئير غولان و "يسرائيل بيتنا" الذي يقوده أفيغدور ليبرمان و "بياحد" الذي يقوده نفتالي بينت، وبين تيار اليمين المتطرف والمتدينين المتزمتين "الحريديم" الذين يقودهم "الليكود" برئاسة بنيامين نتنياهو وحزبا "الصهيونية الدينية" اللذان يقودهما بيتسلائيل سموتيرتش وايتمار بن غفير وحزبي "شاس" و "يهدوت هتوراة" اللذان يقودهما آرييه درعي وآشر يعقوب، الذين يسعون إلى تحويل مصادر القرار من مؤسسات الدولة العميقة إلى الأحزاب التي تحصل على أغلبية المقاعد في الكنيست، وبالتالي تحويل القرار في الحرب والسلام، وفي الشئون الداخلية، على الحكومة التي تملك أغلبية في الكنيست. أما الكتلة الثالثة، وهم الفلسطينيون المنضوون في حزبين فلهم أجندة خاصة بهم تتعلق بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، ووقف القتل الممنهج في صفوفهم، وفي المطالبة بالمساواة في الحقوق، والمشاركة في الحياة السياسية، بعد ما يقارب من ثمانية عقود من المشاركة في الحياة البرلمانية.
برامج الأحزاب ..
لم تختلف برامج الأحزاب، عن المواقف التي يتبناها أعضاء الكنيست القادم ، في كل ما يتعلق بالفلسطينيين والحل معهم. وفي هذا السياق، يمكن القول ان الدولة الفلسطينية سقطت بشكل كامل من جدول أعمال كل الأحزاب الإسرائيلية، بمن في ذلك، حزب الديمقراطيين، الذي يضم في صفوفه، بعض أعضاء الكنيست المؤيدين لإقامة دولة فلسطينية، لصالح أجندة وبرامج داخلية. ويمكن تقسيم برامج الأحزاب الإسرائيلية والموقف من الفلسطينيين والسلام معهم إلى مجموعة من النقاط، هي:
باستثناء الأحزاب العربية، وبعض الأعضاء حزب الديمقراطيين، لا تتضمن أيا من برامج الأحزاب اليهودية الدعوات لإقامة دولة فلسطينية، أو حل قائم على دولتين لشعبين، بمن في ذلك الأحزاب المعارضة لبنيامين نتياهو، التي عبرت بوضوح عن مواقفها بخصوص القضية الفلسطينية، حيث تميل هذه الأحزاب إلى تبني ثلاثة مواقف أساسية هي:
أ.الانفصال عن الفلسطينيين، وفق حل أشبه بصفقة القرن، وهي حلول ليست مطروحة في برنامج حزب "يشار" الذي يترأسه رئيس الأركان السابق الجنرال غادي أييزنكوت، لكن يفهم ذلك من خلال التصريحات التي أطلقها، ومن خلال الهدف الرسمي الذي يسعى الحزب إلى تحقيقه، وهو "المحافظة على دولة إسرائيل كبيت وطني للشعب اليهودي".
وينضم إلى الموقف المذكور حزب الديمقراطيين الذي يترأسه الجنرال السابق يئير غولان، الذي طرح برنامجا يدعو إلى إيجاد تسويات بعيدة المدى مع سوريا ولبنان ومع ايران ومع قطاع غزة والضفة الغربية.
لكن التسويات المذكورة و "الكرم الإسرائيلي اللامحدود"، لن يقدم مجانا للفلسطينيين، بل سيكون ثمنه السلام مع المملكة العربية السعودية وتطبيع العلاقات معها، ومع غيرها من الدول العربية والاسلامية.
ب.تحقيق النصر المطلق على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي دفع الفلسطينيين إلى التسليم بالسياسات الإسرائيلية مهما كانت، التي تتضمن تسويات أمنية. وهذا الموقف تتشارك فيه كل الأحزاب اليهودية، إن كانت معارضة أو مؤيدة لبنيامين نتنياهو. غير أن حزب "يسرائيل بيتنا" يطالب بأن يكون الأردن شريكا في التسويات الأمنية المستقبلية المتعلقة بالضفة الغربية.
ج.تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، وهو تيار قوي جدا في إسرائيل اليوم، ليس فقط في الأحزاب المشكلة لتحالف بنيامين نتنياهو، بل هناك الكثير من المرشحين في الأحزاب المعارضة الإسرائيلية المؤيدة لهذا الخيار.
وتهجير الفلسطينيين، من المناطق المذكورة لم يكن برنامجا سياسيا، بل كان السياسة العملية التي اتبعتها دولة الاحتلال الإسرائيلي على مدار السنوات الثلاث الماضية، بدعم واضح من الولايات المتحدة بعهد الرئيسين السابق جوزيف بايدن والحالي دونالد ترامب.
أما الأحزاب الدينية المتزمتة دينيا "الحريديم"، مثل حزب أغودات يسرائيل الذي يترأسه آشير يعقوب، وحزب شاس، الذي يترأسه آرييه درعي، فيتطلعان إلى إقامة دولة الشريعة اليهودية، وتعاملها مع القضية الفلسطينية يميل أكثر إلى مواقف الحزب الأكبر المشكل للحكومة. لكن ذلك، لا ينفي التوجهات اليمينية المتطرفة عند أبناء هذا التيار وقادته، خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية، الذين أصبحوا يشكلون فيه جزءا مهما من المستوطنين المنتشرين في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلتين. ويشاركهما الرأي ذاته، حزب الصهيونية الدينية الذي يترأسه بيتسلائيل سموتيرتش والعظمة اليهودية برئاسة ايتمار بن غفير.
أعضاء الكنيست – من هم ؟ ..
لم يتوقف استغلال أحداث السابع من أكتوبر عام 2023 على إبادة وتدمير قطاع غزة وسكانه، بل امتد ليشمل حتى الانتخابات الإسرائيلية، عندما قررت كل الأحزاب الصهيونية ضم أحد الأقارب المباشرين، اخ أو أم أو أب أو أخت، من قتل في مستوطنات غلاف قطاع غزة، أو داخله، نتيجة القصف الإسرائيلي مثل رئيس الأركان السابق غادي أييزنكوت مرشح حزب "يشار" الذي قتل ابنه داخل القطاع، او تليك غويلي التي انضمت لحزب الليكود. وإضافة هذه الأسماء، لم يأت لمعالجة أسباب ما حدث، بل لتغذية الرغبات الانتقامية داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي لم يشبعه القتل والإبادة، حتى بعد استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وفق البيانات الفلسطينية الرسمية.
وفق السير الذاتية للمرشحين، صنف ما يقارب من 95 مرشحا أنفسهم، على أنهم من ذوي التوجهات اليمينية، ما بين اليمين الوسط وبين اليمين المتطرف، من بينهم ما يقارب من 40 مرشحا يؤيدون طرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وتوفير بيئة مناسبة لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية. لكن يعارض ما يقارب من 90 مرشحا منهم إقامة دولة فلسطينية. وجميع المرشحين المذكورين يتواجدون في كل الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها حزب الديمقراطيين، أو حزب العمل وميرتس سابقا.
أما المؤيدين لحل قائم على دولتين لشعبين، فهم يتواجدون في 3 أحزاب أساسية، منها الأحزاب العربية، وقائمة الديمقراطيين، خاصة مرشحي حزب ميرتس، مع العلم أن رئيس الحزب يئير غولان، وعندما طلب منه استخدام مصطلح الضفة الغربية، والتخلي عن مصطلح يهودا والسامرة، رد قائلا "يهودا والسامرة" ليس مصطلحا يمينيا.
إجمالا، يمكن القول ان المؤيدين لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، لا يصل عددهم في الكنيست القادم إلى 20 عضوا، 12 منهم من أعضاء الكنيست العرب، أما بقية من يؤيدون الحل القائم على دولتين مثل يئير لابيد ويئير غولان، فهما يشترطان أن لا تكون القدس وكتل المستوطنات جزءا منها.
كما صنف 46 عضو كنيست قادمة أنفسهم، على أنهم متدينين، من بينهم 19 مرشحا يحملون شهادة حاخام. ومن حيث المواقف السياسية، لهذه الفئة، يصنف ما يقارب من 35 منهم أنفسهم على أنهم ما بين محافظين وبين متطرفين سياسيا، لكن تلك المجموعة تعارض بكل الأشكال إقامة دولة فلسطينية .
كما يضم الكنيست القادم 22 شخصية عسكرية، من بينهم 6 جنرالات، وشخصيتان أمنيتان شغلا منصب رئيس جهاز مخابرات ونائب رئيس الموساد، وهما يحملان درجات عسكرية تعادل رتبة جنرال، ونائب رئيس جهاز شرطة برتبة جنرال، ومن بين المرشحين العسكريين درزي يحمل رتبة جنرال. كما سيضم الكنيست القادم 7 ممن يحملون رتبة عقيد، و 6 مرشحين ممن يحملون رتبة رائد. وخلال تتبع المسيرة الذاتية للمرشحين للكنيست تبين أن الكثير منهم، خدم في الوحدات الخاصة خلال العقدين الأخيرين، ما يعني مشاركتهم في قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية ومدينة القدس وقطاع غزة ولبنان. اما الليكود الذي تعود على ضم جنرال إلى قائمته، فيبدو انه تنازل عن ضم أية شخصية عسكرية مرموقة هذه المرة.
كما سيضم الكنيست القادم 3 رؤساء حكومات سابقين هم: نفتالي بينت ويئير لابيد، إضافة إلى رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.
وبضم الكنيست القادم 22 مستوطنا، معظمهم من مدينة القدس المحتلة بشقيها الشرقي والغربي، إضافة إلى مستوطن من الجولان المحتل.
أما النساء، فسيبلغ عددهن في الكنيست القادم 32 عضوة ، أي ان ربع الكنيست القادم سيكون منهن.. ويعتبر الليكود، في هذه الانتخابات أفقر الأحزاب تواجدا للنساء، حيث بلغ عددهن 3 نساء فقط، في حين أن منافسه الأول حزب "يشار" يضم 10 نساء. أما الأحزاب الدينية المتزمتة "الحريديم" فلا تضم أيا من النساء.
وبخصوص تمثيل الشرقيين في الكنيست القادم ، فقد حصل تراجع في أعدادهم، حيث يصل عددهم في الكنيست القادم إلى 50 عضوا، من بينهم 16 عربيا. ومن بين العرب 2 من الدروز. ويضم الليكود أكبر عدد من المرشحين من اليهود الشرقيين، الذين وصل عددهم إلى 13 عضوا، ويشكلون أكثر من نصف أعضاء الكنيست القادم عن الحزب. والغريب في قائمة الشرقيين في حزب الليكود ان 9 منهم من يهود تونس.
ويضم الكنيست القادم 43 عضوا جديدا، ويعتبر حزب "يشار" أكبر الأحزاب التي تضم عناصر جديدة، حيث بلغ عددهم 18 عضوا.
إضافة لذلك، يضم الكنيست القادم أكثر من 100 عضو ، ممن أنهوا الدراسة في الجامعات الإسرائيلية المختلفة، ومن خريجي الكليات العسكرية. ومن بين هؤلاء يوجد بروفيسور ،وهو عربي، و 4 من حملة الدكتوراة و 5 أطباء، و 28 عضوا ممن يحملون شهادة الماجستير.
غير أن أعضاء الكنيست على مختلف توجهاتهم، باستثناء المرشحين من حزبي المتدينين المتزمتين "الحريديم"، يحملون شهادات إضافية، مثل مهنة المحاماة والعمل في القانون، وهي المهنة الأكثر انتشارا بين أعضاء الكنيست منذ سنوات طويلة، حيث تفيد المعطيات عن وجود 19 محامي في الكنيست القادمة و 12 مختص بالقانون والقضاء. كما احتل تخصص العلوم السياسية المرتبة الثانية لوظائف أعضاء الكنيست القادم ، حيث بلغ عددهم 18 مختصا في المجال المذكور. كما تشغل وظائف الإدارة عامة وإدارة الأعمال والعلاقات العامة والتخطيط جانبا مهما في وظائف أعضاء الكنيست القادم ، الذي وصل عدد من يحملون شهادات في هذا التخصص إلى 13 عضوا.
أما بقية وظائف أعضاء الكنيست القادم فهي موزعة كالتالي: سياسات عامة وفلسفة سياسية عدد 3، علوم اجتماعية عدد 4، رجال أعمال عدد 2، اقتصاد ومحاسبة عدد 6، شاعر وأديب وفنان عدد 3، صحافة واعلام عدد 5، مدرسين عدد 5، هندسة عدد 2، الحكم والدبلوماسية عدد 3، التاريخ عدد 3، لاعب كرة قدم واحد، طيارين عدد 2، ومختص باللغة العربية الذي ألف قاموسا عبريا عربيا وهو وزير القضاء الحالي يريف لافين من الليكود.
كما يضم الكنيست القادم طالبا جامعيا واحدا، و 3 لواطيين موزعين على 3 أحزاب، ويشكلون قوة انتخابية في إسرائيل تساوي عضوي كنيست. ومن أبرز هؤلاء رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا.
أما أعضاء الكنيست الذين ولدوا خارج إسرائيل، فيبلغ عددهم 10 أعضاء، وهي أقل نسبة ممن سيشغل عضوية الكنسيت منذ إنشاء دولة الاحتلال الإسرائيلي حتى اليوم.
يبلغ متوسط أعمار أعضاء الكنيست القادم 52 عاما، وهو كنيست شاب تقريبا، في حين يصبح الليكود أكبر الأحزاب سنا بمتوسط عمر 55 عاما، وهي نسبة أكبر بكثير من النسب في الانتخابات السابقة، أما الحزب الأكثر شبابا فهو ، حزب "يشار"، حيث يصل متوسط الأعمار فيه إلى 45 عاما .
خلاصة :
سقطت القوى السياسية المعارضة لبنيامين نتنياهو في الانتخابات السابقة، نتيجة فقدانها ما يقارب من 9% من الأصوات، من بينها 6.7 من الأصوات نتيجة سقوط حزبي أبناء البلد الفلسطيني وحزب ميرتس، لعدم تجاوزهما نسبة الحسم، وهو ما تم تجاوزه في الانتخابات القادمة، حيث تحالف حزب ميرتس مع حزب العمل، مشكلا معه حزب الديمقراطيين، وانضمت قائمة أبناء البلد إلى القائمة العربية المشتركة.
أما القوى والأحزاب المشكلة، لما يسمى بتيار التغيير، ونتيجة لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، ومن يقف على رأسها، خاصة في المجال الداخلي، في كل ما يتعلق بالإصلاحات القضائية وتجنيد المتدينين المتزمتين "الحريديم" أعادت توحيد صفوفها، لتشكل تحد حقيقي امام استمرار حكم اليمين المتطرف في إسرائيل.
مع ذلك، وبناء على موازين القوى الانتخابية الحالية، التي يشكل فيها العرب الفلسطينيين، حاجزا أمام أيا من المعسكرين، من تشكيل حكومة قادمة، ورفض إن كانت كتلة التغيير بقيادة الجنرال غادي أييزنكوت، أو التحالف الذي يشكله بنيامين نتنياهو من مشاركة العرب الفلسطينيين في الحياة السياسية الإسرائيلية، فإن ذلك سيعيد ربما السيناريو، الذي شهدته الساحة السياسية الإسرائيلية من عام 2018-2022، التي شهدت فيه هذه الساحة 4 انتخابات، حسمت في نهاية الأمر لصالح بنيامين نتنياهو نتيجة تراجع نسبة التصويت، والانقسامات التي شهدتها ما يسمى بالأحزاب اليسارية والعربية الفلسطينية.
أما السيناريو الثاني، وفي حال رفض الأحزاب الدينية المتزمتة "الحريديم" المشاركة في حكومة كتلة التغيير، فاعتقد أن الأمور ستتجه إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، سيحدد طبيعتها نسبة المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، وهذا السيناريو إمكانية تنفيذه عالية.
وعلى الأغلب، يبدو ان الانتخابات الحالية، ستكون آخر انتخابات يشارك فيها بنيامين نتنياهو، فقد تكاتفت عليه القوى والنخب السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ومؤسسات الدولة العميقة في إسرائيل، وبعض تيارات اليمين الوسط، التي صوت جزء كبير منها لليكود تقليديا، إضافة إلى ان الأحزاب العربية الفلسطينية وضعت اهدفا لها هي إسقاط بنيامين نتنياهو، خاصة بعد الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعمليات التهجير في الضفة الغربية والقمع الممنهج للفلسطينيين في الداخل المحتل.
في مجال آخر، خاصة مسيرة السلام مع الفلسطينيين، أو حل دولتين لشعبين، فأعتقد ان السنوات الأربع القادمة، لن تشهد، أي تقدم في هذا الموضوع، وكل ما سيطرح، في حال شكلت كتلت التغيير المعارضة لبنيامين نتنياهو الحكومة القادمة، سيكون انفصالا عن الفلسطينيين، أي حشر الفلسطينيين في المحيط الإسرائيلي الكامل، وتقديم بعض التحسينات الاقتصادية، مع وعود بإجراء مفاوضات حول الحل النهائي والدولة الفلسطينية، مقابل تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وبعض الدول الإسلامية.
وفيما يتعلق بالمواقف الإسرائيلية في الساحتين اللبنانية والسورية، أميل إلى القول ان دولة الاحتلال الإسرائيلي، سوف تذهب باتجاه تسويات أمنية بعيدة المدى، مقابل انسحابها من المناطق التي احتلتها، خلال الفترة الماضية من العدوان على الدولتين.
وبخصوص الموقف والعدوان على إيران، لا اعتقد ان الموقف الإسرائيلي منها سيتغير، حتى لو تغيرت المواقف الأميركية. لكن، التوصل لتسوية في الملف الإيراني، سيفقد دولة الاحتلال القدرة على مهاجمة إيران، نتيجة عدم التعاون معها إن كان من بعض دول الإقليم، أو من قبل الولايات المتحدة.
نهاية القول : في المجالين الفلسطيني والإيراني، وبدرجة أقل في الساحتين اللبنانية والسورية، هو ان التغييرات الإسرائيلية فيهما، ستكون متعلقة بموقف الولايات المتحدة، الذي يميل بشكل كامل إلى الموقف الإسرائيلي.
*خبير بالشأن الاسرائيلي

