الاخبار الرئيسية

تحليل : "الحريديم" أمام اختبار سياسي جديد : تصدع داخلي وحسابات ما بعد نتنياهو

7 مشاهدة
تحليل : "الحريديم" أمام اختبار سياسي جديد : تصدع داخلي وحسابات ما بعد نتنياهو

تل ابيب-واثق نيوز-وكالات-تدخل الأحزاب الحريدية الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في ظل واقع سياسي مختلف عن السنوات السابقة، بعدما لم تعد شراكتها الطويلة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمراً محسومًا، فيما بدأ احتكار حزبي شاس ويهودات هتوراه للتمثيل السياسي الحريدي يواجه تحديات من داخل القاعدة الانتخابية نفسها.

وتأتي أزمة إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية في قلب هذا التحول، بعدما أصبحت معياراً أساسياً للحكم على أداء القيادات الحريدية التقليدية، وسط شعور متزايد لدى قطاعات من المجتمع الحريدي بأن ما وُصف سابقاً بـ"حكومة الأحلام" اليمينية انتهى من دون تنفيذ الوعد السياسي الأهم بالنسبة إليهم.

غضب متراكم من التحالف مع نتنياهو ..
لم يعد ما تصفه أوساط حريدية بـ"خيانة نتنياهو" مرتبطاً بقانون التجنيد وحده، وإنما بات نتيجة تراكم طويل من خيبة الأمل تجاه أداء الحكومة والقيادات الحريدية.

ويكشف تقرير أعده جدعون أوكو وإيلي هيرشمان في القناة الـ12 ونُشر في 10 أغسطس/آب 2026، عن حجم التحول داخل المجتمع الحريدي، إذ وصف ما يحدث بأنه تحد غير مسبوق لمؤسسة سياسية ظلت تعمل لسنوات من دون انتخابات تمهيدية حقيقية أو تداول فعلي للقيادة.

وكانت الأحزاب الحريدية قد سجلت في اتفاقاتها الائتلافية مجموعة من الوعود، وفي مقدمتها تنظيم وضع طلاب المدارس الدينية وإعفاؤهم من التجنيد. إلا أن هذه الوعود لم تتحقق بالشكل الذي انتظره جمهورها.

وبدلاً من الوصول إلى تسوية نهائية، وجد آلاف الشبان الحريديم أنفسهم أمام أوامر تجنيد وعقوبات وملاحقات، الأمر الذي عزز الشعور بأن سنوات طويلة من الدعم السياسي لنتنياهو لم تحقق المقابل الذي انتظره الناخب الحريدي.

الأهم أن الغضب لم يعد موجهاً إلى نتنياهو وحده، بل امتد إلى الوسطاء والقيادات التي ضمنت استمرار الولاء له. وتظهر في أوساط حريدية تساؤلات من قبيل: "لماذا عليّ أن أصوت؟ وما الفائدة؟"، في مؤشر على أن الانضباط الانتخابي الذي طالما عُدّ أحد أقوى أسلحة الأحزاب الحريدية أصبح نفسه موضع اختبار.

قوى جديدة تتحدى الاحتكار التقليدي ...
من رحم هذه الفجوة بدأت تظهر ثلاث مبادرات سياسية حريدية جديدة، تستهدف بصورة خاصة الحريديم العاملين والأكاديميين وأصحاب المهن، ممن يسعون إلى الحفاظ على هويتهم الدينية بالتوازي مع اندماج أكبر في مؤسسات الدولة وسوق العمل.

ووفق تقرير القناة الـ12، تشير استطلاعات داخلية إلى أن هذه الأطر تحظى حالياً بما يعادل نحو 2.5 مقعد، وهي نسبة تقل عن عتبة الحسم الانتخابية.

غير أن عودة إيلي يشاي، الرئيس السابق لحزب شاس، إلى المشهد السياسي قد تغير المعادلة، خصوصاً إذا تحولت المنافسة إلى مواجهة مباشرة على الصوت السفاردي الذي يسيطر عليه حالياً أرييه درعي، رئيس "شاس".

ولم يعد الحراك الجديد مجرد مبادرات محدودة التأثير. فقد كشف يوئيل بريم، مراسل القناة الـ13 المتخصص في المجتمع والسياسة الحريدية، في 19 يوليو/تموز، عن تجمع عشرات الآلاف من الحريديم ضمن إطار أطلق عليه "الجمهور الحريدي"، إلى جانب حملة تجاوزت تكلفتها مليوني شيكل تحت شعار "لا حزب حريدي من دون الجمهور الحريدي".

ويطالب هذا الإطار بتمثيل أكبر في قوائم شاس ويهودات هتوراه، وهو ما يحمل دلالة سياسية تتجاوز مسألة تجاوز نسبة الحسم. فالمعنى الأبرز يتمثل في ظهور حركة منظمة تقول لقيادات مثل درعي وغافني إن الاعتماد على التوجيه الديني وحده، أو على مقولة "الحاخام أمر بالتصويت"، لم يعد كافياً لضمان الالتزام السياسي الكامل.

غافني أمام امتحان القيادة ...
امتد التوتر إلى رأس القيادة الأشكنازية، مع تصاعد الحديث عن مستقبل موشيه غافني وأوري ماكليف داخل قائمة ديغيل هتوراه.

وفي تقرير نشره أهارون رابينوفيتش، مراسل الشؤون الحريدية في صحيفة هآرتس، في 10 أغسطس/آب، أفادت مصادر بأن الحاخامين دوف لاندو وموشيه هليل هيرش يناقشان إمكانية استبعاد غافني وماكليف من قائمة الحزب.

وبحسب المصادر التي نقلها التقرير، فإن هناك شعوراً داخل الحزب بأن الرجلين استنفدا قدرتهما على التأثير بعد عقود من العمل في الكنيست، ولا سيما في أعقاب ما وصف بأنه "فشل مدوٍ" في تسوية وضع طلاب المدارس الدينية.

ووصل الأمر إلى وصف تغيير القائمة بأنه "حاجة الساعة"، بما يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها القيادة الحالية.

وبذلك لم تعد أزمة التجنيد مجرد ملف سياسي بين الأحزاب الحريدية والحكومة، بل تحولت أيضاً إلى اختبار داخلي لموشيه غافني نفسه. فالرجل الذي بنى جانباً مهماً من نفوذه على قدرته على انتزاع الميزانيات والتشريعات من الحكومات المتعاقبة يواجه الآن سؤالاً أساسياً: إذا لم يتمكن من حماية الملف الأكثر حساسية بالنسبة إلى جمهوره، فما الذي يبرر استمرار احتكاره للتمثيل السياسي؟

شاس يدفع ثمن التراجع ...
أما وضع شاس فيبدو أكثر تعقيداً، خصوصاً على المستوى الانتخابي. ففي انتخابات عام 2022 حصل الحزب على 11 مقعداً مقابل 7 مقاعد ليهودات هتوراه. لكن استطلاع القناة الـ12 المنشور في 10 أغسطس/آب 2026 منح شاس 7 مقاعد فقط، مقابل 8 ليهودات هتوراه، وهو ما يشير إلى أن شاس يدفع ثمناً انتخابياً أكثر وضوحاً.

ويواجه أرييه درعي معضلة مزدوجة؛ فمن جهة، هناك جمهور حريدي متشدد يطالب بموقف أكثر صرامة في قضية التجنيد، ومن جهة أخرى توجد قاعدة تقليدية تضم عائلات يخدم أبناؤها في الجيش.

وبعد هجومه على رئيس أركان الجيش، نقلت القناة الـ12 عن مصادر سياسية أن الأرقام الانتخابية أظهرت استمرار تراجع قوة شاس.

لكن المشكلة لا تقتصر على الموقف من التجنيد، إذ يرتبط جزء من ناخبي شاس، بحسب يشاي كوهين، المعلق في موقع "كيكار هشبات" الحريدي، بقاعدة تقليدية يمينية مؤيدة لنتنياهو. ويقدر كوهين أن نحو ثلاثة مقاعد من قوة شاس الانتخابية ترتبط بهذه الشريحة.

وهذا يجعل مهمة درعي في الانفصال عن نتنياهو أكثر صعوبة مقارنة بيهودات هتوراه، التي تمتلك مساحة أكبر للمناورة السياسية والتهديد بالابتعاد عن "كتلة نتنياهو".

ضغط مزدوج من الداخل والخارج ..
وهكذا تدخل الأحزاب الحريدية الانتخابات وهي تواجه ضغوطاً من اتجاهين. فمن الداخل، هناك جمهور غاضب يرى أن القيادة السياسية لم تنجح في تنفيذ الوعد المتعلق بالتجنيد، ويطالب بمراجعة أساليب التمثيل السياسي والقيادات التي ظلت تهيمن على الأحزاب لعقود.

ومن الخارج، تواجه الأحزاب الحريدية ضغوطاً من قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي ترى أن الامتيازات التي يحصل عليها الحريديم تجاوزت حدودها المقبولة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والجدل حول تقاسم أعباء الخدمة العسكرية.

وهكذا انتقلت قضية التجنيد من كونها صراعاً بين المجتمع الحريدي والدولة إلى كونها صراعاً داخل المجتمع الحريدي نفسه حول مفهوم القيادة والتمثيل السياسي وحدود الطاعة الحزبية.

ما بعد نتنياهو... هل تتغير التحالفات؟ ...
ورغم كل هذه المؤشرات، فإن إعلان نهاية التحالف بين الأحزاب الحريدية ونتنياهو قد يكون سابقاً لأوانه.

فالمشكلة الأساسية التي تواجه الأحزاب الحريدية هي أن البديل عن نتنياهو لم يقدم حتى الآن الضمانات التي تبحث عنها، وعلى رأسها تسوية واسعة لقضية الإعفاء من الخدمة العسكرية.

ويرى يشاي كوهين في القناة الـ12 أن رفض أحزاب المعارضة تقديم قانون إعفاء واسع يعيد الأحزاب الحريدية، عملياً، إلى دائرة نتنياهو رغم حالة الغضب منه.

وفي الوقت نفسه، أعلنت ديغيل هتوراه أنها غير ملزمة بـ"كتلة نتنياهو"، بينما بحثت أغودات يسرائيل إمكانية التعاون مع غادي آيزنكوت.

غير أن آيزنكوت يتمسك بمبدأ الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية، كما رفض أن تكون الأحزاب التي لا تقبل بهذا المبدأ شريكة في حكومته، الأمر الذي يضع الأحزاب الحريدية أمام معادلة سياسية صعبة.

ومع ذلك، بدأت بعض المحظورات السياسية التقليدية تتراجع حتى داخل شاس. ففي 12 يوليو/تموز، نقل إيلي هيرشمان في القناة الـ12 تصريحات للحاخام يتسحاق يوسف، عضو مجلس كبار حاخامات شاس، قال فيها إن رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، هو مرشحه المفضل لمنصب رئيس الوزراء، وليس بنيامين نتنياهو.

كما نقلت القناة عن مصادر في أغودات يسرائيل قولها بشأن نتنياهو: "لقد طوينا هذه الصفحة"، مؤكدة استعدادها للتعاون مع أي طرف يقدم تسوية لقانون الإعفاء، بما في ذلك آيزنكوت.

انتخابات قد تعيد رسم الخريطة الحريدية ...
في المحصلة، لا تكمن المخاطرة الأساسية التي تواجه الأحزاب الحريدية في احتمال خسارة نتنياهو وحده، وإنما في احتمال خسارة قدرتها على إقناع جمهورها بأن درعي وغافني يمثلان الطريق الوحيد إلى النفوذ السياسي والحفاظ على المصالح الحريدية.

فأزمة التجنيد أعادت فتح نقاش أعمق حول جدوى القيادة الحالية، وحدود الولاء السياسي، ومدى قدرة الأحزاب التقليدية على تمثيل مجتمع حريدي أصبح أكثر تنوعاً، ويضم إلى جانب طلاب المدارس الدينية شريحة متنامية من العاملين والأكاديميين وأصحاب المهن.

وبهذا المعنى، قد تكون انتخابات 2026 نقطة تحول في العلاقة بين الأحزاب الحريدية ونتنياهو، وربما بداية تراجع "كتلة نتنياهو". لكن التحول الأهم قد يكون داخلياً؛ أي بداية نهاية الاحتكار السياسي الذي فرضه كل من أرييه درعي وموشيه غافني على قطاعات واسعة من الشارع الحريدي لعقود .

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية