آراء

طائرة ورقية، ذلك الملاك الذي يعيد الحب .. الى روح الشهيد الشاعر رفعت العرعير

8 مشاهدة
طائرة ورقية، ذلك الملاك الذي يعيد الحب .. الى روح الشهيد الشاعر رفعت العرعير

الكاتب : عيسى قراقع

خيط في سماء غزة يحمل طائرة ورقية الى السماء السابعة، ترتعب القبة الحديدية الاسرائيلية ومجلس السلام الامريكي، يشتد القصف والقتل والملاحقة، غزة تطير من تحت الدمار بورقة يمسكها أطفال نجوا من الموت واسرائيل ترتجف، وتعتبرها نشاطا مسلحا وخطرا وجوديا، وتهدد باجلاء السكان من المناطق التي تطلق منها البالونات والطائرات الورقية، نتنياهو ووزير الجيش وجدا عدوا من ورق لتستمر الابادة والهجمات والمجازر، وحسب القاموس العسكري الاسرائيلي فان لعب الاطفال يعتبر عملا حربيا يتطلب الرد والاستنفار.

لا زالت غزة حية، ولا زال فيها أطفال، غزة لا زالت تحلم بالحرية، طفولة تحاول ان تعيش فوق الموت وتوصل صوتها إلى أبعد مدى، كل طائرة ورقية تحمل اسماء من فقدوا وغيبهم النسيان، ارشيف للذاكرة والوجع الثقيل، وربما رسالة من الصغار الى آبائهم وامهاتهم وعائلاتهم التي مسحت وصعدت ارواحهم الى الجنة.

دولة نووية تلاحق طائرات ورقية، لأنها تتجاوز الحصار والخطوط الصفراء، شيئ مرئي في الفضاء من شعب ظنوا انه دفن تحت الركام، خيط يخرج من الأرض بورقة لها جناحين وريح وهواء وطفل وخيال واحلام واصابع رشيقة، لا تحمل قنابل ولا صواريخ ولا محركات، وانما زفرات ارواح وارتعاشات، وحنين للاشجار والحمامات والأصدقاء والبيت واناشيد المدرسة.

طائرات ورقية تصل مدن وقرى ومخيمات الضفة المحتلة، لقد تغير الطقس في شهر آب شديد الحرارة، سقطت الامطار وابرقت الرعود وهبطت الاجرام والاسئلة، غزة تقلب الكون والحسابات وهي تضع على كل جرح حبة زيتون ووردة .

طائرة ورقية تصل سجن النقب، تلقي رسائل على المعتقلين في الزنازين وفي حجرات التعذيب، وشاهد العالم كيف يعانق الطفل والده بعد غياب، طائرة ورقية على السياج، قرص شمس في العتمة السوداء، حبل وريد بين الصحراء والغيوم في اغاني السجناء.

الطائرة الورقية بيان سماوي ضد الهزيمة والخوف، كيمياء البعد الآخر في تضاريس الموت: قوة الشم  والسمع واللمس والأيمان في بساتين القدس.

جيش الاحتلال الذي جرد الاطفال من البراءة وقتل الالاف، و اعتبرهم أهدافاً مشروعة، ولاحقهم حتى في بطون امهاتهم، يجد في العابهم وحركاتهم ولهفاتهم تحديا امنيا وذريعة لاستمرار الحرب وسفك الدماء،  معتبرا الطائرة الورقية رمزا للصعود والحرية، وتحديا لقوانين الاقوياء والقنابل الذكية .

الطائرة الورقية ليست صماء، يقول جنرالات الحرب في اسرائيل، انها شيفرة واشارات، حكايات وسرديات وصلوات ونبوءات، اشباح موتى واجساد يحملها الرفات، بعضهم قال: انها تمائم تحارب الشر والبشاعة، وتطلق في الطبيعة قوة الخصب والجمال وارادة البقاء.

يقول الشاعر ادونيس: الطائرة الورقية قصيدة محمولة بريح الالهام، موجهة بيد طفل يؤمن بالمستحيل، ها هي فوق الحدود، فوق الجدار، لها عقل ولغة، تتحرر من الصمت والقيود.

طائرة ورقية ودولة حديدية خائفة، طائرة في ذيلها ارواح كأنها شحنات كهربائية، تحمي الناس من الزوابع والنيران و الصواعق بعد غياب الحماية الدولية، لها أصوات سمعها سكان تل ابيب والمستوطنون في المستعمرات، ما هذا المستحيل بعد كل هذا الخراب؟ يتساءل طيار اسرائيلي وهو يطارد طائرة ورقية عليها علم فلسطين، وتشبه القمر وهو يحرك المد والجزر في البحار و المحيطات، شاهدة على الوحل والجريمة في رؤوس اباطرة الغرب وقيعانهم الموحشة العميقة.

الشاعر الشهيد رفعت العرعير الذي قتل في حرب الابادة على غزة عام 2023 ، صاحب قصيدة "اذا كان لا بد أن أموت"، إشترى قطعة قماش وخيوط بيضاء لصنع طائرة ورقية بذيل طويل، وكتب:
كي يبصر طفل في مكان ما من غزة، وهو يحدق في السماء منتظرا اباه الذي رحل فجأة، يبصر الطائرة الورقية، طائرتي التي صنعتها انت تحلق في الاعالي، ويظن بلحظة ان هناك ملاكا يعيد الحب.