آراء

ما بين الممكن واللا ممكن يكبر السؤال ... 

11 مشاهدة
ما بين الممكن واللا ممكن يكبر السؤال ... 

الكاتب : يونس العموري

من الممكن... ومن الممكن ايضا ان لا يكون. وبين الممكن وما هو ممكن، وبين ما كان يمكن ان يكون وما لم يعد ممكنا، تتغير احيانا اشياء كثيرة، وتتبدل معها المعاني والخيارات والطرق التي نظن اننا نعرفها. نقول  (من الممكن )  حين لا نملك يقينا، ونقول (ممكن ) حين نريد ان نترك الباب مواربا، ونقول ( الاكثر امكانية ) حين نحاول ان نقنع انفسنا ان ما نريده قابل للحياة، حتى لو كانت كل الظروف من حولنا تقول شيئا آخر.

لكن ما الذي يجعل الشيء ممكنا؟ الزمن؟ المكان؟ الظرف ؟ القدرة؟ ام ان الممكن  ليس سوى المساحة الصغيرة التي يسمح بها واقع اكبر منا، فنمشي داخلها كما لو اننا نختار، بينما كثيرا ما يكون الاختيار نفسه محكوما بما يسمح به الظرف الزمني والمكاني؟

في الزمن الذي نعيشه، لم يعد السؤال فقط .. ماذا نريد؟ بل ماذا يمكننا ان نفعل بما نريد؟ فالرغبة وحدها لا تصنع امكانية، والنية لا تمنح صاحبها قدرة، والحلم لا يصبح واقعا لمجرد اننا اطلقنا عليه اسم المستقبل. هناك دائما شيء يقف بين الممكن والواقع، سلطة، ظرف، خوف، حسابات، ذاكرة، مصالح، او ربما عجز اعتدنا عليه حتى صار يبدو لنا جزءا طبيعيا من الحياة.

ومن هنا يصبح  (الممكن )  كلمة خطرة. فهي قد تكون بابا مفتوحا على الفعل، وقد تكون ايضا ملاذا مريحا للعاجزين. كم مرة قلنا .. من الممكن ان يتغير كل شيء، ثم عدنا الى اماكننا ولم نفعل شيئا؟ وكم مرة قلنا ..كان من الممكن ان نفعل، ثم اكتشفنا بعد فوات الاوان ان الممكن الذي لم نفعله يصبح مع الوقت مجرد حكاية عن فرصة ضائعة؟

ثم هناك  ( التمكن ) . فالامر ليس في ان يكون الشيء ممكنا فقط، بل في ان نكون متمكنين من فعله. وبين الامكانية والتمكن مسافة اخرى لا تقل قسوة عن المسافة بين الحلم والواقع. قد يكون الطريق مفتوحا، لكنك لا تملك القدرة على السير فيه. وقد تملك القدرة، لكنك لا تملك القرار. وقد تملك القرار، لكن الظرف لا يمنحك الوقت. وقد تملك الوقت، لكن المكان يغلق ابوابه في وجهك.

وهكذا يبدو ان حياتنا ليست صراعا بين الممكن والمستحيل فقط، بل بين ممكن وممكن، وبين امكانية وامكانية، وبين من يملك القدرة على تحويل الممكن الى واقع، ومن يظل يراقب الممكن وهو يبتعد.

ولعل السؤال الاصعب ليس .. ماذا يمكن ان يحدث؟ بل .. من الذي يملك ان يجعل ما يمكن حدوثه يحدث؟ هنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية... حكاية التمكنين، لا الممكنين. 

وفي حالتنا الفلسطينية، ربما لا توجد عبارة اكثر التباسا من ( من الممكن ). فمن الممكن ان تتغير القيادة الرسمية، ومن الممكن ان تبقى كما هي. من الممكن ان يولد شكل جديد من الفعل الوطني، ومن الممكن ان نستمر في اعادة انتاج الادوات ذاتها التي اوصلتنا الى هذا الانسداد. من الممكن ان ينهض الشعب، ومن الممكن ان يبقى الغضب موزعا بين الفصائل والمناطق والمصالح، بلا اطار وطني قادر على تحويله الى فعل سياسي. ومن الممكن ان تسقط قوى وفصائل فقدت الكثير من قدرتها على الاقناع، وصارت في نظر قطاعات واسعة عبئا على الجماهير التواقة لانجاز الحق في تقرير المصير وكنس الاحتلال، ومن الممكن ايضا ان تستمر هذه القوى في مواقعها لانها لا تزال تملك من الادوات والمصالح ما يكفي لتأجيل لحظة الحساب.

الممكن هنا ليس مجرد احتمال سياسي. انه سؤال عن قدرة المجتمع الفلسطيني على استعادة زمام المبادرة. فحين يكون الاحتلال في حالة توسع مستمر، وحين تتعمق سياسات الفصل العنصري، وحين يصبح الامن والامان مطلبا يوميا لا يجد اجابة، وحين تتراجع شروط الحياة والمعيشة، لا يعود ممكنا التعامل مع السياسة باعتبارها لعبة نخبة مغلقة تدور داخل مؤسسات منفصلة عن الواقع. السؤال يصبح اكثر قسوة .. ماذا بقي من الممكن اذا كان كل ما هو ممكن لا يتحول الى فعل؟ 

وهذا يقودنا بالضرورة الى ما يجري حولنا. فالمنطقة ليست ثابتة، وما كان يبدو قبل سنوات منظومة متماسكة من التحالفات وموازين القوى اصبح اليوم امام اعادة ترتيب واسعة. مقاومات فلسطين ولبنان والعراق واليمن خاضت وتخوض اشكالا مختلفة من الصراع، لكن البيئة الاقليمية التي نشأت داخلها هذه المعادلات تغيرت بصورة عميقة. ومحور الممانعة والمقاومة الذي لعبت ايران دورا مركزيا في بنائه ودعمه تعرض لتراجعات وضغوط وحروب واختبارات قاسية، ما يفتح الباب امام احتمالات جديدة في شكل النفوذ والعلاقات والتحالفات.

ومن الممكن ان يكون هذا التراجع مرحلة اعادة تموضع، ومن الممكن ان يكون بداية لتحول اكبر. ومن الممكن ان تعيد ايران تعريف اولوياتها، ومن الممكن ان تحاول الحفاظ على ما تستطيع من نفوذها. ومن الممكن ان تتقدم تركيا في مناطق ومساحات جديدة، ومن الممكن ان يتوسع المشروع الاسرائيلي في محاولته فرض وقائع جديدة على الارض وفي الاقليم. ومن الممكن ايضا ان تدخل المنطقة كلها في مرحلة جديدة من اعادة رسم خرائط القوى ومناطق النفوذ، بحيث لا تعود الخريطة التي عرفناها خلال السنوات الماضية هي الخريطة ذاتها.

سوريا بعد سقوط نظام بشار الاسد ليست تفصيلا خارج هذا المشهد. ولبنان ليس تفصيلا، والعراق ليس تفصيلا، واليمن ليس تفصيلا. كل ساحة من هذه الساحات تحمل امكانياتها ومخاطرها وتناقضاتها، وكل تحول فيها يمكن ان ينعكس على غيرها. وما يبدو احيانا حدثا محليا قد يكون في الحقيقة جزءا من عملية اقليمية اوسع، تتداخل فيها الحسابات التركية والاسرائيلية والايرانية والدولية، بينما يبقى السؤال العربي غائبا او عاجزا عن انتاج موقع مستقل في هذه المعادلة.

وفي قلب هذا كله تقف فلسطين، لا باعتبارها مجرد ساحة اخرى، بل باعتبارها القضية التي يحاول المشروع الصهيوني اعادة تعريفها بالقوة، بينما تبدو القيادة الرسمية عاجزة عن انتاج اجابة بحجم الخطر، وتبدو القوى والفصائل المعارضة عاجزة بدورها عن انتاج بديل وطني قادر على تجاوز الانقسام والحسابات الفئوية. وهنا يصبح  (الممكن ) اكثر خطورة من مجرد كلمة، لان ما هو ممكن للخصم قد يتحول الى واقع علينا، وما هو ممكن لنا قد يظل مجرد فكرة اذا لم نجد من يملك التمكن من تحويله الى فعل.

من الممكن ان تتغير القيادة الرسمية، لكن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير المسار. قد تتغير الاسماء ويبقى النظام السياسي ذاته، وتتبدل الوجوه وتبقى طريقة التفكير ذاتها، وننتقل من ازمة الى ازمة بينما نقنع انفسنا اننا انجزنا التغيير. لذلك فان السؤال ليس فقط من سيأتي، بل كيف سيأتي؟ وباي شرعية؟ وباي مشروع؟ وما علاقته بالمجتمع؟ وما موقع المقاومة في رؤيته؟ وكيف سيعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال؟ وكيف سيعيد بناء المؤسسة الوطنية بحيث تصبح اداة للتحرر لا اداة لادارة الانقسام والانتظار؟

ومن الممكن ايضا ان ينهض الشعب، لكن النهوض الفلسطيني المطلوب لا يمكن ان يكون مجرد لحظة غضب. النهوض الحقيقي هو الذي يعيد السياسة الى المجتمع، ويعيد القرار الوطني الى اصحابه، ويضع السلطة والفصائل كلها امام معيار واحد .. ماذا قدمتم للمشروع الوطني، وماذا انجزتم في طريق تقرير المصير، وماذا فعلتم في مواجهة الاحتلال؟ عندها فقط يمكن ان يصبح سقوط بعض القوى التي تحولت الى عبء نتيجة سياسية واجتماعية طبيعية، لا مجرد امنية يتداولها الغاضبون.

ومن الممكن ان يعاد تعريف المقاومة نفسها. ليس من خلال التخلي عنها، ولا من خلال تحويلها الى شعار مقدس يمنع النقد، بل من خلال السؤال عن وظيفتها السياسية والاستراتيجية، وعن علاقتها بالمجتمع وبالمشروع الوطني. فالمقاومة التي لا تملك افقا سياسيا قد تصبح فعلا مستنزفا، والسياسة التي لا تستند الى قوة شعبية وميدانية تتحول بسهولة الى ادارة للعجز. وبين الاثنين مساحة واسعة لم ننجح حتى الان في انتاج صيغة فلسطينية قادرة على ملئها.

وهنا تحديدا تعود مسألة التمكن. هل نملك تمكن قراءة اللحظة؟ هل نفهم ما الذي يتغير حولنا؟ هل نعرف اين تتشكل المساحات الجديدة؟ وهل نملك تمكن الفعل؟ اي القدرة السياسية والتنظيمية والشعبية على الدخول الى هذه المساحات وعدم تركها لغيرنا؟ لان الممكن لا ينتظر كثيرا. قد يكون ممكنا اليوم ما لن يكون ممكنا غدا. وقد يصبح ما نراه مستحيلا اليوم ممكنا بعد تغير ظرف واحد، او سقوط قوة، او نشوء قيادة، او تبدل تحالف، او انفجار شعبي، او تحول اقليمي. التاريخ لا يتحرك وفقا لما نراه نحن ممكنا او مستحيلا، بل وفقا لتفاعل القوى والارادة والظروف.

ولهذا فان اخطر ما يمكن ان نفعله هو ان نخلط بين الممكن والمتاح، وبين المتاح والمضمون، وبين الرغبة والقدرة. قد يكون الشيء ممكنا ولا يكون متاحا الان، وقد يكون متاحا ولا نملك القدرة عليه، وقد نملك القدرة ولا نملك القرار، وقد نملك القرار ولا نملك الشرعية. وفي كل واحدة من هذه المسافات يمكن ان تضيع فرصة سياسية، ويمكن ان تتقدم قوى اخرى، ويمكن ان يعاد رسم واقع كامل من دون ان يكون لنا فيه سوى موقع المتلقي. 

ربما نحن امام مرحلة لا تحتاج الى مزيد من الكلام عن المستحيل، ولا الى المزيد من الاحلام عن الممكن، بقدر ما تحتاج الى اعادة اكتشاف التمكن. من نحن؟ ماذا نملك؟ ما الذي نستطيع فعله؟ ومن يملك القرار؟ ومن يملك الشرعية؟ ومن يملك القدرة على جمع القوة الشعبية والسياسية في اتجاه واحد؟

الممكن واللا ممكن متغيرات هائلة. والاقليم كله يتحرك فوق ارض غير مستقرة. خرائط النفوذ قابلة لاعادة الرسم، والقيادات قابلة للتغيير، والتحالفات قابلة للانهيار، والفصائل قابلة للصعود والسقوط، والمجتمعات قابلة للانفجار والنهوض. لكن لا شيء من ذلك يحدث لمجرد انه ممكن.

الممكن يحتاج الى من يراه، والى من يملك قراره، والى من يستطيع فعله...  ولعل السؤال الاصعب في هذه اللحظة ليس.. ماذا يمكن ان يحدث لنا؟ بل .. ماذا يمكن ان نفعل نحن بما هو ممكن؟  

وهنا تعود الحكاية الى بدايتها .. حكاية التمكنين، لا الممكنين...