الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية، يعود بنيامين نتنياهو إلى القاعدة التي أتقن استخدامها طوال سنوات حكمه: حين تضيق به السياسة، يتسع أمامه الأمن، وحين تتراجع فرصه في صناديق الاقتراع، يصبح العدو الخارجي أكثر حضوراً في خطابه وفي حساباته. وكأن نتنياهو يعرف، أكثر من أي سياسي إسرائيلي آخر، أن المجتمع الإسرائيلي يمكن أن يختلف على الاقتصاد والقضاء والدولة والعلاقة بين الدين والسياسة، لكنه عندما يشعر بأن الخطر يقترب من حدوده يصبح أكثر استعداداً للالتفاف حول من يقدم نفسه باعتباره الرجل القادر على حمايته.
اليوم، يبدو نتنياهو أمام مأزق انتخابي حقيقي. فالمنافسة تزداد صعوبة، ومعسكره لا يبدو قادراً بسهولة على ضمان الأغلبية البرلمانية التي يحتاج إليها لتشكيل الحكومة، بينما تتقدم قوى وشخصيات منافسة، وفي مقدمتها غادي أيزنكوت، في عدد من استطلاعات الرأي. ومع اقتراب الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، لم يعد السؤال داخل إسرائيل يتعلق فقط بمن سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما بمن يستطيع تشكيل الائتلاف الذي يضمن له البقاء في مكتب رئيس الحكومة.
وفي هذا السياق، يصبح الأمن أكثر من مجرد ملف سياسي؛ يصبح أداة لإعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي. فنتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى أن يقول لجمهوره إن التصعيد يخدم حملته الانتخابية. يكفي أن تتغير البيئة السياسية من نقاش حول أدائه وحكومته وأزماته الداخلية إلى نقاش حول الإرهاب والحدود والجيش والمستوطنات والتهديدات الإقليمية. عندها يتغير السؤال الذي يطرحه الناخب على نفسه. بدلاً من أن يسأل: ماذا فعلت هذه الحكومة؟ يصبح السؤال: من يستطيع أن يحميني إذا ساءت الأوضاع؟
وهنا بالضبط تكمن قيمة التصعيد بالنسبة إلى نتنياهو. وهذا لا يعني أن كل عملية عسكرية أو كل اعتداء في الضفة الغربية يصدر بأمر مباشر من رئيس الحكومة بهدف انتخابي. مثل هذا التفسير سيكون تبسيطاً شديداً لمشهد إسرائيلي شديد التعقيد. لكن ما يصعب تجاهله هو أن المناخ الأمني المتوتر يخدم الخطاب السياسي لنتنياهو، وأن هناك تقارير إسرائيلية نقلت عن مصادر عسكرية مخاوف من أن يكون رئيس الحكومة راغباً في إبقاء التوتر قائماً أو الدفع نحو تصعيد جديد مع اقتراب الانتخابات، حتى لا تنتهي الحروب والأزمات التي تمنحه أفضلية سياسية في الخطاب العام.
ولذلك تبدو الضفة الغربية اليوم أكثر من مجرد جبهة أمنية .. إنها أيضاً ساحة انتخابية. فالضفة تحمل كل العناصر التي يحتاج إليها اليمين الإسرائيلي لكي يعيد إنتاج روايته القديمة: الفلسطيني بوصفه خطراً أمنياً، والمستوطنات بوصفها ضرورة أمنية، والسيطرة العسكرية بوصفها شرطاً للأمن، وأي حديث عن الانسحاب أو الدولة الفلسطينية بوصفه مغامرة قد تفتح الباب أمام تهديد جديد لإسرائيل.
وفي هذه البيئة، تصبح الأرض الفلسطينية مادة انتخابية جاهزة. وكل بؤرة استيطانية جديدة، وكل توسع استيطاني، وكل عملية اقتحام، وكل اعتقال، وكل اعتداء للمستوطنين، وكل حديث عن فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة، يمكن أن يتحول إلى رسالة موجهة إلى الناخب الإسرائيلي تقول له إن اليمين وحده هو القادر على حماية الأرض ومنع قيام دولة فلسطينية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ما يدور في الضفة باعتباره اعتداءً على الفلسطينيين يجري توظيفه في الداخل الإسرائيلي باعتباره جزءاً من معركة على مستقبل إسرائيل. وهنا الفلسطيني يدفع الثمن مرتين؛ مرة على الأرض، ومرة عندما تتحول معاناته إلى وقود في حملة سياسية إسرائيلية.
وما يجري في الأيام الأخيرة في الضفة يقدم صورة شديدة الوضوح عن خطورة هذا المسار. فقد شهدت قرى مثل قصرة وجالود تصاعداً في اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك هجمات على منازل فلسطينية واعتداءات طالت سكاناً وصحفيين، بينما اضطر نتنياهو إلى إصدار إدانة علنية للعنف الاستيطاني. لكن المفارقة أن هذه الإدانة لا تعني بالضرورة تغيير الاتجاه الاستراتيجي الذي سمح خلال السنوات الماضية بتعاظم قوة المستوطنين وتوسع الاستيطان.
وهنا ينبغي الحذر من الوهم الذي كثيراً ما تسلل إلى التفكير الفلسطيني والعربي: وهم أن رحيل نتنياهو يعني بالضرورة بداية مرحلة إسرائيلية جديدة تجاه الفلسطينيين.
قد يكون رحيله مهماً، وقد يفتح المجال أمام تغييرات في بعض السياسات، لكن ليس هناك ما يضمن أن الحكومة التي ستأتي بعده ستكون مستعدة لتفكيك منظومة الاستيطان أو الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني أو العودة إلى مسار سياسي جدي نحو الدولة الفلسطينية. بل إن جزءاً كبيراً من المعارضة الإسرائيلية نفسها لا يبدو مستعداً للابتعاد جذرياً عن الخطاب القومي والأمني الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. وقد لاحظت تحليلات إسرائيلية وأوروبية أن المعركة الانتخابية ضد نتنياهو لا تعني بالضرورة وجود مشروع بديل واضح في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو حل الدولتين.
وهذه الحقيقة يجب أن تغير طريقة النظر الفلسطينية إلى الانتخابات الإسرائيلية. اذ ليس المطلوب أن يتوقف الفلسطينيون عن متابعة الانتخابات. على العكس، من الضروري معرفة من سيحكم إسرائيل، ومن هم شركاؤه، وما هي موازين القوى داخل الكنيست، وما هي توجهات الجيش والمستوطنين والقوى السياسية. لكن متابعة الانتخابات شيء، وربط المستقبل الفلسطيني بنتائجها شيء آخر.
المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال الفلسطيني من "ماذا نفعل؟" إلى "من سيفوز في إسرائيل؟".
فإذا فاز نتنياهو، ننتظر. وإذا خسر، ننتظر. إذا جاءت حكومة يمين، ننتظر. وإذا جاءت حكومة وسط، ننتظر. وإذا دعت الحكومة الجديدة إلى مفاوضات، ننتظر. وإذا أوقفت المفاوضات، ننتظر. !!!
وهكذا تصبح القضية الفلسطينية أسيرة للجدول الزمني الإسرائيلي، بينما يستمر الإسرائيليون في تغيير الجدول الزمني على الأرض. وهذا ربما هو أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم.
إسرائيل لا تنتظر الانتخابات لكي تغير الواقع في الضفة. المستوطنون لا ينتظرون نتائج استطلاعات الرأي كي يضعوا أيديهم على أرض جديدة. والطرق والبؤر الاستيطانية والمصادرات وإجراءات السيطرة الإدارية لا تتوقف لأن المجتمع الإسرائيلي يستعد للانتخابات.
الأرض تتحرك حتى عندما تكون السياسة متوقفة. ولهذا فإن الرهان الفلسطيني على هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة يشبه انتظار تغيير السائق بينما تستمر السيارة في السير في الاتجاه نفسه.
المطلوب ليس أن يعرف الفلسطينيون من سيكون السائق، بل أن يمتلكوا هم القدرة على التأثير في الطريق الذي تسير فيه السيارة. وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الحاجة إلى مشروع فلسطيني مضاد.
ليس مشروعاً مضاداً بمعنى الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة لا يملك الفلسطينيون مقوماتها، وإنما مشروع وطني شامل يعيد للفلسطيني القدرة على المبادرة، ويضع حماية الشعب والأرض والقضية في قلب السياسة الفلسطينية.
المشروع الفلسطيني المطلوب يجب أن يبدأ من حقيقة بسيطة ولكنها غائبة في كثير من الأحيان: أن الاحتلال لا يتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد طرف تفاوضي، وإنما باعتبارهم عقبة أمام مشروع سياسي وجغرافي يسعى إلى فرض أكبر قدر ممكن من السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
وإذا كان الطرف الآخر يمتلك مشروعاً طويل المدى، فلا يمكن مواجهته بسياسة قصيرة المدى تقوم على رد الفعل.
قد لا يستطيع الفلسطيني خلال عام أن يغير ميزان القوى العسكري، لكنه يستطيع أن يبني شبكة حماية للقرى والمخيمات والمناطق المهددة بالاستيطان. يستطيع أن يوثق الاعتداءات ويحولها إلى ملفات قانونية دولية. يستطيع أن يبني علاقات سياسية مع الدول والمجتمعات والمؤسسات المدنية حول العالم. يستطيع أن يجعل كل محاولة لضم الأرض أو تهجير السكان حدثاً دولياً لا يمر بصمت. يستطيع أن يعيد بناء اقتصاده على قاعدة الصمود وتقليل التبعية. ويستطيع، قبل كل ذلك، أن يعيد بناء وحدته السياسية.
فالانقسام الفلسطيني ليس مجرد مشكلة داخلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب أو الاحتلال... إنه جزء من ميزان القوى.
وهنا لابد من التأكيد انه لا ينبغي للفلسطيني أن ينتظر نتنياهو كي يرحل حتى يبدأ العمل، ولا ينبغي أن ينتظر خصمه كي يأتي حتى يفتح صفحة جديدة، ولا ينبغي أن يراهن على سياسي إسرائيلي أكثر اعتدالاً كي يستعيد زمام المبادرة.
الانتخابات الإسرائيلية متغير مهم في البيئة السياسية، لكنها ليست الاستراتيجية الفلسطينية.
وإذا جاء رئيس حكومة إسرائيلي جديد ولم يجد أمامه سوى سلطة فلسطينية ضعيفة، وانقسام فلسطيني، وغياب استراتيجية، واستيطان يتوسع، ومجتمع دولي منشغل بأزمات أخرى، فلن يكون هناك سبب يدفعه إلى تغيير قواعد اللعبة.
أما إذا وجد أمامه شعباً موحداً، ومؤسسات شرعية، واستراتيجية دولية وقانونية وشعبية متماسكة، واقتصاداً قادراً على الصمود، وحضوراً فلسطينياً قوياً في العالم، فإن المعادلة تصبح مختلفة.
عندها لن يكون السؤال الفلسطيني: هل نتنياهو أفضل أم أيزنكوت؟ هل اليمين أفضل أم الوسط؟ هل ستأتي حكومة أكثر اعتدالاً؟ .. بل سيصبح السؤال: كيف نستثمر كل تغير داخل إسرائيل لمصلحة المشروع الوطني الفلسطيني؟ وهذا فرق هائل بين شعب ينتظر الآخرين وشعب يصنع شروط حركته السياسية.
إن نتنياهو، في مأزقه الانتخابي، قد يجد في الضفة ساحة مناسبة لاستعادة لغة الأمن والخوف، وقد يجد في استمرار الصراع وسيلة لتعبئة جمهوره وتحويل النقاش من إخفاقات حكومته إلى التهديدات المحيطة بإسرائيل. وهناك بالفعل مؤشرات وتقارير حديثة تربط اقتراب الانتخابات بتصاعد النشاط الاستيطاني والعنف في الضفة.
لكن الخطر الأكبر على الفلسطينيين ليس أن ينجح نتنياهو في استخدام الضفة لإنقاذ مستقبله السياسي. بل ان الخطر الأكبر أن ينجح هو أو من يأتي بعده، في تحويل الضفة إلى واقع جديد يصعب تغييره، بينما ينشغل الفلسطينيون بانتظار نتيجة الانتخابات.
من هنا يجب أن يكون الدرس الفلسطيني واضحاً: لا يجوز أن تكون الاستراتيجية الفلسطينية رهينة لمن يسكن مكتب رئيس الحكومة في القدس. قد يسقط نتنياهو، وقد يبقى. قد يفوز اليمين، وقد تتشكل حكومة أخرى. لكن فلسطين لا تستطيع أن تنتظر.
إن المطلوب ليس أن نعرف فقط من سيحكم إسرائيل، بل أن نعرف ماذا سنفعل نحن في اليوم التالي للانتخابات، أياً كان الفائز.

