آراء

متشيغان… الزلزال السياسي الذي هز عرش إيباك 

29 مشاهدة
متشيغان… الزلزال السياسي الذي هز عرش إيباك 

الكاتب : أسامة ناصر / شيكاغو

ان فوز المرشح التقدمي عبدول السيد، المعروف بمواقفه المنتقدة للسياسات الإسرائيلية ودعوته إلى ربط الدعم الأمريكي لإسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان جاء رغم حملة إنفاق ضخمة قادتها إيباك وحلفاؤها بلغت عشرات الملايين من الدولارات بهدف منعه من الوصول إلى الفوز . ومع ذلك اختار الناخبون مرشحهم في رسالة واضحة مفادها أن القناعة الشعبية قد تتغلب على أكبر الحملات المالية عندما تتوافر الإرادة والتنظيم.
هذا الفوز لا يمثل انتصارا لشخص أو تيار سياسي فحسب بل يعكس تحولا أعمق داخل الحزب الديمقراطي بل وفي المجتمع الأمريكي عموما . فبحسب أحدث استطلاعات مؤسسة غالوب وللمرة الأولى منذ أكثر من عقدين أصبح التعاطف مع الفلسطينيين يتجاوز التعاطف مع الإسرائيليين على المستوى الوطني. والأكثر دلالة أن هذا التحول لم يعد مقتصرا على الشباب بل امتد إلى معظم الفئات العمرية وإن كان بدرجات متفاوتة. ففي الفئة العمرية بين 18 و34 عاما بلغت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين 53% مقابل 23% مع الإسرائيليين.
وفي الفئة بين 35 و54 عاما بلغت 46% مقابل 28% بينما بدأت حتى الفئة الأكبر سنا التي كانت تاريخيا الأكثر دعما لإسرائيل تشهد تراجعا تدريجيا في مستوى تأييدها.
كما أظهرت استطلاعات مركز بيو للأبحاث أن نحو 60% من الأمريكيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بنظرة سلبية مقارنة بنسبة 53% قبل عام واحد فقط وهو تغير سريع يعكس تأثير الحرب على غزة في تشكيل الرأي العام الأمريكي. أما داخل الحزب الديمقراطي فقد أصبحت الأغلبية تنظر إلى السياسات الإسرائيلية بقدر أكبر من النقد في حين لم يعد هذا التوجه مقتصرا على الجناح التقدمي بل أخذ يتوسع بين شرائح أوسع من الناخبين.
لذلك لم تعد القضية الفلسطينية ملفا يخشاه المرشحون أو يتجنبون الحديث عنه بل أصبحت جزءا أساسيا من النقاش السياسي الأمريكي خصوصا بين الشباب والتيار التقدمي والعرب الأمريكيين والمسلمين الذين ازداد حضورهم وتأثيرهم في العملية الانتخابية بعد الحرب على غزة.
كما أثبتت تجربة متشيغان أن العمل الميداني والتنظيم الشعبي والتواصل المباشر مع الناخبين قد يكون أكثر تأثيرا من الإعلانات الممولة وحملات التشويه السياسية. فالمال يستطيع أن يرفع صوت المرشح عاليا لكنه لا يستطيع دائما أن يغير قناعة الناخب.
الدرس الذي يجب أن يتوقف عنده السياسيون في الولايات المتحدة هو أن الاعتماد على دعم إيباك لم يعد ضمانة للفوز كما أن معارضتها لمرشح لم تعد تعني بالضرورة هزيمته. لقد تغير المزاج السياسي الأمريكي وأصبحت هناك شرائح واسعة من الناخبين تقيم المرشحين بناء على مواقفهم وقيمهم لا على حجم الإنفاق الذي يقف خلفهم.
كل ذلك لا يعني أن إيباك فقدت نفوذها أو أصبحت خارج المعادلة فما زالت تمتلك موارد مالية هائلة وعلاقات سياسية واسعة وما زالت تحقق نجاحات في العديد من السباقات الانتخابية. لكن ما حدث في متشيغان يؤكد أن نفوذها لم يعد مطلقا او حاسما بل ان قدرتها على حسم الانتخابات لم تعد كما كانت قبل سنوات وأن المال السياسي لم يعد قادرا على تجاوز التحولات العميقة في الرأي العام.
إن الرسالة التي خرجت من ولاية متشيغان تتجاوز حدود الولاية نفسها وهنا لب الموضوع فهي تعكس بداية مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية وهي مرحلة أصبح فيها المال السياسي أقل قدرة على شراء النتائج وأصبح الناخب أكثر استقلالية في قراره وأكثر استعدادا لمحاسبة السياسيين على مواقفهم من القضايا الأخلاقية والإنسانية.
ولعل أهم ما كشفته هذه الانتخابات أن جماعات الضغط مهما بلغت قوتها لا تستطيع الوقوف في وجه تحول الرأي العام إلى ما لا نهاية. فعندما تتغير قناعات المجتمع يصبح النفوذ المالي مضطرا للتكيف مع الواقع الجديد لا العكس.
لقد كانت متشيغان رسالة إلى جميع السياسيين الأمريكيين وبصوت قوي جهوري عالي : لا تراهنوا على أن دعم جماعات الضغط وحده يكفي لتحقيق الانتصار فالناخب الأمريكي يثبت يوما بعد يوم أن صوته لا يشترى وأن إرادته أقوى من أي حملة تمويل مهما بلغت قيمتها.

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية