القدس-مراسل القدس الخاص- ليست المعركة على الأملاك المسيحية في فلسطين معركة عقارية بالمعنى الضيق، ولا يمكن اختزالها في سجلات ملكية أو عقود إيجار أو نزاعات أمام المحاكم. ففي القدس، حيث تتجاور الكنائس والمساجد والمعابد في مساحة جغرافية محدودة، تتحول الأرض إلى جزء من معركة أوسع عنوانها حماية الذاكرة والهوية والتنوع الديني والحضاري، وضمان استمرار المسيحيين الفلسطينيين كجماعة أصيلة وحاضرة في مدينتهم وأرضهم.
وفي قلب هذه المعركة تقف بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، التي تدير إرثاً عقارياً ودينياً وتاريخياً يمتد لقرون، وتؤكد في مواقفها الرسمية أن حماية الأملاك الكنسية ليست شأناً مالياً، وإنما مسؤولية دينية ووطنية وتاريخية تجاه القدس والأراضي المقدسة والمجتمع المسيحي المحلي.
وتقول البطريركية إن أدواتها في الدفاع عن هذا الإرث تبدأ من القانون والقضاء، ولا تنتهي عندهما، بل تشمل التوثيق وحماية السجلات والاتصالات الدبلوماسية والتنسيق مع رؤساء الكنائس والمؤسسات الدولية، إلى جانب الاستناد إلى المكانة التاريخية والقانونية للأملاك والأوقاف المسيحية.
سلوان.. أحدث فصول معركة الأملاك ..
عاد ملف الأملاك الكنسية إلى الواجهة بقوة في حزيران/يونيو 2026، بعد حادثة في بلدة سلوان بالقدس الشرقية المحتلة.
ففي 15 حزيران، قالت بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية إن قوات إسرائيلية اقتحمت أرضاً تابعة لها، وطردت ممثل البطريركية من الموقع، وصادرت معداته، واقتلعت أشجاراً، ثم أحاطت الأرض بأسوار وبوابات. وأكدت البطريركية أن العقار، وهو القطعة رقم 6 من الحوض 29985، مسجل رسمياً باسمها، ويقع بجوار دير القديس أونوفريوس القديم، ويحمل قيمة دينية وتاريخية وأثرية.
ورفضت البطريركية التبرير القائم على أمر بَستنة بلدي صدر عام 2019 وانتهى مفعوله في نيسان/أبريل 2024، معتبرة أن ذلك لا يوفر أساساً قانونياً لاقتلاع الأشجار أو طرد الحائز الشرعي أو إغلاق أرض الكنيسة ومنعها من الوصول إليها.
ولم تبق القضية في إطار السجال المحلي؛ إذ دان مجلس الكنائس العالمي الاستيلاء على الأرض، معتبراً أن ما جرى يثير مخاوف عميقة بشأن حقوق الكنائس وحقوق الملكية وسيادة القانون، وأكد تضامنه مع البطريركية في حماية الأملاك الكنسية والحضور المسيحي التاريخي في القدس والأرض المقدسة.
كما أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية أن الأرض مسجلة باسم البطريركية، واعتبرت الاستيلاء عليها انتهاكاً لحقوق الملكية الدينية والتاريخية، ودعت إلى وقف الإجراءات التي تستهدف الأملاك الكنسية.
وبذلك تحولت قضية قطعة أرض في سلوان إلى اختبار جديد لمستقبل الأملاك المسيحية في القدس: هل تبقى الملكية الكنسية محمية بسجلاتها وعقودها وحقوقها التاريخية، أم تصبح عرضة لإجراءات إدارية أو سياسية تغير واقعها على الأرض؟
القضاء.. السلاح الأول في الدفاع عن الملكية ..
تظهر تجربة البطريركية خلال السنوات الماضية أن القضاء يشكل إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها في الدفاع عن أملاكها.
وفي قضية عقارات باب الخليل، أعلنت البطريركية سابقاً أنها ستواصل اللجوء إلى القضاء لمواجهة قرارات تتعلق بعقاراتها، مؤكدة أن المدينة القديمة تمثل "خطاً أحمر"، وأنها ستدافع عن أملاكها عبر الوسائل القضائية والدبلوماسية، بالتعاون مع الكنائس والمؤسسات الداعمة للسلام.
كما أن قضية الأراضي الواقعة في أحياء رحافيا وطالبية تكشف حجم وتعقيد الملف. فقد ارتبطت هذه الأراضي، التي تبلغ نحو 520 دونماً، بعقود إيجار طويلة الأمد ونزاعات قانونية امتدت سنوات. وفي تطور قضائي حديث، أيدت المحكمة العليا الإسرائيلية موقف البطريركية في نزاع طويل يتعلق بأرض كنسية، وألغت حكماً سابقاً ألزمها بدفع نحو 13 مليون دولار، معتبرة أن اتفاقاً ملزماً لم يثبت وجوده في القضية محل النزاع.
هذه القضايا توضح أن حماية الأملاك لا تتم فقط بالتصريحات السياسية، وإنما تحتاج إلى فرق قانونية متخصصة، ومراجعة مستمرة للعقود والوثائق والسجلات، وخوض معارك قضائية قد تمتد لسنوات.
من المحاكم إلى الدبلوماسية ..
لكن القانون وحده لا يكفي، بحسب التجربة التي راكمتها البطريركية. ففي قضايا القدس، لا تنفصل الملكية عن الوضع التاريخي والسياسي والديني للمدينة. ولذلك لجأت البطريركية إلى مخاطبة رؤساء الدول والكنائس والمؤسسات الدولية، وإلى حشد الدعم الكنسي العالمي عندما ترى أن حقوقها أو وضعها التاريخي مهدد.
وفي قضية باب الخليل، دعت البطريركية رؤساء الدول ورؤساء الكنائس في العالم إلى حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة، فيما دعمتها كنائس القدس التي رأت في القضية تهديداً يتجاوز حدود الملكية العقارية ليطال سلامة الحي المسيحي ومسار الحجاج والوجود المسيحي في المدينة.
وهنا تتضح إحدى أهم خصائص معركة الأملاك المسيحية: الكنيسة لا تدافع عن الأرض باعتبارها أرضاً فقط، بل باعتبارها حاضنة لمجتمع حي وتراث ديني وثقافي ومسار تاريخي متصل.
الأملاك ليست أرقاماً في دفاتر العقارات ..
تاريخياً، ارتبطت أملاك بطريركية الروم الأرثوذكس بشبكة واسعة من المواقع والأراضي في فلسطين التاريخية. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن ملكيات البطريركية توزعت على القدس ومناطق في الجليل ومواقع أخرى، وأن إدارة هذه الأراضي كانت مرتبطة بصورة وثيقة بتاريخ الكنيسة والعلاقة بينها وبين المجتمع المحلي.
وتظهر وثيقة للأمم المتحدة تعود إلى عام 1949 أن أملاك البطريركية في مدن مثل القدس ويافا وحيفا، إضافة إلى أراضٍ ريفية، كانت مصدراً مهماً لإيراداتها، وأن فقدان السيطرة على عوائد بعض تلك الأملاك أثّر في قدرتها على مواصلة أنشطتها الدينية والتعليمية والخيرية.
وهذا البعد مهم لفهم لماذا تحولت قضية الأرض إلى قضية وجود. فالكنيسة تحتاج إلى العقار لإدارة مدارسها ومؤسساتها وخدماتها وأديرتها ومرافقها، كما تحتاج إلى موارد مالية تمكنها من خدمة مجتمعها. وعندما تفقد مؤسسة دينية أرضاً أو مورداً، فإن الخسارة لا تتوقف عند قيمة العقار السوقية، بل قد تمتد إلى قدرتها على تمويل وجودها وخدماتها واستمرار حضورها.
لا تفريط ولا مساومة ..
تؤكد البطريركية في بياناتها أن حماية الأوقاف والأملاك الكنسية جزء من رسالتها، وأنها لا تنظر إليها باعتبارها أصولاً تجارية يمكن التعامل معها بمعزل عن وظيفتها الدينية والوطنية والتاريخية.
وفي ملف آخر يتعلق بأملاك كنسية، أكدت البطريركية أنها تخوض معارك قانونية ضد ما تصفه بصفقات غير مفوضة أو مشبوهة، وأنها تعتمد على الطعن في التزوير وانعدام الأهلية القانونية وغيرها من الأسس القانونية لإبطال تلك الصفقات.
وتؤكد تجربة البطريركية كذلك أهمية ضبط أي تصرف في الأملاك عبر المؤسسات الكنسية المختصة. ففي إعلان سابق، شددت البطريركية على أن التصرف في الأراضي والعقارات لا يتم دون موافقة المجمع المقدس والجهات المخولة داخل البطريركية. وبذلك يصبح التوثيق والحوكمة الداخلية جزءاً من منظومة الحماية، إلى جانب القضاء والدبلوماسية.
قانون فلسطيني لحماية أملاك الكنائس ..
وفي الضفة الغربية، اتخذت السلطة الفلسطينية خطوة تشريعية مهمة في هذا الاتجاه. ففي عام 2022 صدر قرار بقانون بشأن أراضي وأملاك الكنائس المسيحية، ونص على منح أملاك الكنائس المسيحية المعترف بها وأراضيها إعفاءات وتسهيلات مماثلة لتلك الممنوحة لأراضي الدولة والوقف الإسلامي، كما اعتبر الاعتداء على أملاك الكنائس المسيحية وأراضيها جريمة يعاقب عليها بالعقوبة ذاتها المقررة للاعتداء على أملاك الدولة والوقف الإسلامي.
ويعكس هذا التشريع إدراكاً رسمياً فلسطينياً بأن حماية الأملاك المسيحية ليست قضية تخص الكنائس وحدها، وإنما جزء من حماية النسيج الاجتماعي والوطني الفلسطيني.
لماذا يعني بقاء المسيحيين بقاء التنوع؟ ..
قد تبدو العبارة التي تقول إن "المسيحيين ملح الأرض" دينية في جوهرها، لكنها في السياق الفلسطيني تحمل أيضاً معنى اجتماعياً وثقافياً ووطنياً. فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا جماعة وافدة إلى فلسطين في التاريخ الحديث، بل هم جزء من تاريخ البلاد الاجتماعي والحضاري والديني الممتد عبر القرون.
وتكفي الإشارة إلى أن المشهد المسيحي في الأراضي المقدسة لا يقتصر على الكنائس الكبرى؛ فالمشهد الرهباني في برية القدس وحدها يضم عشرات الأديرة والمحارس والمواقع التي تعود جذور بعضها إلى بدايات الرهبنة المسيحية في القرن الرابع. وقد أدرجت فلسطين في عام 2026 ملف "أديرة برية القدس" على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو، ويتضمن الملف أكثر من 73 موقعاً رهبانياً تاريخياً.
وفي بيت لحم، تمثل كنيسة المهد ومسار الحج نموذجاً آخر للتداخل بين الوجود المسيحي والتراث الإنساني العالمي؛ إذ تصف اليونسكو الموقع بأنه ذو قيمة عالمية استثنائية، ويضم إلى جانب الكنيسة منشآت وأديرة تابعة لتقاليد مسيحية متعددة، بينها التقليد الأرثوذكسي اليوناني.
لذلك فإن حماية المسيحيين لا تعني فقط حماية أفراد يمارسون طقوسهم الدينية، بل حماية طبقة كاملة من التاريخ والثقافة والعمارة والموسيقى واللغة والعادات والذاكرة الجماعية.
خطر الهجرة لا يقل عن خطر مصادرة الأرض ..
المعادلة الأكثر خطورة هي أن تراجع الوجود المسيحي يمكن أن يحدث بطريقتين متزامنتين: فقدان الأرض من جهة، ودفع السكان إلى الهجرة من جهة أخرى.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المسيحيين في فلسطين، الذين يشكلون أقل من 2% من السكان، يواجهون ارتفاعاً في حوادث المضايقة والاعتداء، خصوصاً في القدس القديمة، فيما يشعر كثير من المسيحيين الفلسطينيين في الضفة الغربية بأن الحماية التي يحصلون عليها غير كافية.
وهنا تصبح حماية العقار جزءاً من حماية الإنسان. فالأرض التي تُغلق أمام الكنيسة، أو تُنقل ملكيتها، أو تصبح غير قابلة للوصول، أو تتحول إلى مشروع تجاري أو استيطاني يقطع الصلة بين المجتمع ومحيطه التاريخي، يمكن أن تساهم في إضعاف قدرة المسيحيين على البقاء.
القدس.. القضية أكبر من نزاع عقاري ..
تتضح الصورة أكثر في البلدة القديمة بالقدس.فقضية الأملاك الواقعة قرب باب الخليل، بحسب مواقف الكنائس، لا تتعلق فقط بمن يملك فندقاً أو قطعة أرض، بل بموقع استراتيجي عند أحد أهم مداخل الحي المسيحي وبالقرب من مسار الحجاج إلى كنيسة القيامة. ولذلك اعتبرت الكنائس أن أي تغيير في طبيعة المنطقة قد يؤثر في التوازن التاريخي والديني للمدينة.
وهذا يفسر إصرار البطريركية على استخدام كل الأدوات الممكنة: القضاء عندما يكون المسار القضائي متاحاً، والضغط الدبلوماسي عندما تكون القضية ذات بعد دولي، والتنسيق الكنسي عندما تكون القضية مرتبطة بمستقبل المسيحية في القدس، والتوثيق عندما تكون الملكية نفسها موضع نزاع.
معركة طويلة النفس ..
المفارقة أن بعض قضايا الأملاك المسيحية لا تحسم خلال أشهر، وإنما تستمر لعقود. فقضية أراضي البطريركية في القدس، على سبيل المثال، ظلت مرتبطة بعقود إيجار ونزاعات على الحقوق العقارية لأكثر من عشرين عاماً في بعض الملفات، وفق تقارير عن النزاع المتعلق بأراضي رحافيا وطالبية ونيوت.
وهذا يعني أن حماية الملكية الكنسية تحتاج إلى سياسة طويلة الأمد لا تتأثر بتغير الحكومات أو الأشخاص. كما تحتاج إلى بناء أرشيف قانوني ورقمي شامل، وتحديث السجلات، ومتابعة عقود الإيجار، وتقييم المخاطر القانونية للعقارات، وتخصيص فرق متخصصة للمتابعة القضائية والإدارية.
الكنائس كجبهة واحدة ..
ومن اللافت في السنوات الأخيرة تزايد التنسيق بين رؤساء الكنائس في القدس عندما يتعلق الأمر بتهديد الوجود المسيحي. ففي عام 2025، أصدرت الكنائس في القدس موقفاً مشتركاً دعماً للبطريركية الأرمنية في قضية مرتبطة بإجراءات حجز عقاري وديون ضريبية، مؤكدة أن حماية المؤسسات المسيحية وحقوقها القانونية جزء من مسؤولية جماعية.
وهذا التضامن مهم؛ لأن القضية لم تعد قضية بطريركية بعينها. فما يصيب مؤسسة مسيحية واحدة يمكن أن يتحول إلى سابقة تؤثر لاحقاً في مؤسسات أخرى.
"ملح الأرض".. بقاء المسيحيين مصلحة فلسطينية جامعة ..
في الخطاب المسيحي، يقول السيد المسيح: "أنتم ملح الأرض". وفي الحالة الفلسطينية يمكن قراءة هذه العبارة بوصفها أيضاً توصيفاً لدور تاريخي واجتماعي. فالمسيحي الفلسطيني ليس مجرد رقم في الإحصاءات السكانية، كما أن الكنيسة ليست مجرد مبنى للصلاة.
إنها مدرسة، ومستشفى، ودير، ومقبرة، ومكتبة، ومؤسسة خيرية، وذاكرة معمارية، وقطعة أرض تحمل قصة أجيال.
وحين يبقى المسيحي الفلسطيني في أرضه، تبقى معه قرون من الحضور المتصل. وحين تُحمى الكنيسة، تُحمى معها مساحة من التنوع الذي جعل فلسطين واحدة من أكثر مناطق العالم غنى بالتاريخ الديني والحضاري.
ولهذا فإن معركة بطريركية الروم الأرثوذكس على أملاكها لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نزاعاً بين مؤسسة دينية وأطراف عقارية فحسب؛ إنها جزء من سؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق البقاء، ومن يملك حق حماية ذاكرته، وكيف يمكن للقدس وفلسطين أن تحافظا على طابعهما المتعدد.
فالمسيحيون ليسوا تفصيلاً في المشهد الفلسطيني، والأملاك المسيحية ليست مجرد عقارات، والكنائس ليست مجرد حجارة. إنها جميعاً أجزاء من رواية فلسطين التاريخية والحية؛ وحمايتها تعني حماية أحد أهم وجوه التنوع الذي ميّز هذه الأرض عبر القرون.

