رام الله-واثق نيوز-أصدر مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" ورقة في إطار دوره الحقوقي والإنساني في توثيق الانتهاكات الجسيمة، والدفاع عن ضحايا التعذيب، وتعزيز مبادئ العدالة والمساءلة. ويأتي هذا الجهد ضمن التزام المركز الراسخ برصد ومناصرة قضايا حقوق الإنسان، وفضح الممارسات القمعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، بما ينسجم مع المعايير الدولية ونداءات الكرامة الإنسانية.
تأتي هذه الورقة في سياق إحياء اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة ، في قرارها 52/149 المؤرخ 12 كانون الأول 1997، يوم 26 حزيران يوماً دولياً للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، بهدف القضاء التام على التعذيب وتحقيقاً لفعالية أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي بدأ نفاذها في 26 حزيران 1987. وهو اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة للتأكيد على الرفض المطلق للتعذيب بكافة أشكاله، وللتضامن مع الضحايا والسعي إلى تحقيق العدالة والمساءلة.
وتسلط الورقة الضوء على جريمة التعذيب التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، بوصفها جريمة ممنهجة ترتكب في ظل صمت دولي مقلق وإفلات دائم من العقاب.
في سياق الاحتلال العسكري المستمر للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، برزت سياسة التعذيب التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي كواحدة من أبشع الممارسات الممنهجة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني جسداً ونفساً وكرامة. وعلى الرغم من التزامات إسرائيل القانونية الدولية، كطرف موقع على عدد من الاتفاقيات والعهود الرئيسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن الوقائع الموثقة تشير إلى استخدام واسع النطاق ومنهجي للتعذيب ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وبمستويات متعددة من الانتهاك الجسدي والنفسي والطبي والاجتماعي.
لقد تحولت منظومة الاعتقال الإسرائيلية إلى مسرح متكامل لانتهاك الكرامة الإنسانية، حيث تستخدم أساليب التعذيب ليس فقط لانتزاع الاعترافات، بل كأداة لإخضاع وتفكيك الإرادة الجمعية الفلسطينية، وإنتاج حالة من الرعب المستدام. ومع تراكم الأدلة والشهادات على مدى العقود الماضية، أصبح من الجليّ أن التعذيب الإسرائيلي لا يمثل سلوكاً فردياً من محقق أو جندي، بل هو سياسة مؤسسية متجذرة ومحمية قانونياً وإدارياً.
في ظل غياب المحاسبة الدولية الفاعلة، وتواطؤ بعض الأطراف في التغطية على الانتهاكات الجسيمة عبر استمرار التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل، بما في ذلك تصدير واستيراد أدوات ووسائل التعذيب التي تم اختبارها على الفلسطينيين. إذ لا يقتصر الخطر على من يمارس عليهم التعذيب فعلياً، بل يشمل دائرة أوسع من الأفراد والمجتمعات الذين يعيشون في حالة تهديد دائم بإمكانية التعرض له.
وعلى المستوى القانوني، فإن حظر التعذيب يمثل أحد أقدس القواعد في القانون الدولي، إذ لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي لتبريره، بما في ذلك الحرب أو حالة الطوارئ أو دواعي الأمن القومي. بل إن التعذيب مصنف كجريمة ضد الإنسانية في حال ممارسته بشكل واسع النطاق أو منهجي، وهو ما ينطبق بشكل واضح على الحالة الفلسطينية. ومن هنا، فإن الإصرار على توثيق هذه الجرائم، والمطالبة بالمحاسبة والمساءلة، ليس واجباً أخلاقياً فقط، بل حق قانوني جماعي وغير قابل للتنازل.
لقد تناولت هذه الورقة بأسلوب منهجي جملة من المحاور المرتبطة بالتعذيب الإسرائيلي، بدءًا من توثيق أنماط وأساليب التعذيب المستخدمة في مراكز التحقيق والسجون، مروراً بتحليل الأطر القانونية الدولية التي تحظر التعذيب بشكل قطعي، ووصولاً إلى بيان مسؤولية إسرائيل كمحتل يمارس جرائم تعذيب ممنهجة بحق الشعب الفلسطيني. كما تتطرق إلى البعد النفسي لهذه الجريمة، والآثار الممتدة على الضحايا وأسرهم والمجتمع الفلسطيني ككل، ويبرز فشل المجتمع الدولي في تفعيل آليات المساءلة، بل وتورط إسرائيل في تصنيع وتصدير أدوات التعذيب واستخدام الأراضي الفلسطينية كميدان اختبار لهذه الأدوات.
إن هذه الورقة لا تكتفي بعرض الواقع الكارثي الذي يعيشه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، بل تسعى إلى تحليل المنظومة القانونية والسياسية التي تتيح استمرار التعذيب والإفلات من العقاب، من خلال ربطها بالمفاهيم القانونية الدولية مثل القواعد الآمرة، والولاية القضائية العالمية، وعدم تقادم الجرائم الجسيمة، وتوسيع مسؤولية الدولة الجنائية والمدنية عن الأفعال غير المشروعة.
وعليه، تشكل هذه الورقة مدخلاً لفهم البنية العميقة للتعذيب في السياق الفلسطيني – الإسرائيلي، وتؤسس لقراءة نقدية ومعمقة لممارسات الاحتلال، ليست من منطلقات إنسانية فقط، بل استناداً إلى مرتكزات القانون الدولي، ومفاهيم العدالة، وحقوق الإنسان الكونية. وهي دعوة مفتوحة للباحثين، والمحامين، والنشطاء، وصناع السياسات إلى تبني هذا الملف كأداة للمرافعة القانونية، والدفاع عن الضحايا، والمساهمة في جهود المناصرة الدولية لكشف الوجه الحقيقي لسياسات إسرائيل تجاه الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.
تعذيب الأسرى الفلسطينيين: جريمة ممنهجة ...
منذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، مارست سلطات الاحتلال الإسرائيلي مختلف أشكال الانتهاكات بحق الفلسطينيين، وكان التعذيب أحد أبرز هذه الانتهاكات، حيث اتُّخذ أداة ممنهجة في التحقيق والإذلال، وخاصة داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلي. ورغم القوانين الدولية التي تحظر التعذيب بشكل مطلق، لا تزال إسرائيل تنتهك هذه القواعد ، مما يشكل جريمة إنسانية مستمرة تستوجب المحاسبة.
تعد ممارسة التعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين واحدة من أكثر الجرائم الجسيمة التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بصورة منهجية ومستمرة منذ عام 1967. وعلى الرغم من انضمام إسرائيل إلى العديد من الاتفاقيات الدولية الأساسية التي تحظر التعذيب، أبرزها اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، إلا أن الوقائع الميدانية، والتقارير الحقوقية، وشهادات الضحايا، تؤكد أن التعذيب لا يزال يُمارس على نطاق واسع، في انتهاك صارخ لالتزامات إسرائيل القانونية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
يمارس التعذيب في مراكز التحقيق الإسرائيلية، وعلى وجه الخصوص في مراكز تحقيق المسكوبية، والجلمة، وبيتح تكفا، ومركز كيشون من خلال وسائل متنوعة تشمل الضرب المبرح، وضعيات الشبح المؤلمة لساعات طويلة، الحرمان من النوم، التهديد الجنسي، العزل الانفرادي لفترات طويلة، والإهانات اللفظية والنفسية. وتمتد هذه الممارسات إلى فئات واسعة من الأسرى، بما في ذلك القاصرين، النساء، والمرضى،ما يرفع من فداحة الانتهاك ويكشف طبيعته التمييزية والعقابية.
من الناحية القانونية، يشكل التعذيب انتهاكاً لعدة صكوك دولية، منها المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو لمعاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة"، وكذلك المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع التي تحظر المعاملة القاسية أو التعذيب أو الإهانة بحق الأشخاص المحميين في حالات الاحتلال أو النزاع المسلح. وعلاوة على ذلك، فإن التعذيب يصنف كـ جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية عندما يمارس بصورة واسعة النطاق أو منهجية، وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
تؤكد تقارير المنظمات الحقوقية الإنسان أن سلطات الاحتلال لا تكتفي بالتعذيب الجسدي، بل تمارس التعذيب النفسي كوسيلة لإخضاع المعتقلين سياسياً وكسر إرادتهم، سواء من خلال تهديدات تمس أفراد العائلة، أو حرمان الأسير من الاتصال بمحامٍ، أو ممارسة الضغط عبر استخدام ما يعرف بـ"الاعتقال الإداري" كأداة ابتزاز.
إن الأطر التشريعية الإسرائيلية نفسها توفر الغطاء القانوني لهذه الممارسات، حيث تسمح قرارات المحاكم الإسرائيلية – ومنها المحكمة العليا – باستخدام "الضغط الجسدي المعتدل" في ظروف معينة، ما يعد بمثابة شرعنة قضائية للتعذيب، تتنافى مع الحظر المطلق للتعذيب الذي لا يقبل أي استثناء عليه، بموجب المادة (2) من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تلزم الدول باتخاذ كافة التدابير لمنع التعذيب في أراضيها أو أي مكان يخضع لولايتها.
كما يحظر القانون الدولي الإنساني، بموجب اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949، وكذلك والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، جميع أشكال التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة بحق الأشخاص المحميين، سواء كانوا من أسرى الحرب أو من المدنيين تحت الاحتلال. ويعتبر التعذيب في هذا السياق جريمة جسيمة (Grave Breach)، ترتب مسؤولية جنائية فردية ودولية، سواء على من ارتكبها بشكل مباشر أو على من أمر بها أو تواطأ في تنفيذها.وتنص المادة (3) المشتركة بين الاتفاقيات الأربع على حظر "الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب"، وهي قاعدة تنطبق على كافة حالات النزاع، سواء كانت دولية أو غير دولية. وفي إطار اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب، تمنع في المادة (17) أي وسيلة من وسائل التعذيب أو الإكراه البدني أو النفسي أثناء استجواب الأسرى، كما تصنف المادة (130) التعذيب والمعاملة اللاإنسانية ضمن "الانتهاكات الجسيمة" التي تستوجب المسؤولية الجنائية الفردية. أما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين، فتنص في المادة (32) على حظر "اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة لأشخاص محميين، ولا سيما التعذيب البدني أو المعنوي"، كما تعتبر المادة (147) أن التعذيب والمعاملة اللاإنسانية – بما في ذلك التجارب الطبية غير المبررة – يشكلان انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وتُعزز هذه الحماية أيضًا من خلال البروتوكول الإضافي الأول (1977)، حيث تنص المادة(75/2)) على الحظر المطلق "للتعذيب بجميع أنواعه، والمعاملة القاسية، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة". أما البروتوكول الإضافي الثاني 1977، المتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية، فيؤكد في المادة (4/2)على الحظر الصريح "للاعتداء على الحياة أو الشخص، وبخاصة القتل والتعذيب والمعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة". وبذلك، فإن مجمل هذه النصوص تؤسس لحظر مطلق وقاطع للتعذيب، وتلزم الدول بمساءلة مرتكبيه دون استثناء.
وضمن الإطار الأوسع للقانون الجنائي الدولي، نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 على أن التعذيب يعد جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، كما يعد جريمة حرب عندما يُمارس بحق الأسرى أو المدنيين خلال النزاعات المسلحة. هذه القواعد تعكس الطابع القطعي والمطلق لحظر التعذيب، وتجعل من ملاحقة مرتكبيه واجباً قانونياً دولياً غير قابل للتهاون أو التساهل.
إلى جانب ذلك، تفشل إسرائيل في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمساءلة القانونية، إذ لا يتم فتح تحقيقات جدية ومستقلة في أغلب حالات التعذيب المبلغ عنها، ولا تتم محاسبة الجناة، رغم تقديم آلاف الشكاوى من قبل المعتقلين الفلسطينيين، وهو ما يجسد سياسة الإفلات المنهجي من العقاب، ويؤكد الطبيعة السياسية والمؤسسية للتعذيب داخل نظام الاحتلال.
إن استمرار هذه السياسات لا يمثل فقط تحدياً للعدالة الدولية، بل يسهم في تجريد النظام القانوني الدولي من فاعليته إذا لم يقابل بإجراءات حازمة من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك تحريك ملفات قانونية أمام المحاكم الدولية، وتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في التعذيب، وفرض عقوبات على المؤسسات الأمنية الضالعة في هذه الانتهاكات.
وفي ظل هذه الممارسات، فإن مسؤولية المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والمؤسسات القانونية، لا تقتصر على الإدانة، بل يجب أن تمتد إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان حماية الأسرى الفلسطينيين، ومحاسبة مرتكبي جريمة التعذيب، وضمان عدم تكرارها، وتوفير آليات تعويض وجبر ضرر فعالة للضحايا. فالتعذيب ليس فقط جريمة لا تسقط بالتقادم، بل هو تحدٍ صارخ لفكرة العدالة الإنسانية المشتركة، واختبار دائم لصدق التزام الدول والمؤسسات بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
أنماط التعذيب المستخدمة في السجون الإسرائيلية ...
تعتمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين على مجموعة واسعة من أنماط وأساليب التعذيب، تهدف في مجملها إلى تفكيك إرادة المعتقلين، وإجبارهم على الاعتراف أو تقديم معلومات تحت الضغط، أو ببساطة لمعاقبتهم على خلفياتهم السياسية والوطنية. وتشير الشهادات والتقارير إلى أن التعذيب يبدأ غالباً منذ لحظة الاعتقال، ويتصاعد خلال فترة التحقيق، وقد يمتد حتى بعد صدور الحكم، سواء في ظروف الاحتجاز أو من خلال الإهمال الطبي.
في الجانب الجسدي، يتعرض المعتقلون الفلسطينيون للضرب الوحشي المبرح، سواء أثناء اعتقالهم في الميدان أو داخل مراكز التحقيق. ويتضمن هذا الضرب استهدافاً مباشراً لأماكن حساسة مثل الرأس، والوجه، والأعضاء التناسلية، إلى جانب الركل والصفع بالعصي أو الأيدي. ويضاف إلى ذلك ممارسة الهز العنيف للرأس والرقبة إلى جانب أشكال أخرى من التعذيب ، تسببت في استشهاد عدد من الأسرى كان أولهم الشهيد يوسف الجبالي، الذي استشهد بداية عام 1968م في سجن نابلس، والشهداء يونس أبو سبيتان، عون العرعير، محمد الخواجا، خضر الترزي، مصطفى عكاوي، عطية الزعانين، خالد الشيخ علي، عبد الصمد حريزات. كما يتم تقييد الأسرى بوضعيات مؤلمة لفترات طويلة، ومنعهم من النوم لساعات أو أيام متواصلة، وهي ممارسات تهدف إلى إنهاك الجسد ومنع الاستقرار الذهني، ما يضعف من مقاومة الأسير ويؤثر على قدرته على الصمود أثناء التحقيق.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، حتى اليوم تصاعدت بشكل لافت سياسة التعذيب الوحشي التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، واتخذت طابعاً أكثر عنفاً ودموية، بلغ حد القتل العمد تحت وطأة التعذيب. ففي ظل التعتيم الإعلامي والحصار المفروض على السجون، وغياب الرقابة الدولية، وثقت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية استشهاد ما لا يقل عن (72) أسير فلسطيني من بينهم (45) معتقلاً من قطاع غزة، وهم فقط المعلومة هوياتهم، علماً أن الاحتلال ما يزال يخفي هويات عشرات الشهداء بين صفوف معتقلي غزة، إما نتيجة التعذيب الجسدي والنفسي وسوء المعاملة ،أو من خلال الإهمال الطبي الوجه الآخر للتعذيب ، لتشكل هذه المرحلة في تاريخ الحركة الأسيرة وشعبنا الأكثر دموية، وبذلك فإن عدد شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم منذ عام 1967 بلغ حتى اليوم (309) ومن الجدير ذكره أن (8) معتقلين إداريين استشهدوا في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء حرب الإبادة وهم من بين (72) شهيداً ارتقوا منذ الإبادة في سجون الاحتلال الإسرائيلي ، في انتهاك صارخ لكل القواعد الأخلاقية والإنسانية والقانونية، وعلى رأسها اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقيات جنيف.
أما في الجانب النفسي، فتتبنى سلطات الاحتلال سياسة منهجية تقوم على تحطيم معنويات المعتقل، من خلال التهديد باغتصابه أو باعتقال أو إيذاء أفراد أسرته، لا سيما الزوجة أو الأبناء. كما يتم عزل المعتقلين انفرادياً في زنازين ضيقة ومظلمة لفترات قد تصل إلى شهور، ما يسبب أذى نفسياً بالغاً. وغالباً ما تقترن هذه العزلة بالإهانات المتكررة للمعتقدات الدينية والهوية الوطنية، إلى جانب الإيهام بالإعدام، والحرمان من الزيارات العائلية، مما يفاقم مشاعر العزلة والقلق وفقدان الأمان.
كما أن الإهمال الطبي المتعمد يشكل أحد أخطر أشكال التعذيب التي تنتهجها مصلحة السجون الإسرائيلية. فالعديد من الأسرى المرضى يحرمون من تلقي العلاج المناسب، أو يجبرون على الانتظار لفترات طويلة قبل عرضهم على طبيب. وفي حالات كثيرة، يجري المحققون تحقيقاتهم مع المعتقلين المرضى أثناء تواجدهم في المستشفيات أو في ظروف صحية حرجة، وهو ما يعد انتهاكاً مضاعفاً للحق في السلامة الجسدية. كما يتم أحياناً إعطاء أدوية دون إشراف طبي، أو استخدام العقاقير كوسيلة للتهدئة أو التأثير على الوعي والإدراك.
تتجلى الخطورة الأكبر في استهداف الفئات الهشة، كالأطفال والنساء والمعتقلين الإداريين. إذ يعتقل مئات الأطفال الفلسطينيين سنوياً، وغالباً ما يخضعون لأساليب تحقيق عنيفة دون حضور محامٍ أو إشراف عائلي، ويتعرضون للضرب، والتهديد، والضغط النفسي الشديد. وفي حالة النساء، تمارس بحقهن أنماط متعددة من الانتهاكات، تبدأ من التحرش اللفظي والتهديد الجنسي، وتمتد إلى الحرمان من الاحتياجات الصحية الأساسية، مثل أدوات النظافة الشخصية أو العلاج الخاص بالحمل والولادة. أما المعتقلون الإداريون، الذين يحتجزون دون توجيه تهمة رسمية أو محاكمة، فهم عرضة لاستجوابات قسرية قائمة على التعذيب، رغم غياب الأساس القانوني الواضح لاحتجازهم، ما يجعلهم في موقع هش قانونياً وإنسانياً.
إن هذه الأنماط من التعذيب، وإن اختلفت في الشكل والدرجة، إلا أنها تشترك في هدف مركزي يتمثل في السيطرة على الإنسان الفلسطيني عبر أدوات الإذلال والتنكيل، وهي ممارسات تشكل انتهاكاً ممنهجاً للقانون الدولي وقرارات الهيئات الأممية المعنية بحقوق الإنسان
التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم ...
يعد التعذيب من أخطر الجرائم المرتكبة ضد الكرامة الإنسانية وأكثرها إضراراً بالبنية النفسية والجسدية للفرد. ونظراً لطبيعته الممنهجة، وعدم اقتصاره على الفعل الفردي بل غالباً ما يتم بغطاء مؤسسي أو رسمي، فقد أقر القانون الدولي بمبدأ أساسي مفاده أن جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، بل تظل قائمة قانونياً وأخلاقياً مهما طال الزمن، ويجوز ملاحقة مرتكبيها في أي وقت وأمام أي ولاية قضائية مختصة. ويشكل هذا المبدأ إحدى الضمانات الجوهرية لتحقيق العدالة للضحايا، وتعزيز المساءلة، والحد من الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة.
1. الأساس القانوني لعدم تقادم جريمة التعذيب
يحظى مبدأ عدم تقادم جريمة التعذيب بتأييد راسخ في القانون الدولي، رغم تفاوت النصوص من حيث وضوحها. فعلى مستوى القانون الدولي لحقوق الإنسان، وإن كانت معظم الاتفاقيات لم تنص صراحة على مبدأ عدم التقادم، إلا أن روحها ومقاصدها تحتم ذلك، خاصة اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 التي تلزم الدول باتخاذ كافة التدابير التشريعية والقضائية لضمان التحقيق والمحاسبة في جميع حالات التعذيب دون استثناء زمني، وهو ما يفهم ضمنًا أنه التزام غير خاضع للتقادم. كما أن مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بمنع الإفلات من العقاب لعامي 1997 و2005 تؤكد أن الجرائم الجسيمة – ومنها التعذيب – يجب ألا تخضع لقواعد التقادم، وتحث الدول على تعديل تشريعاتها الوطنية بما يزيل كل العوائق القانونية والإجرائية التي تحول دون الملاحقة.
أما في القانون الجنائي الدولي، فقد أكد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 على عدم تقادم الجرائم التي تدخل ضمن ولايتها، ومنها التعذيب عندما يُرتكب كجريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب. وينسجم ذلك مع الاتفاقية الأوروبية لعام 1968 بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي نصّت صراحة على أن مثل هذه الجرائم لا يجوز أن تسقط بالتقادم مهما مرت عليها من سنوات. وتأسيسًا على ذلك، تبنت العديد من النظم القضائية، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، هذا المبدأ ضمن قوانينها الوطنية.
وقد دعم الاجتهاد القضائي الدولي هذا التوجه من خلال قرارات صادرة عن هيئات حقوقية وأجهزة قضائية دولية ووطنية. فاللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة شدّدت في أكثر من حالة على أن التزامات الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تشمل التحقيق والمحاسبة دون قيود زمنية، فيما لجأت محاكم وطنية – كالقضاء الأرجنتيني، والتشيلي، والإسباني – إلى تفعيل مبدأ عدم التقادم في قضايا تعذيب ارتُكبت خلال الحقبة الديكتاتورية، مؤكدة أن العدالة لا تتقادم.
2. الآثار القانونية لمبدأ عدم التقادم
يترتب على عدم تقادم جريمة التعذيب آثار قانونية بالغة الأهمية، تبدأ من تمكين الضحايا من المطالبة بحقوقهم وملاحقة الجناة في أي وقت، دون أن يُحرموا من العدالة بسبب مرور الزمن. فالتقادم في مثل هذه القضايا لا يُعدّ حماية للمنظومة القضائية من التراكم، بل يُعدّ إنكارًا للحق في الإنصاف.
ويعزز هذا المبدأ مبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب الموجودين على أراضيها، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الضحية أو الجاني، وهو ما يكرس مبدأ "العدالة الكونية" ويحمل المجتمع الدولي مسؤولية جماعية في ردع هذه الجريمة.
كما يسهم في تحييد القوانين الوطنية التي تمنح العفو أو الحصانة للمرتكبين، إذ لا يعترف دولياً بأي تشريع يحول دون مقاضاة مرتكبي جرائم التعذيب، بما في ذلك الحصانات الوظيفية أو الرئاسية، ما يعزز استقلال القضاء ويكفل سيادة القانون على الجميع. بل إن بعض المحاكم اعتبرت قوانين العفو المحلية باطلة عند تعارضها مع الالتزامات الدولية المتعلقة بعدم التقادم.
التحديات العملية في تطبيق المبدأ رغم رسوخ المبدأ قانونياً، إلا أن تطبيقه لا يخلو من تحديات متعددة، من أبرزها غياب الإرادة السياسية في العديد من الدول، وخاصة تلك التي تورطت أجهزتها الأمنية في التعذيب. كما تشكّل العقبات الإجرائية والقضائية – مثل فقدان الأدلة، أو امتناع الشهود عن الشهادة بسبب الخوف أو الترهيب – تحديات حقيقية تعيق إنفاذ العدالة.
وتزداد هذه التحديات تعقيداً في البيئات التي تستمر فيها أنماط التعذيب ضمن سياسة مؤسسية ممنهجة، حيث لا يتوقف التعذيب فقط على الممارسة، بل تُهيمن منظومة قانونية وإدارية تعيق الملاحقة أو توفر غطاءً للإفلات من العقاب. ويضاف إلى ذلك استمرار استخدام الحصانة الوظيفية من قبل بعض المسؤولين السابقين، ورفض بعض الدول التعاون في تسليم المطلوبين أو فتح أرشيف الجرائم.
إلا أن تطور قواعد القانون الدولي، وتزايد اجتهادات المحاكم الوطنية والدولية في رفض مبدأ التقادم، يسهم تدريجياً في تقليص هذه العقبات، ويمكن الضحايا من استرداد شيء من العدالة، ولو بعد حين.
حظر التعذيب كقاعدة آمرة في القانون الدولي العام ...
يعد حظر التعذيب أحد أهم المبادئ الراسخة في القانون الدولي العام، ليس فقط بوصفه التزاماً تعاقدياً منصوصاً عليه في اتفاقيات ومعاهدات، وإنما كقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي ذات الطبيعة القطعية، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولا يسمح بأي استثناء من نطاقها. وتؤكد هذه الطبيعة مكانة الحظر ضمن النظام الدولي لحماية حقوق الإنسان، وترتب آثاراً قانونية دولية تتعلق بعدم مشروعية أي تصرف ينتهك هذا الحظر، ووجوب مساءلة مرتكبيه، حتى خارج حدود الدولة ومهما كانت صفاتهم الرسمية.
1. القواعد الآمرة في القانون الدولي العام
القواعد الآمرة هي تلك القواعد الأساسية في النظام القانوني الدولي، التي يعترف بها المجتمع الدولي ككل باعتبارها غير قابلة للاستثناء أو التنازل. وقد ورد تعريفها صراحة في المادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والتي تنص على أنه ( تعد قاعدة من قواعد القانون الدولي الآمرة قاعدة مقبولة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي للدول كافة كقاعدة لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تعديلها إلا بقواعد لاحقة من النوع ذاته").
ووفقاً لهذا التعريف، تُعتبر القواعد الآمرة أسمى من الالتزامات التعاقدية، وتسمو على الاتفاقات الثنائية أو متعددة الأطراف، بما فيها تلك التي تتضمن استثناءات أو تنازلات. ومن بين هذه القواعد، برز حظر التعذيب كإحدى أهم القواعد الآمرة المعترف بها عالمياً.
2. حظر التعذيب كقاعدة آمرة في القانون الدولي
أكدت المحاكم الدولية والأجهزة التعاقدية، مثل لجنة مناهضة التعذيب واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، على أن حظر التعذيب قاعدة آمرة لا تقبل الاستثناء أو التبرير، حتى في حالات الحرب أو الإرهاب أو الطوارئ العامة. ومن أبرز النصوص التي تدعم هذه المكانة المادة (2) من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، التي تنص بوضوح على أنه( لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي أياً كانت طبيعته، سواء أكان حرباً أو تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة طوارئ عامة كمبرر للتعذيب). أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، في المادة (7) ، التي تحظر التعذيب بشكل مطلق ودون أي تحفظ. كما أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضت في عدة أحكام بأن حظر التعذيب (مطلق وغير قابل للتقييد تحت أي ظرف) ، كما أكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ICTY والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا ICTR في اجتهاداتهما، أن التعذيب جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، ويترتب على ارتكابها مسؤولية جنائية فردية حتى في غياب نزاع مسلح دولي.
3. الآثار القانونية لكون الحظر قاعدة آمرة
ينتج عن اعتبار حظر التعذيب قاعدة آمرة في القانون الدولي العام مجموعة من الآثار القانونية الملزمة التي لا يجوز للدول أو الأفراد التملص منها تحت أي ذريعة. فعلى رأس هذه الآثار، يترتب بطلان وعدم مشروعية أي اتفاق أو معاهدة تتضمن نصوصًا تتعارض مع هذا الحظر، وفقًا لما نصت عليه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تقر بأن أي معاهدة تخالف قاعدة آمرة تُعد لاغية وباطلة. كما أن التذرع بأي مبرر أو دفع قانوني كمبرر لارتكاب التعذيب – كالأوامر الصادرة من سلطة أعلى، أو مقتضيات الأمن القومي، أو حالات الطوارئ – لا يُعفى المسؤول من العقوبة، وفقاً لما أكدته نصوص اتفاقية مناهضة التعذيب واجتهادات لجان حقوق الإنسان.
وعلى مستوى الملاحقة الجنائية، فإن الطبيعة الآمرة لحظر التعذيب تفعل مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح لأي دولة أن تلاحق مرتكبي جرائم التعذيب أمام محاكمها، بصرف النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الجناة أو الضحايا. وقد طبق هذا المبدأ في عدد من القضايا في محاكم وطنية، لا سيما في بلجيكا، وألمانيا، وإسبانيا، مما يشكل سابقة مهمة في مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان على مستوى عالمي.
إلى جانب ذلك، فإن ارتكاب جريمة التعذيب يفرض مسؤولية دولية مباشرة على الدولة التي يُثبت تورطها أو تسامحها أو عدم قيامها بالتحقيق والمحاسبة، ما يفتح الباب أمام مساءلتها أمام المحاكم الوطنية ذات الاختصاص أو الهيئات الدولية مثل محكمة العدل الدولية. وأخيرًا، فإن من أبرز الآثار القانونية المترتبة على تصنيف التعذيب ضمن الجرائم الخاضعة للقواعد الآمرة، هو أنه لا يسقط بالتقادم، وتبقى إمكانية ملاحقة مرتكبيه قائمة مهما طال الزمن، انسجامًا مع المبادئ الراسخة في القانون الجنائي الدولي، ومع ما أقرته الاتفاقيات ذات الصلة مثل اتفاقية مناهضة التعذيب، ونظام روما الأساسي.
إسرائيل كمنتج ومصدر لأدوات التعذيب ...
لا تزال إسرائيل تلعب دوراً محورياً في تصميم وإنتاج وتصدير أدوات وأساليب التعذيب التي تستخدم ضد المدنيين في مناطق النزاع، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل وتتجاوز ذلك إلى الترويج لهذه الأدوات حول العالم باعتبارها "مختبرة ميدانياً ضد الفلسطينيين. هذا الواقع يبرز إسرائيل ليس فقط كدولة تمارس التعذيب، بل كمصدر عالمي للخبرات والأدوات التي تستخدم لانتهاك الكرامة الإنسانية.
1. صناعة أمنية قائمة على القمع والتعذيب
تعد إسرائيل من بين الدول الرائدة في الصناعات الأمنية والعسكرية، حيث خصصت جزءًا كبيراً من ميزانيتها لتطوير تقنيات مراقبة وتحقيق وتعذيب، تحت ما يعرف بـ"تقنيات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب". وتشمل هذه التقنيات:
- الأصفاد المعدنية البلاستيكية التي تسبب الألم طويل الأمد.
- الكراسي التي تُستخدم في التحقيق بوضعيات مرهقة.
- معدات الحبس الانفرادي وأدوات العزل.
- أجهزة الصدمات الكهربائية.
- برمجيات التعذيب النفسي عبر المراقبة والتحكم في المعلومات.
وقد صممت معظم هذه الأدوات باستخدام بيئة الاحتلال العسكري في فلسطين كمختبر حقيقي للتجريب والتطوير، قبل تصديرها إلى عشرات الدول.
2. تصدير "الخبرة الإسرائيلية" في القمع والتعذيب
من خلال معارض السلاح الدولية، وقنوات التعاون الأمني، تعلن إسرائيل عن نفسها كـ"خبير دولي في مكافحة التمرد"، وتعرض تقنياتها وتجربتها مع الفلسطينيين، بما في ذلك:
- أساليب التحقيق القسري.
- أجهزة السيطرة على الجماهير، مثل القنابل الصوتية والغازات الكيماوية.
- برمجيات التجسس والمراقبة السيبرانية، مثل برنامج "بيغاسوس" الذي استخدم ضد معارضين وصحفيين حول العالم.
ووفقاً لتقارير منظمات دولية فإن إسرائيل صدرت أدوات وأساليب تعذيب أو مراقبة استخدمت لاحقاً في قمع متظاهرين في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا، بل حتى في أوروبا.
3. الشركات الإسرائيلية المتورطة في تصنيع أدوات التعذيب
من أبرز الشركات المتورطة:
- شركة Elbit Systems: أكبر شركة خاصة للأسلحة في إسرائيل، وتنتج أنظمة مراقبة تستخدم في الجدران العازلة والسجون.
- شركة NSO Group: طورت برنامج بيغاسوس للتجسس، والذي استُخدم لاختراق هواتف حقوقيين وصحفيين ومعارضين سياسيين.
- شركة TAR Ideal Concepts: توفر تدريبات عسكرية ومعدات لمكافحة الشغب تستخدم ضد المدنيين.
- شركة Yehuda Welded Mesh: تنتج أقفاص وعوارض تستخدم في زنازين الأسرى وتصدرها إلى الخارج.
هذه الشركات تسوق منتجاتها بناءً على "الفعالية الميدانية" المكتسبة من استخدامها ضد الفلسطينيين، ما يجعل من الاحتلال أداة تسويقية لصناعة أدوات القمع.
4. انتهاك مباشر للقانون الدولي
إنتاج وتصدير أدوات التعذيب يعد انتهاكاً لاتفاقية مناهضة التعذيب (1984) التي تحظر "تسهيل أو السماح أو التواطؤ" في استخدام أدوات تؤدي إلى إيذاء جسدي أو نفسي للضحايا. كما أن:المادة (16) من الاتفاقية تلزم الدول بمنع الأعمال التي تشكل معاملة قاسية أو لا إنسانية من قبل أي شخص أو جهة تحت سلطتها.المبادئ التوجيهية للاتحاد الأوروبي بشأن التعذيب تحظر تصدير الأدوات التي يحتمل استخدامها في التعذيب.ورغم هذه الالتزامات، تستمر إسرائيل في تجاهل القانون الدولي، وتستغل الثغرات القانونية في بعض الأنظمة الدولية لتسويق هذه الأدوات.
الآثار النفسية للتعذيب ...
يعد التعذيب من أبشع الجرائم التي ترتكب بحق الإنسان، لما يخلفه من آثار مدمرة لا تقتصر على الألم الجسدي المباشر، بل تمتد لتصيب الضحية في عمق كيانه النفسي والاجتماعي والإنساني. ورغم الحظر المطلق للتعذيب في القانون الدولي، لا تزال العديد من الدول تمارسه بشكل ممنهج، وفي مقدمتها إسرائيل في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين، حيث تشكّل الممارسات التعذيبية وسيلة للسيطرة والقمع، وتهدف إلى كسر إرادة المعتقل وتفكيك هويته. وتشير الدراسات النفسية إلى أن التعذيب ليس مجرد حادث عابر، بل هو تجربة صادمة وعنيفة تترك آثارًا طويلة الأمد تتجلى في اضطرابات نفسية معقدة تحتاج إلى تدخل علاجي متخصص وممتد.
يعتمد التعذيب النفسي والجسدي في جوهره على تدمير الشعور بالأمان الداخلي للضحية، وزعزعة إدراكه لذاته وللعالم المحيط به، ما يؤدي إلى حالة من الانهيار الداخلي والاغتراب النفسي والاجتماعي. وتبين الأدبيات النفسية أن الأشخاص الذين يتعرضون للتعذيب يعانون من طيف واسع من الأعراض، تختلف حدتها باختلاف طبيعة وشدة التعذيب، والعوامل الشخصية والاجتماعية المحيطة. فوفقاً لدراسة صادرة عن المركز الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب (IRCT)، فإن أكثر من 80% من ضحايا التعذيب يعانون من آثار نفسية مستمرة، بعضها يظهر مباشرة، بينما يظهر البعض الآخر بعد سنوات، ما يؤكد الطبيعة المتأخرة والمركبة لهذه الاضطرابات.
ويُعد اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) من أكثر التأثيرات النفسية شيوعاً لدى ضحايا التعذيب، إذ يعانون من كوابيس متكررة، وتجنب للمثيرات المرتبطة بالتعذيب، وفرط في الاستثارة، وصعوبة في النوم، وشعور دائم بفقدان السيطرة. كما يرتبط التعذيب ارتباطًا وثيقاً بالاكتئاب الحاد، الذي يتجلى في شعور عميق بالحزن، وانعدام القيمة، واليأس، بل وقد يصل الأمر إلى التفكير بالانتحار. ويسجل الاكتئاب بشكل أكثر حدة لدى من تعرضوا لتعذيب جنسي أو عزلة مطوّلة. كما تظهر اضطرابات القلق على شكل نوبات هلع متكررة، خوف دائم من تكرار التجربة، وفقدان للثقة بالآخرين، ما يؤدي إلى عزلة اجتماعية خانقة. وغالبًا ما يصاحب هذه الاضطرابات النفسية أعراض جسدية ذات منشأ نفسي مثل الصداع المزمن، واضطرابات في الجهاز الهضمي، وآلام متنقلة، واضطرابات في النوم أو الوظائف الجسدية، دون وجود تفسير عضوي واضح.
ولا تتوقف آثار التعذيب عند الضحية وحده، بل تمتد إلى المحيط الاجتماعي والأسري، حيث يشيع الشعور بالاغتراب وفقدان الهوية، ويجد الكثير من الضحايا أنفسهم عاجزين عن الانخراط في الحياة الاجتماعية أو ممارسة أدوارهم الأسرية. وقد ينسحبون من الحياة العامة، ويعانون من انقطاع عن الذات والمجتمع، وهي حالة تعرف بـ"اغتراب ما بعد الصدمة". وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تدمير العلاقات الأسرية، فتسود التوترات داخل المنزل، وتظهر الصعوبات الزوجية، ويتراجع الأداء الوظيفي للضحايا، مما يخلق حلقة مفرغة من الانهيار النفسي والاجتماعي. والأخطر من ذلك، أن الصدمة النفسية قد تنتقل إلى الأبناء، وهو ما يُعرف علميًا بظاهرة "نقل الصدمة عبر الأجيال (Transmission of Trauma)، حيث يعاني الأبناء من القلق، والتوتر، والاضطرابات النفسية بسبب تأثرهم بسلوك الوالدين وصورهم الذهنية عن الاضطهاد والمعاناة.
وتُواجه عمليات علاج وتأهيل ضحايا التعذيب العديد من التحديات البنيوية والمجتمعية، أبرزها الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسي، وغياب البيئة الآمنة التي يحتاجها الضحية للشعور بالاستقرار، إضافة إلى نقص المراكز المتخصصة والمؤهلة، لا سيما في مناطق النزاع أو الاحتلال، مثل الأراضي الفلسطينية. كما أن تكرار الاعتقال أو الاستدعاء الأمني قد يُعيد فتح الجراح النفسية، ويقوّض أي محاولة للتعافي. ولهذا، يؤكد الخبراء أن التعافي من آثار التعذيب يحتاج إلى خطة علاجية متكاملة متعددة الأبعاد، تشمل العلاج السلوكي المعرفي، والدعم النفسي الفردي والجماعي، والتأهيل الأسري، وبرامج إعادة الإدماج المجتمعي، ضمن بيئة تحترم حقوق الإنسان وتوفر الأمان النفسي والاجتماعي.
بهذا المعنى، لا يمثل التعذيب مجرد انتهاك جسدي أو قانوني، بل هو اعتداء شامل على الكينونة الإنسانية، وعلى قدرة الأفراد على الثقة والتواصل والانتماء. ومكافحته لا تقتصر على المساءلة القانونية، بل تتطلب أيضًا التزامًا بتوفير الرعاية المتخصصة للضحايا، وضمان ألا يبقى الألم حبيس أجسادهم ونفوسهم بلا اعتراف أو تعويض أو علاج.
يعد التعذيب من أبشع الجرائم التي يمكن أن تمارس بحق الإنسان، لما يخلفه من دمار جسدي ونفسي عميق قد يرافق الضحية مدى الحياة. وعلى الرغم من حظر التعذيب بشكل مطلق في القانون الدولي، لا يزال يمارس على نطاق واسع في كثير من الدول، وفي مقدمتها إسرائيل في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين. لا تقتصر تداعيات التعذيب على الألم الجسدي اللحظي، بل تمتد لتشمل اضطرابات نفسية شديدة تؤثر على الضحية والأسرة والمجتمع، وتشكل تحديًا معقدًا لبرامج التأهيل والمعالجة.
التوصيات :
تمثل التوصيات الواردة في هذا الملف خلاصة تحليل قانوني وحقوقي مستند إلى توثيق دقيق لانتهاكات جسيمة ترتكب بحق الأسرى الفلسطينيين على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما من خلال ممارسة التعذيب بمختلف أشكاله الجسدية والنفسية. وانطلاقاً من مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ووفاءً بالتزامات القانون الدولي، وخاصة اتفاقية مناهضة التعذيب (1984)، فإن هذه التوصيات لا تقدم فقط كطرح نظري، بل كخارطة طريق قابلة للتطبيق، تهدف إلى تفعيل آليات الحماية، وضمان المساءلة، وتعزيز صمود الضحايا، وتحقيق العدالة.
لقد تم تصنيف التوصيات وتوجيهها بشكل دقيق لكل فئة من أصحاب المصلحة المعنيين – بما يشمل الجهات الرسمية الفلسطينية، ومنظمات المجتمع المدني، والهيئات الدولية، والمجتمع الدولي، والسلطات القضائية، والإعلام، والمحامين – وذلك لضمان أن يسهم كل طرف في تحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية في مناهضة التعذيب وملاحقة مرتكبيه.
وتستند هذه التوصيات إلى قناعة راسخة بأن جهود المناصرة والتوثيق وحدها لا تكفي ما لم تترجم إلى سياسات واستراتيجيات وأفعال، وأن مكافحة التعذيب تقتضي تحركاً جماعياً ومنسقاً يعالج القضية من جوانبها القانونية، والسياسية، والنفسية، والحقوقية، ويستهدف تفكيك البنية المؤسسية التي تشرعن هذه الجريمة وتوفر لها الحماية.
أولًا: توصيات موجهة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية
- تعزيز وتوثيق ملف التعذيب الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون أمام المحافل الدولية، عبر تنسيق الجهود بين وزارات الخارجية، والأسرى، والعدل، وهيئة شؤون الأسرى، ومندوبية فلسطين في الأمم المتحدة.
- تقديم بلاغات قانونية موثقة أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى، لا سيما التعذيب، وفقاً لما يتيحه نظام روما الأساسي.
- تطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأسرى المحررين وذويهم، بالتعاون مع المؤسسات المختصة، وتوفير تأهيل مهني واجتماعي بعد الإفراج.
- اعتماد سياسة متماسكة وموحدة في الخطاب السياسي والقانوني تسلط الضوء على جرائم التعذيب وتدرجها في تقارير الدولة الرسمية الدورية (كالاستعراض الدوري الشامل).
ثانياً: توصيات موجهة إلى منظمات المجتمع المدني الفلسطينية
- تعزيز آليات التوثيق المبني على المعايير الدولية لضحايا التعذيب من الأسرى المحررين، بما يشمل جمع الإفادات، التقارير الطبية، والشهادات الميدانية.
- تنظيم حملات مناصرة مستمرة لتسليط الضوء على قضية التعذيب، باستخدام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوت الضحايا.
- التعاون مع الشبكات الحقوقية الإقليمية والدولية لنقل الملف إلى منصات ضغط وتأثير عالمية .
- تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي المستدام للناجين من التعذيب، كجزء من برامج الحماية والتأهيل المجتمعي.
ثالثاً: توصيات موجهة إلى المنظمات الدولية (الأممية وغير الحكومية)
- تفعيل آليات التدخل العاجل لمقرري الأمم المتحدة، خاصة المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
- الضغط على الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب لإدانة إسرائيل صراحة في تقاريرهم الرسمية وداخل هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة.
- إرسال لجان تقصي حقائق مستقلة إلى مراكز الاعتقال والتحقيق الإسرائيلية، أو إجراء زيارات متابعة لمراكز الاحتجاز التي يتعرض فيها الفلسطينيون للتعذيب.
- تخصيص تمويل مستدام للمؤسسات الفلسطينية العاملة على توثيق الانتهاكات وإعادة تأهيل الضحايا.
رابعاً: توصيات موجهة إلى المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقيات حقوق الإنسان
- استخدام الصلاحيات القانونية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب الإسرائيليين الموجودين على أراضيهم.
- فرض عقوبات دبلوماسية أو قانونية أو اقتصادية على المسؤولين والمؤسسات الإسرائيلية المتورطة في جرائم التعذيب.
- حظر تصدير المعدات والأدوات التي تستخدم في التعذيب أو القمع إلى إسرائيل، استناداً إلى قواعد الحظر المنصوص عليها في الأنظمة الأوروبية والأمريكية.
- تعزيز التعاون مع هيئات المجتمع المدني الفلسطيني وتوفير الدعم القانوني والفني لها لرفع القضايا أمام المحاكم الدولية والوطنية.
خامساً: توصيات موجهة إلى الصحفيين ووسائل الإعلام
- تخصيص مساحات إعلامية منتظمة لتسليط الضوء على ملف التعذيب، وتناول قصص الضحايا من الأسرى والناجين بلغة إنسانية حقوقية.
- تدريب الصحفيين على تغطية قضايا التعذيب بطريقة تراعي السياق القانوني والبعد الأخلاقي، وتفادي استغلال معاناة الضحايا لأغراض الإثارة.
- توثيق الانتهاكات الإعلامية الموازية، كمنع التغطية أو استهداف الصحفيين، وتضمينها في الخطاب العام حول التعذيب والانتهاكات الجسيمة.
سادساً: توصيات موجهة إلى المحامين والحقوقيين الفلسطينيين والدوليين
- تقديم دعاوى فردية وجماعية أمام محاكم الدول التي تعتمد مبدأ الاختصاص العالمي، ضد محققين ومسؤولين إسرائيليين ارتكبوا جرائم تعذيب.
- إعداد ملفات قانونية شاملة وفق المعايير الدولية لتقديمها للمحاكم أو الآليات الدولية مثل لجنة مناهضة التعذيب.
- تطوير قاعدة بيانات قانونية توثق وتتابع تطور ممارسات التعذيب والردود القانونية المحتملة، تكون متاحة للباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
الخاتمة :
في ضوء ما تم توثيقه وتحليله في هذه الورقة ، يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل تمارس سياسة تعذيب ممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين. ليست هذه الممارسات نتاج تجاوزات فردية أو حالات استثنائية، بل هي تعبير صريح عن عقيدة مؤسساتية داخل النظام الاستعماري الاحتلالي، تسخر فيها أدوات الدولة – الأمنية، والعسكرية، والقانونية – لإخضاع الجسد الفلسطيني، وتفكيك الإرادة الجمعية، والنيل من الكرامة الوطنية. وتتجاوز آثار هذه السياسات الأجساد المنهكة في الزنازين لتصيب النسيج المجتمعي برمّته، من خلال تعميم الخوف، وتهديد الروابط الأسرية، وبث الإذلال والاضطهاد في الحياة اليومية للفلسطينيين.
وقد أكد التحليل القانوني الوارد في الورقة أن ما ترتكبه سلطات الاحتلال الإسرائيلي من أفعال يندرج ضمن الجرائم الدولية، سواء كـ جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي، أو جريمة حرب وفقاً لاتفاقيات جنيف. بل إن التعذيب يُعدّ في جوهره انتهاكًا صارخًا لإحدى القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، وهي قاعدة الحظر المطلق للتعذيب، التي لا يجوز تقييدها أو تبرير مخالفتها تحت أي ذريعة، بما في ذلك الضرورات الأمنية أو حالات الطوارئ. ومع ذلك، تستمر إسرائيل بانتهاك هذه القاعدة، مستندة إلى شبكة من الحصانات السياسية والتواطؤ الدولي والصمت المؤسسي الذي جعل المحاسبة غائبة والإفلات من العقاب واقعاً يومياً.
تكمن خطورة هذه الجرائم في اتساع نطاقها الزمني والمكاني، واستمراريتها عبر عقود طويلة، مما يجعل من التعذيب سياسة رسمية لا مجرد سلوك مرفوض. كما أن تورط شركات إسرائيلية في إنتاج وتطوير وتصدير أدوات التعذيب، بعد اختبارها على الفلسطينيين، يمنح هذه الممارسات طابعاً صناعياً وتكنولوجياً مرعباً، ويوسّع من دائرة المسؤولية لتشمل كيانات غير حكومية تسهم بشكل مباشر في الانتهاك المنظم للكرامة البشرية.
وعلى المستوى النفسي والاجتماعي، تبين من خلال العرض أن آثار التعذيب تتعدى اللحظة الزمنية والمكانية لوقوع الانتهاك، لتخلف جراحاً نفسية غائرة تستمر لسنوات، وتنعكس في اضطرابات مثل ما بعد الصدمة، الاكتئاب، والقلق، وتؤدي إلى تفكك علاقات الأسرة والمجتمع. ولا يقتصر الأثر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى الجيل التالي الذي يرث آثاراً نفسية واجتماعية مركبة دون أن يكون قد شهد التعذيب بنفسه، مما يجعل إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من المساءلة والعدالة.
إن استمرار تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات ملموسة – سواء من خلال العقوبات أو تفعيل الآليات القضائية – يمثل شكلاً من أشكال التواطؤ الصامت، الذي يكرس ثقافة الإفلات من العقاب. ومن هنا، فإن المرحلة تتطلب تبني إستراتيجية دولية متعددة المستويات تشمل توثيق الجرائم بأساليب معترف بها دولياً، وتفعيل الولاية القضائية العالمية، ورفع الدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، والضغط على الدول التي تزوّد إسرائيل بوسائل التعذيب، وبناء تحالف مدني عالمي يتولى التوعية والمناصرة.
كما أن على المؤسسات الفلسطينية، وخاصة العاملة في مجالات التوثيق والمناصرة القانونية، أن تواصل مهمتها كصوت الضحايا، وأداة مقاومة قانونية، وخط دفاع أخلاقي في وجه منظومة الاحتلال التي تسعى إلى طمس آثار الجريمة وتدمير مفاهيم العدالة.
وفي ضوء ما سبق، فإن هذه الورقة ليست مجرد تقرير توثيقي، بل تمثل دعوة واضحة وملحة للتحرك الحقوقي والقانوني الدولي، من أجل وقف التعذيب، ومحاسبة المسؤولين عنه، وضمان العدالة للضحايا. فالصمت جريمة موازية، والكرامة الإنسانية لا تقايض، ولا تسقط بالتقادم، بل تبقى حية في ضمير الشعوب، وفي ملفات العدالة التي لم تفتح بعد، لكنها لن تغلق أبداً.