لندن - واثق نيوز- يقول ديريك باوندر، أحد أبرز خبراء الطب الشرعي في المملكة المتحدة، إن المأساة الإنسانية المتفاقمة بقطاع غزة جراء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين منذ 23 شهرا تمثل "أقسى صورة لما يمكن أن يفعله شعب بشعب آخر".
وفي حديثه للأناضول حول الإبادة الجماعية التي ترتكبها تل أبيب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يذكر أن معاناة الفلسطينيين تجاوزت حدود الخسائر البشرية لتصل إلى حد غياب المساءلة وتلاشي العدالة.
ويشدد الخبير البريطاني على ضرورة دخول خبراء الطب الشرعي الدوليين إلى قطاع غزة، مبينا أن توثيق الجرائم يتطلب وجود فرق تحقيق مستقلة على الأرض.
ويشير إلى أن غياب الصحافة الأجنبية ومنعها من دخول قطاع غزة يزيد من تعتيم الصورة، قائلا: "ما نراه من مأساة ليس إلا جزءا من الصورة، أما ما لا نراه فهو أسوأ بكثير، وإلا لما منعت إسرائيل دخول الصحفيين الدوليين".
ويحذّر باوندر من أن القطاع يشهد تدهورا متسارعا في الأوضاع الإنسانية، مضيفا: "ما أراه في إسرائيل والأراضي المحتلة هو مأساة متفاقمة تدور في حلقة من القمع والبؤس والاستغلال، وكل يوم يزداد الوضع سوءا".
ويبين أن حجم الجرائم المرتكبة يفوق القدرة على التحقيق، إذ سُجّلت أعداد هائلة من الوفيات، كثير منها يرقى إلى جرائم حرب، لكن "التحقيق في جميعها يكاد يكون مستحيلا".
ويكشف باوندر عن مشاركته في تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" حول استهداف الأطفال الفلسطينيين، حيث جرى فحص أكثر من 160 حالة، وأظهرت النتائج أن 95 من هؤلاء، معظمهم دون سن 12 عاما، قُتلوا برصاص في الرأس أو الصدر.
ويشير إلى أنه عاين مقطعا مصورا يظهر مقتل طفل يبلغ عامين ووالده برصاص قنّاص إسرائيلي.
ويتابع موضحا: "في المشهد نرى رجلا ممدا على ظهره وطفلا صغيرا إلى جواره بلا حراك. بدا واضحا أن الطفل فارق الحياة، فيما كان الرجل يحاول رفع يده اليمنى بإشارات ضعيفة ليظهر أنه ما يزال على قيد الحياة، بينما يعيش لحظات احتضاره إلى جانب جثمان طفله".
ويضيف باوندر أن وضعية الجثتين تشير إلى أن رصاصة واحدة أصابتهما معا، مرجحا أن يكون الأب قد حاول حماية طفله بجسده، "لكن الرصاصة اخترقت جسديهما على التوالي، ما يدل على عملية استهداف متعمد من قنّاص".
ويؤكد باوندر أن توثيق الجرائم يتطلب وجود فرق تحقيق مستقلة في الميدان، مشددا: "من دون دخول خبراء طب شرعي دوليين، ومن دون جهود المجتمع المدني والصحافة العالمية داخل غزة، لن يتوفر لدينا سوى القليل جدا من الأدلة الجنائية".
كما يحذّر من أن حجم المأساة يفوق قدرة المحاكم الدولية، مضيفا: "عدد الوفيات مهول، ما قد يربك النظام القضائي العالمي بأسره".
ويدعو الخبير البريطاني إلى التركيز على حالات محددة مدعومة بشهادات موثوقة وأدلة مادية قوية لتأمين محاسبة حقيقية للجناة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مأساة غزة "ليست أرقاما أو إحصاءات، بل قصة إنسانية قاسية تكشف إلى أي مدى يمكن أن ينحدر الظلم عندما يُترك بلا رادع أو مساءلة".



