رام الله-واثق نيوز-أصدر مركز "صدى سوشال" دراسة جديدة بعنوان "الجاهزية الرقمية للمؤسسات الثقافية في الضفة الغربية والقدس تحت الأزمات والحروب"، أعدّتها الباحثة بثينة حمدان، وسلطت الضوء على مدى استعداد المؤسسات الثقافية الفلسطينية لمواكبة التحديات الرقمية في ظل الحروب والاضطرابات.
وشملت الدراسة (51) مؤسسة ثقافية وفنية تنشط في الضفة الغربية والقدس، وكشفت عن ملامح دقيقة لحالة الرقمنة في المشهد الثقافي الفلسطيني، حيث بيّنت تباينًا واضحًا بين وعي المؤسسات بأهمية التحول الرقمي، وبين ضعف الإمكانيات المادية والتقنية والبشرية المطلوبة لتنفيذه بفعالية. وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات قامت بتقديم تدريبات رقمية أو أطلقت مشاريع رقمية محدودة، إلا أن هذه المبادرات لا تزال متفرقة ولا تدار ضمن رؤية استراتيجية رقمية متكاملة، وهو ما يحدّ من قدرتها على الاستمرار والانتشار محليًا ودوليًا، ويقلل من فرص تعزيز الهوية الثقافية وتسويق الإنتاج الأدبي والفني، خاصة من حيث الأثر المادي المباشر على الفنانين والكتّاب.
وبحسب نتائج العينة، فإن 57% من هذه المؤسسات تأسست بعد عام 2000، في حين أن 43% تعود إلى ما قبله، بما فيها مؤسسات تعود جذورها إلى عشرينيات القرن الماضي، ما يعكس عمق التجربة الثقافية الفلسطينية، والحاجة الماسة لحمايتها في ظل التهديدات الرقمية. وتنوعت مجالات عمل هذه المؤسسات بين الفولكلور والتراث، الثقافة والأدب، الكتب والنشر، الفنون البصرية، المسرح، والموسيقى.
وأظهرت الدراسة أن 66% من المؤسسات قدّمت تدريبات للفنانين والكتّاب والحرفيين الذين تعمل معهم، بينما لم تقم ثلث المؤسسات بأي تدريب داخلي لموظفيها، ما يشير إلى غياب التوازن في تطوير الكوادر الإدارية والفنية، ويؤثر سلبًا على التكامل الرقمي في الأداء المؤسسي.
كما بيّنت النتائج أن 8% من المؤسسات لا تمتلك حواسيب أو اتصالًا بالإنترنت حتى الآن، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول كيفية إنجاز العمل الثقافي دون الحد الأدنى من الأدوات الرقمية. إلى جانب ذلك، فإن 55% فقط من المؤسسات تتلقى دعمًا فنيًا منتظمًا لأجهزتها، في حين أن حوالي نصف العينة تعتمد على أدوات رقمية تقليدية، وتتراجع نسبة استخدام البرمجيات إلى 21.6%، والتطبيقات إلى 15.7%.
وفي مؤشرات إضافية حول ضعف البنية الرقمية، أظهرت الدراسة أن 65% من المؤسسات لا تمتلك أي أنظمة لحماية البيانات، و70% لا تملك خوادم رقمية لتخزين بياناتها. أما الحوسبة السحابية، فتستخدمها فقط 31% من المؤسسات، بينما لا تملك منظومة رقمية متكاملة سوى 11.8%. وعلى الرغم من امتلاك 67% من المؤسسات لأنظمة تعافٍ من الكوارث، إلا أن الثلث تقريبًا لا يملك أي وسائل حماية رقمية، ما يعرّض بياناتهم لخطر الفقدان في حال الحروب أو الهجمات السيبرانية، وهو ما يتنافى مع المادة (9) من سياسة أمن المعلومات، التي تؤكد على ضرورة استخدام التخزين السحابي لضمان أمن وسرية البيانات.
ورغم أن 73% من المؤسسات تمتلك موقعًا إلكترونيًا، إلا أن 41% من هذه المواقع غير فعالة، فيما أطلقت 25.5% فقط مشاريع رقمية، وتستخدم 37.3% تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس ضعفًا كبيرًا في توظيف التكنولوجيا الحديثة في توثيق وتحليل وتصنيف وإنتاج المحتوى الثقافي.
وفيما يتعلق بالجاهزية للعمل في الأزمات، ترى نصف المؤسسات أنها قادرة على العمل عن بُعد، بينما النصف الآخر يتوزع بين غير قادر أو قادر جزئيًا، في حين أن 11% فقط يمكنها الاستمرار في العمل عن بعد لمدة عام، ما يكشف عن اعتماد معظم المؤسسات على أدوات محدودة لا تناسب الظروف الاستثنائية. كما أن 52.9% من المؤسسات لا تمتلك أي خطة رقمية بديلة، مما يعكس غياب التخطيط المسبق في مواجهة الأزمات، والاعتماد بدلًا من ذلك على ردود الفعل اللحظية.
أما أبرز التحديات التي تواجه التحول الرقمي، فقد توزعت بين نقص التمويل بنسبة 90.2%، وضعف البنية التحتية بنسبة 52.9%، ونقص الكوادر الرقمية بنسبة 43.1%، وضعف التفاعل الجماهيري والتسويق بنسبة 33.3%، إضافة إلى ضعف الوعي بأهمية الرقمنة بنسبة 25.5%، ووجود تحديات قانونية وتشريعية بنسبة 15.7%.
ورغم هذه المعيقات، أجمعت 90% من العينة على ضرورة إنشاء بوابة رقمية وطنية موحدة تجمع الفاعلين الثقافيين أفرادًا ومؤسسات، بما يسهم في حماية وتوثيق وترويج الإنتاج الثقافي الفلسطيني.
وفي خلاصة الدراسة، عبّر 94.1% من المشاركين عن قناعتهم بأن الرقمنة تُسهم بشكل مباشر في نشر الثقافة الفلسطينية وتعزيز تأثيرها محليًا ودوليًا، وهو ما يستدعي تحويل هذا الوعي إلى خطة استراتيجية رقمية شاملة، منسجمة مع التوجهات الوطنية الفلسطينية نحو التحول الرقمي، ومبنية على رؤية تعزز دور الثقافة كمسار للحماية، والوعي، والبناء، والصمود.



