الكاتبة : د.ايمان هريدي
في زمنٍ صار فيه الاغتراب قدرًا مفروضًا على كثير من أبناء مدينة البيرة، خرج البعض بحثًا عن حياةٍ أرحم، ولقمةٍ تسند صغارًا ما زالوا يحلمون.
كانت أمريكا آنذاك حلُم النجاة،
لكن فلسطين... كانت ولا تزال القبلة الأولى، والمهوى الأعمق للقلب.
واليوم، نعود لنفتح نافذةً على حكاية مغتربٍ من أبناء البيرة،
نروي سيرةَ من حمل المدينة في عينيه، وخلّد زقاق البلدة القديمة في ذاكرته،
إنه محمد عدنان مصعب… فتى الحلم الأبدي،
الذي أراد أن يكون أسطورة كرة القدم في البيرة،
لا لينال المجد،
بل ليقول للعالم:
"هنا وُلدت… وهنا يعود قلبي كلما ركضت خلف كرة أو حلم."
كان محمد عدنان فتى حالِمًا...
يحب الحياة كما يحب الطفلُ ركضته الأولى.
يصنع من قصاصات الورق طيّارةً ملوّنة،
يطلقها من فوق جبل الطويل في البيرة،
فتحلّقُ في السماء كأنها جناحُ أحلامه،
وتترك وراءها ذيلاً من الألوان…
تمامًا كما كان يترك في القلوب أثره.
كان يرسم على جدران الحارة القديمة صورة وطن،
وكلّما لمس قدَمه كرةً، ارتسمت فلسطين في الهواء.
كانت أقدامه ذهبية،
يراوغ بشراسة،
يدافع كمن يحرس باب المدينة،
وينقضُّ على خصمه كأَسدٍ لا يعرف التراجع.
لا أحد كان يسجّل هدفًا في وجوده.
وكان يشهد له في الملاعب… الخصم قبل الصديق، والجاني قبل القاضي.
ذاك الفتى لم يكن مدافعًا فقط،
كان سَدًّا من روح،
وأحد أبرز نجوم الدفاع في تاريخ مؤسسة شباب البيرة
في تسعينات الكرة الفلسطينية.
لم يكن لاعبًا عاديًا…
بل نُسخة لا تتكرّر.
كان يؤمن أن مؤسسة شباب البيرة ليست نادياً،
بل مصنعٌ يُنتج النجوم،
وكأرض تُنبت الموهبة مثلما تُنبت الزعتر في صباحات البيرة.
مدرسةٌ تُخرّج الموهوبين بصدق،
ونموذجٌ لفنّ اللعب الأنيق،
الذي يجمع بين المهارة، والوعي، والذكاء الحاد،
والتركيز الذي لا يهتزّ.
لا يتحدث الناس عن عدد الأهداف التي سجّلها، بل عن الأهداف التي منعها… ويشهد له في ذلك الجاني والقاضي في ملاعب التسعينيات.
لم يكن مجرد لاعب، بل أسطورة في مركز الدفاع، وركنٌ لا يُنسى من مؤسسة شباب البيرة، تلك المدرسة الكروية التي كان يؤمن بها كمصنعٍ للنجوم.
كان محمد يشبه إخوته،
أو لعلهم جميعًا كانوا يكتملون فيه…
فيه من يزن إصراره على الحياة، ذلك الإصرار الذي لا ينكسر، والذي يشبه العناد الجميل في وجه الريح.
ومن مازن ورث حُبّ الأرقام، جمعَ المعادلات كما يجمع الحالم شتاتَه، يبحث دومًا عن حلٍّ لكل مأزق، وعن مخرجٍ حتى في أصعب الزوايا.
أما نوفل، فقد ترك في قلب محمد بهجة اللون الأخضر، علّمه كيف يُحب الطبيعة، وكيف يحني رأسه احترامًا لعشبٍ صغير ينمو في ظلّ الجدار، وكيف تصبح مقصّة العشب أداة تأمل، لا مجرد عمل.
ومحمد... أرهقته الحياة، نعم، لكنها علّمته الكفاح، علّمته أن يسند قلبه كلما مال، وأن يمشي بثبات وإن اهتزّ العالم من حوله.
أما أدهم، الأخ الصغير، فكان فيه جذورٌ متينة، نصيبه من محمد… ذاك الانتماء العميق الذي يشبه جذر الزيتون، المتشبث بالأرض، حتى وإن غادرته الفصول.
المغترب الفلسطيني...
لم تُشغله الغربة، ولم تُغرقه مشاغل الحياة،
فهو يحمل وطنه في شرايينه، وفي لهجته، وفي حنينه الذي لا يفتر.
محمد، كغيره من أبناء البيرة، لم يهاجر هربًا، بل امتدادًا للحلم.
يُخبر العالم هناك عن وجعنا هنا، يروي لهم ما حلّ بأبناء شعبه،
لا بالخطب، بل بالحياة نفسها…
يتحدث بلهجته البيراوية الأصيلة،
في نبرة صوته رائحة الزعتر،
وفي مائدته طبخة من أمه،
وفي أعراس المغتربين، ينبعث صوت الدبكة،
وتهتف الأهازيج الفلسطينية من فمه كأنها لم تغادر البلاد يومًا.
يحلم محمد أن يكون ابنه حمزة فارسًا مغوارًا، يمضي بثقة، ولا يهاب السقوط.
وأن يصير مصعب طيارةً ورقية… تعانق السماء ولا تعترف بالحدود.
أما بناته... فلذات كبده وضياء قلبه، فيحلم أن ينسج لهن ثوبًا بيراويًا خالصًا، من خيوط الذهب، كأنّه قُبّة الصخرة… ثابت، مضيء، ومقدّس.
واليوم، يظل محمد عدنان ابو مصعب ابن البيرة البار…
رمزًا للعطاء، وصوتًا صادقًا في خدمة مدينته وشعبه،
يحمل أحلامهم في قلبه، ويحيا على نبض تطلعاتهم… كأنها دقّات قلبه هو.
هو لا يعيش في الغربة… بل يسكن حبّ الوطن.
مرتبطٌ بالمكان، بعلاقة عضوية، علاقة التحامٍ لا تُفكّ، عناقٍ أبديّ بين الإنسان والمدينة.
البيرة…
هي التي عانق فيها نور الحياة أول مرة، وهي التي لا تزال تضيء فيه… حتى في عتمة المسافات.
لم يغادر قلبه أزقتها، ولا كفّ عن تتبع أخبارها، يراقب تفاصيلها الصغيرة كأنها تفاصيل وجوه أحبائه.
ملعب الصبا، ضجيج السوق، رائحة الخبز… كلها لا تزال تسكنه.
هو يعيش الألم حين تتألم، والفرح حين تفرح،
ويُحوّل هاتفه الذكي إلى بساط ريح، ينقله في لحظة إلى هناك…
إلى حضن الوطن،
إلى البيرة التي لم يتركها يومًا، حتى وهو بعيد.
محليات



