القدس-تقرير : محمد زحايكة خاص ب"واثق نيوز"-من الصعب تمثل روحانية القدس دون الغوص في ثنايا زواياها ومقاماتها الدينية التي تتناثر بين ازقتها بمهابة وجلال وحنو على الانسان والمكان، ولن انسى ذلك اليوم الذي اصطحبت فيه احد المصورين الاجانب المدعو "اسياس بايتل" والذي كان يعمل لصالح وكالة الصحافة الفرنسية واحدى المجلات الفرنسية إلى الزاوية الأفغانية المجاورة للزاوية البخارية النقشبندية وجلسنا نستمع إلى الشيخ عبد الكريم الافغاني تلميذ شيخه الاكبر البغدادي الذي رحل عن دنيانا قبل حوالي عقدين من الزمن .
روحانيات..
كان درسا يفيض بالمعاني الروحية ويحث على التمسك بمكارم الاخلاق كما علمنا اياها الرسول الأكرم محمد بن عبدالله عليه افضل الصلوات والتسليم، وما أن ينتهي الدرس الديني مع حلول المساء حتى يهب جمع الحضور هبة رجل واحد في حلقة " الرقص الروحي" والابتهالات الدينية التي تأخذ بمجامع القلوب بما تمتاز به من أصوات شجية وانغام روحية كأنها تنتزع ارواحنا من أجسامنا وتحلق بنا في السموات العلية .. وأذكر ان المصور الأجنبي وهو من أصول سويدية فرنسية بدأ متأثرا بهذه الأجواء الروحانية حيث أعرب عن ارتياحه ، ووصف المشاعر التي غمرته بأنها غير مسبوقة وانها مست شغاف قلبه. وما زالت تعشش في ذاكرتي صورة صف الرجال في الحضرة الصوفية وهم يتمايلون ويصدحون بأصوات واناشيد جماعية تهز الوجدان ثم يطلقون عبارة " الله حي " قبل أن ينقضوا لثما على ظاهر يد شيخ الحضرة الافغاني، كنوع من التبرك والتكريم حسب قناعتهم.
المحبة.. جوهر الصوفية..
كما شهدت يوما احتفاليا آخر في نفس الزاوية خلال ساعات النهار كان حافلا بالطقوس الصوفية من ترديد الاناشيد الدينية الخاصة المعبرة عن جوهر الصوفية ودعوتها إلى المحبة و السلام والصفاء النفسي وتقديم الطعام الشهي لرواد المكان، وكذلك ما كانت تشهده شوارع القدس خارج الاسوار من مسيرات يتخذ جزء منها طابعا صوفيا من اناشيد وابتهالات دينية شجيه وقرع الصنوج النحاسية بطريقة متسارعة تخطف الأبصار وتحرك المشاعر وخلجات النفس الداخلية . كما لا ننسى المنشد صاحب الصوت الجميل ابو عمار سدر وهو يحيي امسيات المديح النبوي في أزقة العتيقة ويطلق العنان لصوته المؤثر الندي في باحات الاقصى او في الزوايا الصوفية والتجمعات المقدسية، فتتماوج هذه الابتهالات الندية إلى عنان السماء.
حلقات الذكر..
وعلى الصعيد الشخصي يقول امجد البخاري انه وهو طفل صغير في القدس العتيقة كان يتابع حلقات الذكر الصوفية في الزاوية النقشبندية البخارية وهي التي تقيم فيها عائلته وعدد من العائلات البخارية القادمة للقدس من مدن بخارى وسمرقند في جمهورية أوزبكستان حاليا، حيث كانت هذه الزوايا وجميعها ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك او قريبة منه، كيف كانت تستضيف الحجيج المسلمين القادمين من الهند وبخارى وأفغانستان ودول المغرب العربي، ليقيموا فيها أربعين يوما "مجاورين" للحرم الشريف ويحيون مع مشايخهم حلقات الذكر الصوفي، واستمر هذا النهج حتى وقوع مدينة القدس في العام 1967 تحت براثن الاحتلال ، وتوقفت تقريبا حلقات الذكر الصوفية الا في القليل من هذه الزوايا، واليوم الزاوية الأفغانية هي فقط من تحيي المناسبات الدينية وحلقات الذكر الأسبوعية.
نبض حياة..؟!
والزوايا الصوفية شكلت نبضا حيا في كتابات بعض الروائيين المقدسيين والفلسطينيين أمثال الكاتب عزام ابو السعود الذي روى جزءا من ذكريات عائلته بجوار الزاوية الصوفية " السعودية" نسبة الى آل ابو السعود وهم اخوال الرئيس الراحل ياسر عرفات الواقعة على مقربة من باب المغاربة المفضي إلى باحات المسجد الاقصى المبارك . ولا ننسى الصحفي والكاتب الفلسطيني حافظ البرغوثي من رام الله الذي استوحى روايته " الخواص" من ولي صوفي كان يقيم في زاوية صوفية له في واد القلع على تلة عالية في قرية كفر عين شمال رام الله كانت تستخدم كنقطة عسكرية لمراقبة جحافل الفرنجة الصليبيين الذين جاءوا لاحتلال المشرق في الغزوات الصليبية المتتالية والتي ركزت على فلسطين وبلاد الشام.
خلوة صلاح الدين..
وهنا نستذكر زاوية صلاح الدين او الخانقاة الصلاحية خلف كنيسة القيامة والتي كانت فيها شرفة تطل على الكنيسة يختلي فيها القائد المسلم صلاح الدين لبعض الوقت ،كانت تستخدم لمراقبة احتفالات المسيحيين في اعيادهم الدينية لمنع أية احتكاكات بين الطوائف المختلفة.
هوية مقدسية ..
الزوايا الصوفية في البلدة القديمة من القدس حالة خاصة من هوية القدس الروحية لأمة الإسلام، حيث تطالعنا الكثير من الزوايا الصوفية مثل الهندية والميلوية والشيخ ريحان والشيخ لؤلؤ في حارة السعدية المشرفة على المسجد الاقصى من الجهة الشمالية الغربية، وهي ذات طابع روحي خالص الا انها لم تغفل عن التفاعل مع شؤون الحياة اليومية لجمهور المسلمين وتقديم المساعدات العينية والمادية إلى الفقراء والمحتاجين وتنظيم الفعاليات ذات الطابع التطوعي الروحي والاحتفالي والتعليمي من حيث احياء المناسبات الدينية مثل المولد النبوي الشريف والاسراء والمعراج والهجرة الشريفة وكذلك توزيع الكتب الدينية المترجمة إلى لغات عالمية لاطلاع غير المسلمين على هوية الاسلام الدينية والحضارية كما هو حاصل في احدى المكتبات المجاورة للزاوية البخارية في طريق الآلام للسيد المسيح خلال رحلة العذاب التي مر بها على يد الرومان وخدامهم واتباعهم من اليهود في الزمن القديم الذين حرضوا على قتل وصلب المسيح كما في روايات الإنجيل المقدس.
المغاربة حاضرون..
وهنا في القدس التي ولدنا وعشنا وترعرنا فيها يضيف البخاري" نعتز ونفتخر دائما بالقادة العرب والمسلمين الفاتحين، ومنهم سيدي بومدين الغوث "ذو القبرين" وهو العالم المتصوف والقائد العسكري الذي شق طريقه من ولاية "بجاية" بالجزائر، الى القدس حيث التحق مع تلاميذه بجيش صلاح الدين الأيوبي، وحارب معهم ببسالة ضد الصليبيين في حطين، وما زالت زاويته صامدة وشامخة في القدس القديمة بجانب معراج رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وتفيدنا بعض المعلومات التاريخية بأن حائط البراق "وهو الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك هو ملك ووقف إسلامي للجزائر ، إذ يعود لعائلة العلاّمة الجزائري الشيخ، سيدي بومدين شعيب الغوث ، وهو جزء لا يتجزّأ من المسجد الأقصى. ويتابع البخاري في "مسجد المغاربة" او زاوية المغاربة حيث دفنت في الضريح "يد" سيدي ابو مدين الذي قدم من بجاية حيث قطعت يده الشريفة من ناحية الكتف في حروب صلاح الدين ضد الفرنجة قبل 900 عام عندما قدم مع جيش المجاهدين من المغرب، فيما دفن جسده الشريف في مكان آخر قريب . كما يمكن مشاهدة القدور النحاسية والباطية الخشب التي كانوا يجهزون فيها الطعام للحجيج القادمين من بلاد المغرب العربي الى القدس ويقيمون في الزاوية ويعودون لبلدهم منذ نحو 500 عام على هذا المنوال حتى وقوع القدس في اسر الاحتلال عام 1967.
الزوايا والمقامات الصوفية وهي كثيرة في قلب العتيقة، لم نتطرق سوى لبعضها، هي معالم مقدسية عريقة و دليل وشاهد ساطع على عروبة واسلامية القدس منذ الأزل والى الأبد.



