غزة - واثق نيوز- نجحت عائلة فلسطينية فرقتها الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة في إعادة لم شمل أفرادها هذا الشهر، وذلك بعدما خاضت الشقيقة الكبرى جهوداً استمرت قرابة عامين لنقل إخوتها من غزة والانضمام إليها في إسرائيل حيث تقيم.
كانت آخر مرة رأت فيها ميس الغرام أشقاءها السبعة في قطاع غزة، قبل شهرين فقط من اندلاع الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وذلك قبل أن تغادر القطاع الفلسطيني لتستقر في إسرائيل، وقبل أن تتسبب غارة جوية إسرائيلية لاحقاً بتدمير منزل العائلة، وتضع حداً لحياة والديها وشقيقها الأصغر.
لكن في هذا اليوم الذي طال انتظاره، وقفت ميس مترقبة أمام معبر "كرم أبو سالم"، وهي تحدق بعينيها في المكان بلهفة، أملاً في أن تلمح وجوهاً غابت عنها أعواماً، فيما كان أشقاؤها الناجون يعبرون البوابات خارجين من قطاع غزة.
تقول ميس البالغة من العمر 23 عاماً، وهي الكبرى بين ثمانية أبناء لأب من غزة وأم فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية: "لم نتوقف لحظة عن أن نكون عائلة واحدة، لكنني كنت أتساءل كل يوم عما إذا كنت سأراهم مجدداً".
لقاء لم شمل العائلة جاء أخيراً بعد مساعٍ قانونية طويلة قامت بها ميس بالتعاون مع فريق من المحامين لإخراج أشقائها من القطاع. وبعدما التقى الإخوة عند المعبر الحدودي انطلقوا معاً إلى مدينة الناصرة، حيث كان أفراد عائلة والدتهم يستقبلونهم بحرارة وعناق، وبتقديم طعام منزلي لهم.
حمل لقاء لم الشمل في طياته مزيجاً من الفرح والذهول الصامت. فعلى رغم جميع الصعاب، تمكنت ميس من أن تستحصل لأشقائها المولودين في غزة، الذين تتفاوت أعمارهم بين 8 و22 عاماً، على جوازات سفر إسرائيلية، ورتبت انتقالهم للإقامة معها في إسرائيل.
لكن في الوقت الذي وجد أفراد الأسرة الأحياء بعضهم بعضاً من جديد، فإنهم لن يتمكنوا أبداً من أن يستعيدوا ما فقدوه.
ويقول فرج الغرام جد هذه الأسرة لجهة الأم، في معرض تعليقه على وصول أحفاده: "إن الأمر يشبه العودة من القبر.. ففي غزة، أصبحت حياة الإنسان بلا قيمة".
مئات العائلات الفلسطينية مقسمة بين إسرائيل وغزة
بدأت قصة هذه العائلة عام 2002، عندما كان مراد الغرام - وهو من أبناء قطاع غزة - يعمل في مجال البناء داخل إسرائيل بتصريح عمل مؤقت. هناك تعرف إلى أمل كريم - وهي فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية وتقيم في مدينة الناصرة - قبل أن يتزوجا ويُرزقا بابنتهما البكر التي سمياها ميس.
يُشار إلى أنه قبل عقود من الزمن، كانت مثل هذه الزيجات شائعة بين الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل، إلا أن انتفاضتين فلسطينيتين ضد إسرائيل وإجراءات رد إسرائيلية لاحقة، تسببت بعزل الأراضي الفلسطينية وإغلاقها إلى حد كبير.
وبدأت قصة لقاء مراد وأمل في ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ومع تصاعد أعمال العنف فرضت إسرائيل قيوداً مشددة على إصدار تصاريح العمل الخاصة بالفلسطينيين، مما هدد وضع مراد القانوني في إسرائيل.
حينها قرر الزوجان الانتقال للعيش في غزة بشكل دائم، واستقرا مع ابنتهما ميس في "مخيم النصيرات" للاجئين وسط القطاع. عمل مراد سائق سيارة أجرة، ورُزق الزوجان بعدها بسبعة أبناء آخرين هم: زهور (22 عاماً)، وجواهر (21 عاماً)، وصابرين (20 عاماً)، وغفران (17 عاماً)، وفادي (16 عاماً)، وميسرة (11 عاماً)، وأرجوان (8 أعوام).
وتقول زهور الابنة الثانية مستذكرةً تلك الأيام: "عشنا هنا أسرة واحدة... ولم يكن ينقصنا أي شيء".
ميس الغرام (الثانية من اليمين) تلتقط صورة تذكارية مع أشقائها الستة الآتين من قطاع غزة، بعدما حصلوا على جوازات سفر إسرائيلية، في منزلها في الناصرة، الأربعاء 8 يوليو 2026 (أ ب)
إلا أنه في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 تغير كل شيء. فبعد الهجوم الذي شنه مسلحون بقيادة حركة "حماس" من غزة على جنوب إسرائيل وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، واحتجاز 251 رهينة، وجدت عائلة الغرام نفسها من بين أكثر من 300 "عائلة مقسمة" فلسطينية - وفق تقديرات منظمات حقوق الإنسان - على جانبي الحدود بين غزة وإسرائيل.
ومع إطلاق إسرائيل عمليتها العسكرية رداً على الهجوم، واستعدادها لشن اجتياح بري واسع النطاق، وجدت العائلة نفسها أمام قرار مصيري بشأن ما ينبغي فعله.
كانت ميس قد عادت بالفعل إلى الناصرة، حيث حصلت على وظيفة وتزوجت هناك. وبينما كان يحق للأطفال السبعة الذين وُلدوا في غزة التقدم بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية عبر والدتهم، لم يكن والدهم يملك أي خيار مماثل.
فالقانون الإسرائيلي يحظر، في العموم، على الأزواج الفلسطينيين للمواطنين الإسرائيليين الحصول على وضع الإقامة الدائمة. وكان ذلك يعني أنه إذا قرر بقية أفراد الأسرة المغادرة، فسيتعيّن عليه البقاء خلفهم.
وقالت زهور: "اتفقنا على أن نغادر جميعاً معاً أو نبقى جميعاً معاً".
وهكذا، استعدت الأسرة لمواجهة الحرب.
أما ميس التي تقيم على بعد نحو 160 كيلومتراً (100 ميل)، فكانت تنتظر بصبر نافد معرفة أي أخبار عن أفراد أسرتها، وقد كانت شحيحة للغاية، خصوصاً بعدما قطعت إسرائيل الكهرباء وشبكات الاتصالات والإنترنت عن قطاع غزة.
وخلال النصف الأول من عام 2024، اضطُرت عائلة الغرام للنزوح سبع مرات على الأقل، لينتهي بها المطاف في مدينة رفح جنوب القطاع، قبل أن تتعرض هذه المنطقة لاجتياح من القوات الإسرائيلية.
وفي النهاية، عادت العائلة إلى "مخيم النصيرات" الذي يبعد نحو 10 كيلومترات عن مدينة غزة لجهة الجنوب، واستقرت مجدداً في المنزل الذي نشأ فيه الأبناء، وذلك على رغم أن المنطقة كانت تتعرض باستمرار لغارات إسرائيلية استهدفت مدارسها ومبانيها السكنية، بسبب ما قالت إسرائيل عن أن حركة "حماس" كانت تستخدمها.
في الساعة السادسة صباحاً من يوم 10 يوليو (تموز) عام 2024، تعرض المنزل لغارة جوية عنيفة أدت إلى انهيار جدرانه وسقوط أجزاء من السقف فوق أفراد الأسرة. وقد تمكن الأشقاء من الخروج إلى الشارع وهم في حالة من الذهول وجروحهم تنزف، وكانوا يصرخون طلباً للنجدة.
وتقول جواهر الابنة الثالثة إنها كانت في حالة صدمة شديدة إلى درجة أنها لم تشعر بكسور أصابت ساقها وأصابع يديها.
تم وضع الجميع في سيارات ونقلوا على عجل إلى "مستشفى شهداء الأقصى" في مدينة دير البلح، حيث ما لبث الأطباء الذين تولوا معالجتهم أن أعلنوا وفاة الوالدة والوالد والشقيق الأصغر ميسرة.
وتقول صابرين الابنة الرابعة: "فجأة وقع العبء كله على عاتقنا".
منذ تلك اللحظة، تقاسم الأشقاء مسؤوليات الحياة اليومية. كانوا يطبخون وينظفون ويجمعون الحطب لغلي الماء والتدفئة، وقد افتتحوا مخبزاً صغيراً في حيهم ساعدهم على تأمين دخل لهم، إلى جانب الاعتماد على مساعدات خيرية وأموال كان يرسلها لهم أقاربهم من الناصرة.
ويقول شقيقهم فادي: "اضطر، كل فرد منا، للقيام بدور لم يكن في الأساس دوره".
تجدر الإشارة هنا إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يرد على طلب وجهناه إليه للتعليق على الغارة التي استهدفت منزل الأسرة.
وفي الوقت الذي كان فيه الأشقاء يحاولون البقاء على قيد الحياة في غزة، بدأت ميس تحركاً مكثفاً في إسرائيل لإنقاذهم، مع تدهور الأوضاع في القطاع بوتيرة متزايدة.
ففي يوم الغارة نفسها، تواصلت الشقيقة الكبرى مع منظمة "هاموكيد" HaMoked وهي مؤسسة حقوقية إسرائيلية، وبدأت الإجراءات القانونية اللازمة لجمع شمل الأسرة وجلب أشقائها إلى الناصرة. وشرع المحامون في إعداد رسائل رسمية موجهة إلى وزارة الداخلية الإسرائيلية وإلى "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية" (كوغات) COGAT، وهو الجهاز العسكري المسؤول عن إدارة المعابر والشؤون الإنسانية في غزة.
وتقول ميس في وصف اللحظة التي علمت خلالها بوفاة والديها وشقيقها الأصغر: "كانت أكبر صدمة تعرضتُ لها في حياتي".
في تلك المرحلة، كان لم شمل الأسرة شبه مستحيل. إذ كانت ميس تحتاج لتصاريح تسمح لأشقائها بدخول إسرائيل، وكذلك لقرار قضائي يعين أختها زهور - وهي أكبر الأشقاء الموجودين في غزة - وصية قانونية على الأطفال القاصرين، إضافةً إلى موافقة السلطات الإسرائيلية على ستة طلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية.
وبحسب منظمة "هموكيد"، فإن وزارة الداخلية الإسرائيلية رفضت في البداية طلب تطبيق إجراءات لم شمل "عائلة مقسمة" لجمع أفراد أسرة الغرام، بحجة أن الأم - وهي صاحبة الحق الذي يستند إليه الطلب - قد توفيت.
ولإثبات صلة القرابة بين ميس وأشقائها، اضطُر أفراد العائلة لإجراء فحوص "الحمض النووي" (دي إن آي)، وبعد ظهور النتائج كان على الأشقاء التوجه مرة أخرى إلى معبر "كرم أبو سالم" لاستكمال إجراءات توقيع الوثائق الخاصة بجوازات سفرهم الإسرائيلية.
أخيراً، وصل الجميع إلى إسرائيل في الثامن من يوليو (تموز)، بعد قرابة عامين من الغارة التي دمرت منزل العائلة.
الرحلة التي استغرقت قرابة نصف يوم، نقلت الأشقاء من بين ركام غزة إلى الحقول المروية والمدن الحديثة. ولدى وصولهم، لم يتحدثوا سوى عن آمال بسيطة وعادية مثل قضاء الوقت مع الأقارب، والذهاب إلى المدرسة، ومراجعة الأطباء. وقالوا إنهم حققوا أولويتهم القصوى، وهي إعادة الشمل.
وتختصر جواهر ذلك بالقول إن "العائلة هي أهم شيء في الحياة".

