رام الله-بيروت-واثق نيوز-خاص -اعداد : المهندس / رائد مهنا
شهد لبنان مرحلة مفصلية مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، لكن الوضع الراهن في البلاد ما زال يحمل آثاراً مدمِّرة على المستوى السياسي والاقتصادي والإنساني، مع استمرار خروقات أحادية وغارات متقطِّعة على مناطق جنوبية وحدودية، ما يعوِّق التعافي الحقيقي ويُبقي المجتمع اللبناني في حالة هشاشة ممتدة. ورغم توقُّف الاحتكاك العسكري العلني الكبير، فإنَّ حركة النازحين عادت بجزئيتها، إذ تنتشر عائلات في الضاحية الجنوبية لبيروت وقُرى الجنوب والبقاع، لكنّ عدداً لا يزال مُهَجَّراً جزئياً أو كلياً، ما يشكِّل ضغطاً على الخدمات الصحية والبنية التحتية المدمَّرة أساساً.
وما زالت الأزمة الإنسانية في لبنان قائمة بعد نحو عامين من التصعيد، إذ تشير تقارير منظمات إنسانية إلى أنَّ عشرات الآلاف من الأشخاص لا يزالون مهجرين أو يعيشون في مبانٍ غير مكتملة الإعمار، مع نقص في المأوى الكافي وخدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء. وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى تدني مستويات المعيشة ( السكن , الكهرباء ، المياه) متعدد الأبعاد يرتفع بين السكان، ويُضاف إلى ذلك ضغط استقبال اللاجئين السوريين والفلسطينيين، ما يزيد من توتر الموارد والخدمات الأساسية في المناطق المنكوبة.
التحديات الصحية ..
على مستوى القطاع الصحي، يُعدّ التصعيد العسكري الأخير واحداً من أشد الصراعات تدميراً لشبكة الرعاية الصحية المدنية في لبنان، حيث توقفت عشرات المستشفيات إما كلياً أو جزئياً، وتضررت عشرات المنشآت الأولية، وارتفع عدد العاملين في القطاع الصحي والمسعفين الذين قُتلوا أو أُصيبوا إلى عشرات القتلى والمرضى. ويواجه النظام الصحي وضعية ضغط شديدة تتمثل في نقص الأدوية، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وتفاقم الاكتظاظ في المراكز التي ما زالت تعمل، ما يجعل الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية، خصوصاً للنازحين والسكان في المناطق الجنوبية والحدودية، أكثر صعوبة وخطورة.
بهذا الشكل، لا يرتبط تعافُي لبنان بوقف إطلاق النار في الجانب العسكري وحسب، بل يتأتّى من تذليل عوائق بناءة تشمل إعادة الإعمار، وترميم المنظومة الصحية، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني والطبي، أمورٌ تشكل إطاراً لاستقرار ديموغرافي واجتماعي مستدام في بلد يعاني من أزمات متراكمة منذ سنوات.
انهيار النظام الصحي ..
يواجه النظام الصحي اللبناني، الذي كان يوماً ما رائداً في المنطقة، تحديات غير مسبوقة تهدد بانهياره التام. ففي ظل أزمة اقتصادية خانقة وتداعيات الضربات الجوية العنيفة التي وُصفت بـ "زنار النار"، اذ تعرضت البنية التحتية الصحية لدمار واسع، مما أدى إلى شلل شبه كامل في قدرته على تقديم الخدمات الأساسية المنقذة للحياة للمواطنين.
|
المؤشر الصحي |
الإحصائيات المحدثة (مايو 2026) |
|
عدد الشهداء |
تجاوز 2,700 شهيد |
|
عدد الجرحى |
تجاوز 8,300 جريح |
|
المستشفيات الخارجة عن الخدمة |
15 مستشفى (كلياً أو جزئياً) |
|
الكوادر الطبية المستهدفة |
مقتل أكثر من 226 عاملاً صحياً ومريضاً |
|
سيارات الإسعاف المستهدفة |
أكثر من 83 سيارة إسعاف |
وقد أدت هذه الهجمات الممنهجة إلى تفاقم النقص الحاد في الأدوية الأساسية والمنقذة للحياة، ومستلزمات الأمراض المزمنة، والمعدات الطبية الضرورية. تعجز الحكومة اللبنانية عن توفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد هذه الاحتياجات الحيوية، مما أدى إلى انخفاض مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية في مخازن وزارة الصحة إلى أقل من 50%. هذا الوضع يمثل تهديداً وجودياً لحياة مئات الآلاف من المرضى، وخاصة أولئك الذين يعتمدون على الرعاية الحرجة في أقسام العناية المركزة وغسيل الكلى.
مأساة النزوح والمعاناة الإنسانية ..
تتفاقم المعاناة الإنسانية للسكان بشكل دراماتيكي، حيث تشير التقديرات إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص داخلياً، يعيش الكثير منهم في ظروف قاسية داخل مراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. ومع حلول فصل الشتاء، تزداد الحاجة الملحة للمأوى الآمن، ووسائل التدفئة، والغذاء، والمياه النظيفة. كما سجلت المعابر الحدودية عبور أكثر من 557 ألف شخص نحو سوريا، غالبيتهم العظمى (80%) من النساء والأطفال، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يواجهها الشعب اللبناني.
"إن استهداف المرافق الصحية وحرمان المدنيين من الرعاية المنقذة للحياة يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويضع النظام الصحي اللبناني على حافة الانهيار الكامل، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً."
دعوة عاجلة للتحرك الدولي ..
بعد عقود من الريادة والتميز في المجال الطبي، يجد لبنان نفسه اليوم على شفا كارثة صحية وإنسانية شاملة. إن استمرار هذا الوضع المتردي دون تدخل دولي عاجل لإنقاذ القطاع الصحي وتوفير الإمدادات الطبية الضرورية سيؤدي إلى تداعيات لا يمكن احتواؤها. يتطلب الأمر استجابة فورية ومنسقة من مؤسسات المجتمع المدني، والحكومة اللبنانية، والمجتمع الدولي بأسره، لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان والنازحين، والحفاظ على ما تبقى من قدرات طبية في البلاد، وتجنب انهيار إنساني وشيك.



