الكاتبة : فداء البرغوثي
في العالم الطبيعي، يتعلم الطفل أن الحياة مكان يمكن الوثوق به. وهذه ليست فكرة بسيطة كما تبدو، بل هي أساس التكوين النفسي للإنسان كله. علماء النفس، منذ جون بولبي وحتى دونالد وينيكوت، تحدثوا عن حاجة الطفل إلى "الأمان الأول"، ذلك الشعور العميق بأن العالم مستقر بما يكفي كي ينام الطفل دون خوف، ويلعب دون مراقبة مستمرة، ويحلم دون أن يضع احتمالات النجاة داخل أحلامه. الطفل الذي يكبر في بيئة آمنة لا يفكر في الأمان لأنه يتنفسه يوميا، تماما كما لا يفكر الإنسان بالهواء إلا حين يختنق. لذلك، تبدو طفولة كثير من أطفال العالم خفيفة، واسعة، وممتدة. الزمن فيها بطيء بما يكفي كي يتعلم الطفل السقوط التدريجي في الحياة: يخاف من الامتحان، ثم من الحب الأول، ثم من الفشل، ثم من المستقبل. أما أطفال فلسطين، فكثيرا ما يدخلون إلى الحياة من باب مختلف تماما؛ يدخلون إليها من باب الوعي المبكر بأن الأشياء قابلة للفقد، وأن العالم ليس مستقرا كما يبدو، وأن البيت نفسه قد يتحول من مساحة للحماية إلى شيء يحتاج الحماية.
لهذا، حين نتخيل أطفال فلسطين كما يستحقون أن يكبروا، فنحن لا نتخيل فقط أطفالا يذهبون إلى المدرسة ويلعبون كرة القدم ويأكلون المثلجات قرب البحر. نحن نتخيل بنية نفسية مختلفة تماما للإنسان الفلسطيني. نتخيل طفلا لا يراقب وجه أمه ليفهم مستوى الخطر، ولا ينتبه إلى نبرة الأخبار في الغرفة المجاورة، ولا يتعلم قراءة القلق من حركة الأيدي وصمت الكبار. ففي علم نفس الطفولة، الطفل يبني فهمه للعالم من انعكاس العالم في عيون والديه. إذا كانت الأم مطمئنة، يصبح العالم قابلا للثقة. وإذا كانت خائفة باستمرار، يتسرب الخوف إلى روح الطفل حتى لو لم يفهم أسبابه بعد. لذلك تبدو الأمهات الفلسطينيات، في كثير من الأحيان، وكأنهن يحملن عبئا مزدوجا: حماية الأبناء من الخطر، وحمايتهم أيضا من معرفة حجم هذا الخطر. الأم هنا لا تطهو فقط، ولا ترتب الملابس فقط، بل تدير توازن البيت النفسي كله. تحاول أن تجعل الصباح عاديا مهما كان الليل ثقيلا، وأن تجعل الطفل يذهب إلى المدرسة وكأن العالم ما زال يحتفظ بشيء من منطقه.
وفي المقابل، لو كبر أطفال فلسطين كما يستحقون، لكان الفلسطيني يعرف بلاده بالطريقة التي يعرف بها البشر أوطانهم عادة: من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الانتماء الهادئ. كان الطفل سيعرف غزة من رائحة الملح على جلده بعد السباحة، والقدس من ازدحام الأسواق ورائحة الكعك، ونابلس من الصابون والجبال، وجنين من الحقول، والخليل من العنب والجلد، وبيت لحم من الأجراس والسياح والضوء الشتوي. كان سيحفظ المدن كأماكن للحياة، لا كأماكن مشبعة بالقلق الجمعي. لأن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، بل يعيد تشكيل المعنى النفسي للمكان. المكان الذي من المفترض أن يكون امتدادا طبيعيا لطفولة الإنسان، يتحول إلى مساحة يقظة دائمة. وحتى اللغة نفسها تتغير. كلمات مثل “حاجز”، “اقتحام”، “نزوح”، “تصريح”، تدخل إلى قاموس الطفل قبل كلمات كثيرة كان من حقها أن تأتي أولا: مغامرة، رحلة، مخيم صيفي، هواية، مستقبل.
هنا تصبح الأسئلة أعمق من أن تختصرها السياسة، لأنها تقترب من جوهر الإنسان نفسه. ماذا يحدث لإنسان يبدأ حياته وهو يتعلم الحذر أكثر من الفضول؟ جان بياجيه، الذي درس تطور الإدراك عند الأطفال، رأى أن الطفل بطبيعته كائن مستكشف، يبني فهمه للعالم عبر التجربة واللعب والدهشة. لكن الطفولة تحت الخوف تعيد ترتيب الأولويات النفسية. يصبح الانتباه آلية بقاء، ويصبح الطفل أكثر حساسية للأصوات، ولتقلبات المزاج، وللتغييرات المفاجئة في البيئة المحيطة. لهذا يبدو بعض أطفال فلسطين أكبر من أعمارهم بطريقة محزنة. ليس لأنهم أكثر نضجا بالضرورة، بل لأنهم اضطروا إلى تطوير أجهزة إنذار داخلية مبكرة. الطفل الذي يفترض أن ينشغل بتجميع الألعاب، ينشغل أحيانا بمحاولة فهم مزاج البيت، أو تقدير إن كان اليوم عاديا أم لا.
ومع ذلك، تكمن المفارقة الإنسانية المدهشة هنا: أن الفلسطينيين، رغم كل هذا الثقل، ما زالوا يحاولون حماية " الحياة اليومية". وهذه ربما واحدة من أكثر أشكال المقاومة عمقا. حين تصر أم على كي الزي المدرسي، فهي لا تقوم بتفصيل منزلي بسيط؛ هي تدافع عن فكرة المستقبل نفسها. وحين يزرع أب شجرة زيتون، فهو لا يزرع شجرة فقط، بل يزرع زمنا قادما يتخيل نفسه موجودا فيه. وحين يصر الطفل على لعب كرة القدم في زقاق ضيق، فهو يعيد تعريف المكان كمساحة حياة، لا كمساحة خوف فقط. هنا نفهم ما قصده وينيكوت حين تحدث عن اللعب بوصفه فعلا جوهريا في بناء الذات الإنسانية. فاللعب عند الأطفال، هو الطريقة التي يختبرون بها حريتهم الداخلية. ولذلك يبدو مشهد طفل فلسطيني يضحك وسط كل هذا الثقل مشهدا فلسفيا أكثر منه عاديا؛ كأن الروح البشرية تعلن أنها ما زالت قادرة على إنتاج الحياة حتى في أقسى الظروف.
ولو كبر أطفال فلسطين كما يستحقون، لكان العالم عرفهم بطريقة مختلفة تماما. كان سيعرفهم من الموسيقى أكثر من الأخبار، ومن الكتب أكثر من صور الحرب، ومن اختراعاتهم أكثر من عدد الضحايا. لكن المأساة الأعمق أن أطفال فلسطين، حتى وهم يحملون كل هذا العبء النفسي والتاريخي، ما زالوا يحتفظون بشيء نادر جدا: القدرة على الحلم. والطفل الذي يحلم، رغم كل شي، يفعل ذلك كمن يمارس حقه الإنساني الأخير في تخيل حياة تستحق أن تعاش.



