الكاتب : الدكتور رائد ناجي
ليست النكبة الفلسطينية مجرد حدث تاريخي وقع عام 1948، ولا مجرد تهجير قسري لشعب اقتلع من أرضه؛ بل هي واحدة من أكثر القضايا التي كشفت قوة الإعلام في تشكيل الوعي، وصناعة الرواية، وإدارة الذاكرة الجماعية عبر الشاشة. فكل حرب تنتهي غالبا بتوقيع سياسي، أما النكبة فقد بقيت مفتوحة لأنها انتقلت من الجغرافيا إلى الصورة، ومن الأرض إلى البث المباشر، ومن الذاكرة الشعبية إلى الفضاء الإعلامي العالمي.
لقد أدرك المشروع الصهيوني مبكرا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الكاميرا أيضا. فالسيطرة على الرواية تعني السيطرة على الإدراك العالمي. ولهذا لم يكن الاحتلال مجرد احتلال عسكري، بل كان أيضا احتلالا للسردية. جرى تصوير الفلسطيني، لعقود طويلة، بوصفه "الغائب"، أو "اللاجئ المجهول"، بينما قُدمت الحركة الصهيونية باعتبارها "مشروعا حداثيا" يبحث عن وطن. وهنا تكمن أخطر وظائف الإعلام: ليس الكذب المباشر دائما، بل اختيار الزاوية التي يُرى منها الحدث.
في بدايات النكبة، كانت الصورة محدودة، والكاميرا خاضعة إلى حد بعيد للهيمنة الغربية. ولذلك خرج الفلسطيني من المشهد بوصفه رقما إنسانيا لا قضية سياسية. كانت الخيام تُعرض، لكن أسباب الخيام تُخفى. وكانت دموع النساء تُبث، لكن صوت الضحية الحقيقي يُختزل في البعد الإنساني المجرد، لا في البعد التحرري والحقوقي. وهكذا جرى تفريغ النكبة من سياقها السياسي وتحويلها إلى "أزمة لاجئين" بدلا من كونها جريمة اقتلاع تاريخية.
ومع تطور الإعلام الفضائي، بدأت المعادلة تتغير تدريجيا. ظهرت الشاشات العربية العابرة للحدود، وانتقلت فلسطين من هامش الخبر إلى مركز البث. صار الطفل الفلسطيني، بحجره البسيط، يهزم خطابا إعلاميا كاملا؛ لأن الصورة الحية تمتلك قدرة على اختراق اللغة السياسية الجامدة. هنا بدأت إسرائيل تخسر جزءا من احتكار الرواية، لا بسبب تغير موازين القوة العسكرية، بل بسبب تغير طبيعة الصورة.
إن الشاشة الحديثة لا تنقل الحدث فقط، بل تعيد تشكيله نفسيا. فحين يرى العالم أما تحمل أشلاء طفلها في غزة، أو شيخا يعود إلى ركام منزله في مخيم جنين، فإن المشهد يتحول إلى قوة أخلاقية عابرة للغات. ولهذا تخشى إسرائيل الكاميرا أكثر مما تخشى أحيانا البيانات السياسية؛ لأن الصورة لا تحتاج إلى مترجم، ولأن الدم حين يظهر على الهواء مباشرة يربك ماكينة التبرير.
لكن القراءة الإعلامية للنکبة لا تكتمل دون فهم الحرب الرقمية الجديدة. فاليوم لم تعد المعركة في القنوات الفضائية وحدها، بل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كل فلسطيني يحمل هاتفا قادرا على أن يكون وكالة أنباء متنقلة. هذه النقلة كسرت جزءا كبيرا من مركزية الإعلام التقليدي. لم تعد الرواية تمر فقط عبر المؤسسات الكبرى، بل عبر بث مباشر من تحت القصف، أو صورة يلتقطها طفل من نافذة مدمرة.
ومع ذلك، فإن الفضاء الرقمي نفسه ليس بريئا. فخوارزميات المنصات الكبرى تمارس شكلا جديدا من السيطرة الناعمة. هناك محتوى يُرفع، وآخر يُحجب. هناك صور تنتشر بسرعة، وأخرى تُدفن داخل العتمة الرقمية. ولذلك أصبحت النكبة الحديثة تخوض معركتين متزامنتين: معركة البقاء على الأرض، ومعركة الظهور على الشاشة.
ومن أخطر ما فعلته الصورة المعاصرة أنها أزالت المسافة بين المتلقي والمجزرة. في الماضي كان الخبر يصل متأخرا، أما اليوم فالموت يُبث مباشرة. وهذا البث الفوري خلق وعيا عالميا جديدا بالقضية الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه خلق نوعا من "التطبيع البصري" مع الألم؛ إذ إن التكرار المستمر للمشاهد الدموية قد يؤدي إلى اعتياد المشاهد على المأساة، وتحويل الدم إلى مادة استهلاكية عابرة في زحام الأخبار.
لهذا فإن الإعلام الفلسطيني والعربي يواجه تحديا عميقا: كيف يحافظ على إنسانية القضية دون أن يحولها إلى مشهد يومي فاقد للتأثير؟ وكيف يقدم الفلسطيني بوصفه إنسانا حيا يقاوم ويبدع ويعيش، لا مجرد ضحية دائمة تحت الركام؟
إن النكبة، في معناها الإعلامي، لم تعد ذكرى سنوية، بل حالة بث مستمر. إنها قصة شعب يحاول أن يمنع العالم من نسيانه. وكل صورة لطفل يرفع علم فلسطين، وكل عجوز يحتفظ بمفتاح بيته القديم، وكل أم تروي حكاية التهجير أمام الكاميرا، ليست مجرد لقطات عاطفية؛ بل أدوات مقاومة ضد محو الذاكرة.
وهكذا، فإن أخطر ما في النكبة ليس فقط ما حدث عام 1948، بل إمكانية أن تتحول المأساة مع الزمن إلى أرشيف صامت. ومن هنا تصبح الشاشة ساحة وجود: إما أن تُروى الحكاية الفلسطينية بوعي وقوة وعمق، وإما أن يكتبها الآخر بلغته وزواياه ومصالحه.



