الكاتب : د. سليمان جرادات
جاءت نتائج انتخابات حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في هذه المرحلة الدقيقة لتؤكد أن الحركة ما زالت تمتلك القدرة على تجديد ذاتها وإعادة إنتاج أدواتها السياسية والتنظيمية ضمن إطار من الشرعية الديمقراطية والحراك الداخلي المسؤول، بما يعكس حيوية التجربة الفتحاوية وقدرتها على التكيف مع التحولات الوطنية والإقليمية والدولية دون التفريط بثوابتها التاريخية ودورها المركزي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد حملت الانتخابات في مضمونها رسالة سياسية وتنظيمية تتجاوز مجرد التنافس على المواقع، لتؤكد أن حركة فتح ما زالت ترى في التجديد ضرورة وطنية وتنظيمية، وليس مجرد خيار مرحلي. فالحركات الوطنية التي تتوقف عن التجدد تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، بينما أثبتت فتح أن ضخ دماء جديدة في مؤسساتها القيادية يمثل استثماراً في المستقبل، ويعكس رغبة حقيقية في تعزيز حضور الكفاءات والخبرات القادرة على مواكبة تعقيدات المرحلة المقبلة.
وفي الوقت ذاته، فإن هذا التجديد لم يأت على حساب الخبرة التاريخية أو الرمزية النضالية، بل جاء في إطار حالة من التوازن بين التراكم التنظيمي وضرورة التطوير، الأمر الذي يعزز من استقرار الحركة ويحافظ على هويتها الوطنية الجامعة ، وهنا تبرز أهمية وجود الرئيس محمود عباس باعتباره ضمانة للاستقرار السياسي والتنظيمي، وبيتا جامعاً للحركة وللنظام السياسي الفلسطيني في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني، خصوصاً في ظل محاولات فرض وقائع سياسية وميدانية تستهدف القضية الوطنية ومؤسساتها الشرعية.
إن الشرعية التنظيمية التي أفرزتها الانتخابات تمنح الحركة مساحة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية وتعزيز ثقة كوادرها وجمهورها، كما تمنحها قدرة أكبر على تطوير برنامجها السياسي والتنظيمي بما ينسجم مع المتغيرات الراهنة ، فالمطلوب اليوم ليس فقط تجديد الأسماء، بل تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي، وتعزيز ثقافة المؤسسة، والانفتاح على الطاقات الشابة والكفاءات الوطنية والأكاديمية والنقابية والاجتماعية القادرة على الإسهام في بناء مرحلة أكثر حضوراً وتأثيراً.
أن نتائج الانتخابات تعيد التأكيد على أن قوة حركة فتح لا تكمن فقط في تاريخها النضالي، بل أيضاً في قدرتها على الحفاظ على التوازن الوطني في علاقتها مع مختلف القوى والأحزاب الفلسطينية ، فالحركة، بحكم موقعها ودورها التاريخي، مطالبة دوماً بتعزيز مناخ الشراكة الوطنية والحوار السياسي، والعمل على حماية الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها حجر الأساس في مواجهة التحديات التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع الارتقاء فوق الاعتبارات الشخصية أو الاصطفافات الضيقة، والتعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها محطة لتعزيز البيت الفتحاوي الداخلي وترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة ، فالحركة التي استطاعت عبر تاريخها الطويل أن تتجاوز محطات أكثر تعقيداً، قادرة اليوم أيضاً على تحويل هذا الاستحقاق التنظيمي إلى فرصة لإعادة الحيوية للمؤسسة الحركية، وتعزيز حضورها الشعبي والسياسي، وتجديد خطابها الوطني بما يواكب تطلعات الأجيال الفلسطينية الجديدة.
ولا يمكن إغفال أن نجاح أي عملية تنظيمية داخل فتح ينعكس بصورة مباشرة على المشهد الفلسطيني العام، بحكم مكانة الحركة في النظام السياسي الفلسطيني ودورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني ، لذلك فإن تعزيز الاستقرار الداخلي للحركة وتطوير أدائها السياسي والتنظيمي يساهم في حماية الشرعية الوطنية الفلسطينية، ويعزز قدرة النظام السياسي على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وفي مقدمتها محاولات تكريس الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع داخل الحركة وخارجها إدراك أن المعركة الأساسية تبقى مع الاحتلال وسياساته، وأن أي نجاح تنظيمي يجب أن يتحول إلى طاقة وطنية تدفع نحو تعزيز صمود شعبنا، واستعادة الوحدة الوطنية، وتطوير أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والشعبي، بما يحفظ مكانة القضية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى حركة فتح أمام مسؤولية تاريخية تتطلب الجمع بين التجديد والاستقرار، وبين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، وبين الانفتاح على المستقبل والحفاظ على إرث الحركة وتاريخها النضالي الطويل، بما يضمن استمرارها كحركة تحرر وطني قادرة على قيادة المرحلة وحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية



