لقد واجهت الحركة تحديات هائلة؛ من محاولات التصفية العسكرية والسياسية، إلى الانقسامات الداخلية، مروراً بتحولات الإقليم والعالم، وصولاً إلى الحرب المفتوحة التي تستهدف القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني ذاته. ومع ذلك، بقيت “فتح” قادرة على إعادة إنتاج ذاتها، لأنها قامت منذ البداية على فكرة وطنية واسعة تتجاوز الفئوية الضيقة، وتستند إلى مفهوم الشراكة الوطنية والانفتاح على مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
الفيلسوف الألماني كارل ماركس تحدث عن أن “الأفكار تصبح قوة مادية عندما تتبناها الجماهير”، وهذه المقولة تنطبق إلى حد بعيد على تجربة “فتح”، التي استطاعت أن تحول فكرة التحرر الوطني إلى وعي جمعي فلسطيني وعربي، وأن تجعل من الهوية الوطنية الفلسطينية مشروعاً كفاحياً متكاملاً بعد سنوات طويلة من محاولات التذويب والضياع. فالحركات التي تعيش في وجدان الناس لا تسقط بسهولة، لأنها تصبح جزءاً من الوعي الشعبي والتاريخي للأمة.
أماقائد الثورة البلشفية ومؤسس الاتحاد السوفيتي الشيوعي بعد ثورة اكتوبر في 1917 فلاديمير لينين فقد قال: “لا توجد حركة ثورية بدون نظرية ثورية”، وهو ما يفسر قدرة “فتح” على الاستمرار رغم كل الهزات، إذ لم تكن مجرد رد فعل مؤقت، بل مشروع سياسي تحرري اعتمد الواقعية الثورية والقدرة على التكيف مع التحولات، دون التخلي عن الثوابت الوطنية. وقد أدركت الحركة مبكراً أن المعركة مع الاحتلال ليست عسكرية فقط، بل سياسية وثقافية وشعبية أيضاً، ولذلك حافظت على حضورها في كل ساحات النضال الفلسطيني.
وعندما نتحدث عن “فتح” بوصفها كتلة تاريخية، فإننا نستحضر تجربة القادة المؤسسين الذين أدركوا أهمية الوحدة الوطنية والعمل الجماعي. فقد كان الشهيد خليل الوزير يؤكد دائماً أن “الثورة ليست بندقية فحسب، بل هي بناء الإنسان الفلسطيني المؤمن بحقه”، وهي عبارة تختصر فلسفة الحركة في الجمع بين الكفاح الوطني وبناء الوعي الشعبي. لقد آمن أبو جهاد بأن صمود الشعب هو أساس استمرار الثورة، وأن الاحتلال يمكن أن يهزم عسكرياً وسياسياً عندما يتحول الشعب بأكمله إلى حالة مقاومة وصمود.
أما الشهيد صلاح خلف "ابو اياد" فكان يرى أن “وحدة الشعب الفلسطيني هي السلاح الأقوى في مواجهة المؤامرات”، وهي رؤية تبدو اليوم أكثر إلحاحاً في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من محاولات تفتيت واستنزاف. فـ”فتح” التي احتضنت مختلف التيارات الاجتماعية والسياسية، استطاعت أن تشكل مظلة وطنية واسعة، وأن تحافظ على فكرة التعددية داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
ويبقى القائد الرمز الشهيد المؤسس ياسر عرفات "ابو عمار" النموذج الأوضح لفكرة الحركة الجامعة، حين قال عبارته الشهيرة: “يريدونني أسيراً أو طريداً أو قتيلاً، وأنا أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً”. لم تكن تلك الكلمات مجرد خطاب عاطفي، بل تعبير عن عقيدة وطنية جعلت من “فتح” حركة متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني، وقادرة على الصمود رغم الحصار والحروب والاغتيالات السياسية والجسدية.
إن قدرة “فتح” على مواجهة التحديات اليوم لا تنبع فقط من تاريخها النضالي، بل من كونها ما تزال تمثل الإطار الوطني الأوسع القادر على استيعاب المتغيرات وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالحركات التاريخية لا تُقاس بلحظة ضعف أو أزمة عابرة، وإنما بقدرتها على النهوض مجدداً، وامتلاك المرونة السياسية والتنظيمية التي تسمح لها بالبقاء في قلب المشهد الوطني.
ورغم كل ما تعرضت له القضية الفلسطينية من محاولات تصفية، بقيت “فتح” حاضرة في القدس والضفة وغزة والشتات، تحمل راية المشروع الوطني الفلسطيني، وتؤكد أن الشعب الفلسطيني ما زال يمتلك القدرة على الدفاع عن حقوقه التاريخية. فالحركة التي صنعت الهوية الوطنية المعاصرة، وقادت الثورة الفلسطينية لعقود، ما تزال تمتلك من الإرث النضالي والخبرة السياسية ما يؤهلها لتجاوز التحديات الراهنة، شرط أن تعزز وحدتها الداخلية، وتجدد أدواتها، وتعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية الشاملة.
كما أن الحديث عن حركة فتح بوصفها كتلة تاريخية جامعة، لا يكتمل دون التوقف عند رؤية القائد الوطني والقومي امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الأسبق الرفيق جورج حبش، الذي ورغم الاختلاف السياسي والفكري مع “فتح” في كثير من المحطات، كان يدرك مكانتها المركزية في المشروع الوطني الفلسطيني ودورها القيادي في تجميع الحالة الفلسطينية.
فقد تعامل الحكيم مع “فتح” باعتبارها الإطار الوطني الأوسع القادر على احتضان مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وكان يرى أن قوة الثورة الفلسطينية تكمن في وحدة قواها الوطنية تحت مظلة هدف التحرير. وفي أكثر من مناسبة شدد حبش على أن أي محاولة لإضعاف “فتح” أو تفكيكها تصب في مصلحة الاحتلال، لأن الحركة مثلت تاريخياً العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وصاحبة الدور الأبرز في إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
وكان جورج حبش يؤكد دائماً أن “الوحدة الوطنية ليست تكتيكاً مرحلياً بل شرط للانتصار”، وهي الفكرة التي التقت مع تجربة “فتح” بوصفها حركة استطاعت أن تجمع تحت رايتها مختلف الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والمناطقية، وأن تحافظ على فكرة التمثيل الوطني الجامع رغم كل العواصف.
ومن هنا، فإن أهمية “فتح” لا تكمن فقط في تاريخها الكفاحي، بل أيضاً في قدرتها على البقاء إطاراً وطنياً قادراً على إدارة التناقضات الفلسطينية الداخلية، وقيادة المشروع الوطني في أصعب المراحل، وهو ما أدركه حتى خصومها السياسيون وحلفاؤها على حد سواء، وفي مقدمتهم الحكيم جورج حبش الذي رأى أن الحفاظ على وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية هو جزء أساس من معركة التحرر الوطني.
وفي زمن التحولات الكبرى، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة روح “فتح” الأولى؛ روح الحركة التي آمنت بأن فلسطين أكبر من كل الانقسامات، وأن قوة المشروع الوطني تكمن في التفاف الشعب حول هدف الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس .



