إعداد : المهندس / رائد عبد الفتاح مهنا
مقدمة
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أبريل/نيسان الجاري، والتي وصف فيها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأنه "نمر من ورق" وهدد بالانسحاب منه، قلقاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية الدولية. تأتي هذه التصريحات في سياق انتقادات متكررة من ترامب للحلفاء الأوروبيين بشأن عدم كفاية مساهماتهم الدفاعية، وتحديداً في ظل عدم دعمهم للعمليات العسكرية الأمريكية في إيران وتأمين مضيق هرمز[1] [2]. يهدف هذا التقدير إلى تحليل الأبعاد السياسية والعسكرية المحتملة لهذه التصريحات وتأثيرها على مستقبل الحلف والأمن العالمي.
الأبعاد السياسية
1 . تآكل الثقة عبر الأطلسي
تزايدت نبرة الرئيس الأمريكي ترامب ضد الحلفاء بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في ايران نهاية فبراير/ شباط الماضي ، السبب الرئيس هو رفض معظم الحلفاء الأوروبيين تقديم الدعم العسكري وتفعيل المادة الخامسة ( الدفاع المشترك ) معتبرين ان التحرك الأمريكي كان أحادي الجانب ولم يتم التشاور فيه معهم .
ويُنظر إلى الناتو على أنه حجر الزاوية في الأمن الأوروبي والعلاقات عبر الأطلسي منذ تأسيسه. أي إشارة إلى التخلي عن هذا الالتزام يمكن أن تؤدي إلى شعور عميق بعدم اليقين وتقويض عقود من التعاون [3].
2 - تشجيع الخصوم وتقويض الردع
من شأن التهديد بانسحاب الولايات المتحدة أن يبعث برسالة ضعف وانقسام إلى خصوم الناتو، وعلى رأسهم روسيا. قد يُنظر إلى ذلك على أنه فرصة لزعزعة الاستقرار في أوروبا الشرقية أو مناطق أخرى، مع تضاؤل فعالية الردع الجماعي للحلف. إن مبدأ "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع" ( المادة 5 ) يفقد مصداقيته إذا كان هناك شك في التزام أكبر عضو في الحلف [4].
3 - تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية
في مواجهة الشكوك الأمريكية المتزايدة، قد تضطر الدول الأوروبية إلى تسريع جهودها نحو تحقيق "الاستقلالية الاستراتيجية" في مجال الدفاع. هذا قد يعني زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وتطوير قدرات عسكرية مستقلة، وربما إنشاء هياكل أمنية بديلة أو موازية للناتو. بينما قد يُنظر إلى ذلك على أنه تطور إيجابي على المدى الطويل لأوروبا، إلا أنه ينطوي على تحديات كبيرة في التنسيق والتمويل على المدى القصير [5].
4 - الانقسامات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة
لا تحظى فكرة الانسحاب من الناتو بإجماع داخل الولايات المتحدة. هناك معارضة قوية من قبل العديد من أعضاء الكونغرس، بمن فيهم جمهوريون بارزون، الذين يرون في الناتو ركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي. وقد صدر قانون في عام 2024 يمنع الرئيس من الانسحاب من الناتو دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، مما يضع عوائق قانونية أمام أي قرار أحادي [6].
الأبعاد العسكرية
1 - تدهور القدرة الدفاعية الجماعية
تعتمد القدرة العسكرية للناتو بشكل كبير على المساهمات الأمريكية، بما في ذلك القوات والمعدات والتكنولوجيا المتقدمة والقيادة. أي انسحاب أمريكي، حتى لو كان جزئياً، سيترك فجوة هائلة في القدرات الدفاعية للحلف، خاصة في مجالات مثل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ، والدفاع الجوي والصاروخي، والقدرات اللوجستية [7].
2 - التأثير على قابلية التشغيل البيني
تُعد قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة للدول الأعضاء في الناتو إنجازاً كبيراً بُني على عقود من التدريب المشترك والمعدات الموحدة والإجراءات المنسقة. الانسحاب الأمريكي سيعرقل هذه القابلية، مما يجعل العمليات العسكرية المشتركة أكثر صعوبة وأقل فعالية، ويؤثر على قدرة الحلف على الاستجابة السريعة للأزمات [8].
3 - إعادة توزيع الأعباء العسكرية
إذا انسحبت الولايات المتحدة، سيتعين على الدول الأوروبية تحمل عبء أكبر بكثير في الدفاع عن نفسها. هذا يتطلب زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وإعادة هيكلة الجيوش، وتطوير استراتيجيات دفاعية جديدة. قد تواجه بعض الدول صعوبة في تحقيق هذه المتطلبات بسرعة، مما يخلق نقاط ضعف أمنية [9].
4 - تداعيات على الصراعات الإقليمية
الانسحاب الأمريكي من الناتو سيكون له تداعيات خطيرة على الصراعات الإقليمية، مثل الحرب في أوكرانيا. الدعم الأمريكي لأوكرانيا، سواء بشكل مباشر أو من خلال الناتو، حيوي. أي تراجع في هذا الدعم قد يغير ميزان القوى بشكل كبير ويؤثر على مسار هذه الصراعات [10].
5 – الأبعاد والتداعيات على دول الأعضاء
ويمكن تقسيم التأثيرات علي الأعضاء الى ثلاثة فئات :
الفئة الاولي دول المواجهة ( بولندا ودول البلطيق ) وستكون التداعيات المتوقعة حاله من الخوف الاستراتيجي لهذه الدول وستدفع نحو ابرام اتفاقيات دفاع ثنائية مع واشنطن بعيدا عن مظلة الناتو وشراء أسلحة أمريكية بمليارات لضمان الاهتمام الأمريكي .
الفئة الثانية القوى الكبرى ( فرنسا وألمانيا ) : تسريع مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وقد نشهد ولادة جيش اوروبي حقيقي ، وهو مما يؤدي الي تحويل ميزانيات ضخمة من الرفاه الاجتماعي الي التصنيع العسكري الثقيل .
والفئة الثالثة ممكن ان نطلق عليهم "الأعضاء المتمردون" مثل تركيا – المجر قد تجد في ضعف الحلف فرصه للمناورة بشكل اكبر بين الشرق السياسي للحلف تماما .
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل أوروبا تمتلك القدرة الاقتصادية والزمنية لبناء المنظومة الدفاعية المستقلة عن واشنطن في ظل الظروف الراهنة ؟
اعتقد من الاستحالة المنطقية بناء المنظومة المستقلة وذلك للأسباب التالية :
علي مدار عقود ، لم تكتف دول الناتو بشراء الأسلحة الأمريكية بل قامت بدمج عقيدتها العسكرية بالكامل في النظام البرمجي الأمريكي مما جعلهم في فخ الاعتماد التقني ونظام التشغيل الأمريكي
وبخصوص الترابط المعلوماتي أي ان الطائرات "أف 35" ومنظومات الدفاع الجوي تعتمد علي سحابة بيانات واستخبارات تديرها واشنطن ، الانفصال عنها يعني امتلاك "خردة" وطائرات تفتقر الى التحديات اللحظية وبيانات الأهداف .
ومن جهة أخري ما يخص الامداد العسكري ، قطع غيار وذخائر وحيث بروتوكولات الاتصال المشفرة هي براءة اختراعات أمريكية وبناء بديل يتطلب بحث وتطوير لعدة سنوات .
ومع أزمة اغلاق مضيق هرمز في الربع الأول من 2026 وضع الميزانيات الأوروبية في مأزق من حيث تكلفة الطاقة وارتفاع الأسعار ، يمتص السيولة التي كان من المفترض توجيهها الى صناديق الدفاع المشترك ، وأيضا الركود الاقتصادي الذي يجعل من الصعب سياسيا اقناع الناخب الأوروبي بزيارة الإنفاق العسكري . ومع انقطاع التوريد الذي يحتاج الى مواد خام واشباه الموصلات وهي حاليا متعثرة مما يجعل بناء مصانع جديدة في أوروبا مهمة انتحارية اقتصاديا ، وركزت دول الاتحاد الأوروبي وخاصة المانيا لسنوات على الصناعات التحويلية والمدنية ( سيارات ، كيمياويات ، تكنولوجيا ) تحت مظلة الحماية الأمريكية والعامل الاهم انه يوجد نقص حاد في المهندسين العسكريين المتخصصين في الصناعات الثقيلة و الباليستية مقارنة بالولايات المتحدة ، والعامل الزمني اذ لا يمكن بناء الردع اثناء الحرب . وعبر التاريخ عمليات اعادة الهيكلة كانت اكثر من معجزة والدليل المعجزة الاقتصادية الألمانية أو خطة مارشال التي تمت في ظروف استقرار نسبي .
التوصيات:
- على الولايات المتحدة: ضرورة إعادة تأكيد الالتزام بالناتو، مع الاستمرار في الضغط على الحلفاء لزيادة مساهماتهم الدفاعية بطرق بناءة. يجب أن يتم أي نقاش حول مستقبل الناتو ضمن الأطر المؤسسية للحلف ومع التشاور الكامل مع الحلفاء.
- الدول الأوروبية: تسريع جهود زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية، ليس فقط استجابة للضغوط الأمريكية، بل كضرورة استراتيجية لتعزيز أمنها الجماعي.
- الحلف: التركيز على تعزيز التماسك الداخلي، وتكييف الاستراتيجيات لمواجهة التحديات الأمنية المتغيرة، وإظهار القيمة المستمرة للناتو كمنظمة دفاع جماعي حيوية وليس في مرحلة البحث عن الاستقلال بل في مرحلة إدارة التبعية الاضطرارية .
المراجع :
[1] "بوتين يعلم".. ترمب يصف الناتو بـ "نمر من ورق" ويفكر بالانسحاب منه - الجزيرة [2] Trump Says He's Considering Pulling U.S. Out Of NATO ... - Forbes [3] Trump roils NATO as pressure builds over Strait of Hormuz - The Hill [4] What do Trump's latest comments on leaving Nato mean for ... - BBC [5] تصريحات أمريكا عن حلف الأطلسي تدفع أوروبا للبحث عن بدائل أمنية - Reuters [6] Separation of Powers and NATO Withdrawal - Congress.gov [7] Trump Mulls Pulling U.S. Troops Out Of NATO Countries ... - YouTube [8] Trump has threatened to leave NATO over Iran. There are few signs ... - Politico [9] Trump might end his war — but the rest of the world may pay the price - CNN [10] Trump threatens NATO exit, scaling up tensions with allies - Reuters



