الشاعر : يوسف حنا
.
على الجدارِ
كانتْ ظلالُهُنَّ
رماديّةً
كأَعمارٍ نسيتْ كيف تضحك،
لكنَّ بقايا الفرحِ البعيد
ظلّتْ عالقةً
في أَطرافِ الضوء،
مثلِ وشاحٍ قديم
تركتهُ امرأةٌ
على كتفِ المساءِ
ثم مضتْ.
.
الجدارُ وحدهُ
كان يتذكّر.
.
يتذكّرُ
أصابعَ النساءِ
وهي ترتّبُ الوقتَ
على حبالِ الغسيل،
وضحكاتِ البناتِ
التي كانتْ
تطيرُ فوقَ السطوح
كحمامٍ مذعور،
ورائحةَ الخبزِ
حين كانتِ البيوتُ
تفتحُ قلبَها
للجيران.
.
لكنَّ الظلالَ
انكسرتْ…
كما تنكسرُ نافذةٌ
في وجهِ ريحٍ طويلة.
.
ولأَنَّ الرسّامَ
لا يتركُ التفاصيلَ تموت،
ظلَّ يجمعُ
فتاتَ الأَرواحِ
من شقوقِ الحائط،
ويعلّقها
في عينيهِ
كأَنَّهُ يخافُ
أَن يسقطَ الماضي
من ذاكرةِ اللّون.
.
سائراً بين التفاصيلِ
اتكأَتُ على ماء،
فانكسرتُ
مثلَ قمرٍ
أَضاعتهُ البحيرة.
.
كلّما نهضتْ
سفرجلّةٌ
في حديقةِ الروح،
نسيتُ حدودَ قلبي،
وفتحتُ للنوافذِ
أَبوابَها كلَّها،
كأَنّي أَبحثُ
عن وطنٍ
يختبئُ في رائحةِ الفاكهة.
.
يا "أَحمدَ العربيّ"…
أَيُّ حصارٍ هذا
الذي يضيقُ بنا
كلّما اتّسعتْ السماء؟
.
كنتُ أَلتجئُ
إِلى الجدرانِ
كي أحدّدَ قامتي،
لكنَّ الجدرانَ
كانتْ تكبرُ
كلّما لمستُها،
وتتحوّلُ
إِلى متاهاتٍ
من حجرٍ وبكاء.
.
هناكَ
في آخرِ الممرّ،
كانتْ امرأَةٌ
ترقّعُ المساءَ
بإبرةِ الصبر،
وكان طفلٌ
يرسمُ شمساً
على دفترٍ ممزّق،
بينما العالمُ
كان مشغولاً
بتعليمِ البنادقِ
كيف تُصيبُ القلب.
.
أَمّا الظلالُ…
فما زالتْ
تمشي داخلَ اللوحة،
باهتةً قليلاً،
لكنّها تحملُ
في جيوبِها
بذورَ ضحكةٍ
نجتْ من الحريق.
.
لهذا
كلّما نظرتُ إِلى الجدار
سمعتُهُ يتنهّد،
كشيخٍ
يحرسُ ذاكرةَ البيت،
ويخبّئُ خلفَ صمتهِ
أَصواتَ الذينَ رحلوا.
.
الجدارُ ليسَ حجراً فقط،
إِنّهُ قلبٌ قديم،
كلّما تشقّقَ
تسرّبتْ منهُ
حكاياتُنا.
.
.



