الكاتب : د. محمد جبريني
أولاً: مقدمة
يشهد الإقليم تصعيداً متدرجاً في سياق التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذا التصعيد لا يمكن قراءته كحدث عسكري منفصل، بل كحلقة في إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي والدولي.
تطرح هذه الورقة سؤالاً مركزياً:
كيف ينبغي للقيادة الفلسطينية أن تتعامل استراتيجياً مع هذه التحولات، بما يمنع تهميش القضية الفلسطينية ويعزز فرص تجسيد حل الدولتين؟
ثانياً: الإطار النظري
تعتمد الورقة على مقاربتين تحليليتين:
نظرية توازن القوى (Balance of Power): حيث تُستخدم الساحات الإقليمية لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى.
مفهوم الأمن الإقليمي المركب (Regional Security Complex): الذي يفترض أن أزمات الشرق الأوسط مترابطة، وأن أي تصعيد في محور يؤثر على بقية الملفات، ومنها القضية الفلسطينية.
بناءً عليه، لا يمكن عزل المسار الفلسطيني عن التحولات الإقليمية الأوسع.
ثالثاً: البيئة الاستراتيجية الراهنة
1. روسيا: استنزاف محسوب
روسيا تنظر إلى التصعيد كجزء من منافستها الاستراتيجية مع واشنطن. هي لا تسعى إلى حرب واسعة، بل إلى استنزاف أمريكي مضبوط يخدم أولوياتها في ساحات أخرى، خاصة أوكرانيا. لذلك تميل إلى الدعم السياسي أو التقني غير المباشر، دون انخراط عسكري مباشر.
2. الصين: أولوية الاستقرار
الصين تعتمد اقتصادياً على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة. لذا فهي تفضل احتواء التصعيد، وتسعى لتعزيز صورتها كوسيط دولي مسؤول، لا كطرف في مواجهة عسكرية.
3. الولايات المتحدة: إدارة الردع
تسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة الردع دون الانجرار إلى حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على التزاماتها الاستراتيجية العالمية.
4. إسرائيل: توظيف السياق الأمني
قد تستثمر إسرائيل التصعيد لتعزيز خطابها الأمني، وتوسيع هامش الحركة في الضفة الغربية، وتقليص الضغوط السياسية المتعلقة بالمسار الفلسطيني.
5. الموقف العربي: احتواء دون تصعيد
تتجه الدول العربية الرئيسية إلى منع تحول التوتر إلى حرب إقليمية واسعة، حفاظاً على الاستقرار الداخلي ومشاريعها التنموية. غير أن هذا الحذر قد يؤدي إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية ما لم يُعاد إدراجها ضمن أي مقاربة جماعية للأمن الإقليمي.
رابعاً: الانعكاسات المحتملة على القضية الفلسطينية
1. مخاطر التهميش
قد يؤدي انشغال القوى الكبرى بالتصعيد إلى تراجع الاهتمام الدولي بالمسار السياسي الفلسطيني، ومنح إسرائيل هامشاً أوسع لفرض وقائع أحادية.
2. توظيف الساحة الفلسطينية
في حالات التصعيد، قد تُدرج الساحة الفلسطينية ضمن حسابات الردع المتبادل، ما يهدد الاستقرار الداخلي.
3. فرصة إعادة الربط
في المقابل، قد تدفع الحاجة إلى تسوية إقليمية أوسع بعض القوى إلى إعادة إدراج حل الدولتين كعنصر ضروري لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
خامساً: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: تصعيد محدود ومضبوط
استمرار التوتر دون حرب شاملة
خطر تهميش مؤقت للقضية الفلسطينية
إمكانية تحرك دبلوماسي فلسطيني نشط لإعادة إدراج الملف
السيناريو الثاني: توسع إقليمي واسع
تراجع أولوية الملف الفلسطيني
ضغوط اقتصادية وأمنية إضافية
ضرورة التركيز على الصمود الداخلي
السيناريو الثالث: تسوية إقليمية شاملة
فرصة استراتيجية لإعادة طرح حل الدولتين ضمن صفقة استقرار أوسع
إمكانية ربط الأمن الإقليمي بإنهاء الاحتلال
سادساً: البدائل الاستراتيجية أمام القيادة الفلسطينية
البديل الأول: الترقب السلبي
انتظار مآلات الصراع دون تحرك فاعل.
المخاطر: تهميش تدريجي للقضية.
البديل الثاني: الاصطفاف الإقليمي
الانخراط ضمن أحد المحاور.
المخاطر: فقدان الاستقلالية السياسية وتعريض الساحة الداخلية للاهتزاز.
البديل الثالث: التموضع المتوازن النشط (الخيار المفضل)
تحرك دبلوماسي متعدد الاتجاهات
ربط المسار الفلسطيني بالأمن الإقليمي
تعزيز الجبهة الداخلية
الحفاظ على استقلال القرار الوطني
سابعاً: التوصيات الاستراتيجية
إطلاق مبادرة دبلوماسية تربط بوضوح بين تجسيد الدولة الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.
تكثيف التواصل مع واشنطن لتأكيد أن تجاهل المسار الفلسطيني يعمّق أسباب عدم الاستقرار.
توسيع الانخراط مع موسكو وبكين لتعزيز الدعم السياسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
الدفع نحو موقف عربي جماعي يُدرج حل الدولتين ضمن أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية.
تحصين الجبهة الداخلية اقتصادياً وأمنياً، ومنع توظيف الساحة الفلسطينية في معادلات الردع الإقليمي.
ثامناً: الخلاصة
التصعيد حول إيران ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على إعادة تشكل النظام الإقليمي. في مثل هذه اللحظات الانتقالية، قد تتعرض القضايا غير المدرجة ضمن أولويات القوى الكبرى للتهميش.
لكن التاريخ السياسي يُظهر أن فترات التحول تحمل أيضاً فرصاً لإعادة التموضع.
إذا نجحت القيادة الفلسطينية في ربط حل الدولتين بمنظومة الأمن الإقليمي الشامل، فقد تتحول الأزمة إلى نافذة استراتيجية.
المعادلة الجوهرية هي:
إما أن تكون القضية الفلسطينية ضحية إعادة تشكيل الإقليم، أو أن تصبح جزءاً من صياغته الجديدة.



