القدس-سعيد أبو معلا - واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لليوم الخامس على التوالي إغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين وكذلك البلدة القديمة، وسط انتشار مكثف لقواتها في محيطه وأبواب البلدة، ومنع المواطنين من الدخول إلى باحات المسجد، فيما لا توفر أيًّا من مقومات الأمن والأمان للمقدسيين في المدينة المحاصرة التي تشهد أكبر سياسات التهويد والسيطرة.
وتضاعفت مخاوف المقدسيين بعد اليوم الثالث من الحرب، حيث سقطت الصواريخ الإيرانية على مدينة القدس مباشرة، وما كان مجالًا للتندر والسخرية والفرجة أصبح مخاوف حقيقية وملموسة في ظل عدم وجود أي بنية تحتية حقيقية لحماية المقدسيين أسوة بالمستوطنين الذين تتوفر لديهم كل مقومات الأمان.
بيوت قديمة ..
"أم جمال"، مقدسية تسكن في وسط البلدة القديمة، تقول: «نحن نعاني من واقع صعب، حيث البيوت قديمة وتفتقد المتانة المطلوبة، وبالتالي يمكن لأي هزات قريبة أن تتداعى المنازل وتسقط فوق رؤوس السكان».
وتتابع: «تحتنا مباشرة هناك حارة اليهود، لكنها بواقع مختلف تمامًا، طبعًا هناك ملاجئ للإسرائيليين وهي مجهزة منذ ما قبل فترة الحرب».
وحول فتح الملاجئ للمقدسيين أيضًا تشدد قائلة: «صراحة لم نجرب دخولها، قد تستغربون، ابني الصغير أثناء وجوده في الشارع مع بقية الأطفال تعرض للاعتداء من أطفال يهود، لقد بصقوا عليه ودفعوه حتى وقع على الأرض، وبالتالي كيف سيكون الوضع لو حاولنا الذهاب إلى هذه الملاجئ».
وتقول أم جمال: «الذهاب للاختباء وطلب الحماية معهم، فكرة لا يمكن القيام بها، نتوقع النتيجة. لكم أن تتأملوا أنهم أغلقوا البلدة القديمة كليًا منذ أول أيام الحرب، وأي مقدسي لا تتضمن هويته الشخصية معلومات تفيد أنه من سكان البلدة القديمة يُمنع من الدخول. إنه حصار خانق، وترتب عليه إغلاق كنيسة القيامة والمسجد الأقصى أيضًا».
أما الشاب يحيى ممدوح السيد فيتحدث عما يسمى «الجبهة الداخلية» و»بلدية القدس»، وكلاهما تفتحان ملاجئ في القدس لأهالي المدينة وغالبًا ما تكون داخل المدارس، لكنها بلا قيمة أو فائدة عملية، والسبب يعود إلى أن الفترة ما بين وصول رسالة الإنذار وسماع صوت الصفارة وتحضير النفس والنزول من المنزل والذهاب إلى المدرسة التي تبعد عن الأحياء يكون الخطر قد وقع، «فلا وقت حقيقي متاح للوصول إلى المدارس البعيدة عن السكان، وذلك يضاف إلى جانب الأزمة المرورية الخانقة التي تعيق التنقل».
تمييز وعنصرية ..
ويشدد ممدوح: «لكن المفارقة أن منطقة شرق القدس لا توفر فيها أي ملاجئ قريبة من البيوت كما هو الحال في الأحياء اليهودية أو أحياء القدس الغربية. حسب قانون الترخيص والبناء يجب توفير ملجأ في كل بيت، لكن منازل الفلسطينيين قديمة ولا يمكن تحقيق ذلك. أما في بعض الأحياء مثل: «عين رافا»، «أبو غوش»، «عين نقوبة»، فقد أُضيفت ملاجئ صغيرة في الشوارع يمكن الدخول إليها إلى جانب المدارس».
وحول ما يفعله المقدسيون أثناء القصف، شدد ممدوح: «الفرجة هي الفعل المقدسي والانتظار، والأكيد أن هناك جزءًا يخاف وهو في بيته، لكن ذلك الخوف لا يدفع المقدسيين إلى الخروج إلى الملاجئ. الفرجة وتصوير الصواريخ هو الخيار المتاح».
وشدد على أن التعامل العنصري لا يقتصر على المستوطنين المتطرفين، وهو أمر يمنع الذهاب إلى الملاجئ، بل يمتد إلى عناصر الشرطة الذين نفذوا الكثير من الاعتداءات، وأضاف: «ماذا تتخيل من عناصر أمن ينظرون إلى المقدسيين على أنهم عناصر تهديد؟ طوال الوقت سياسة فحص الهويات قائمة، إيقاف المقدسيين والتدقيق في الهويات أمر لا يتوقف وقد تضاعف، وخلال ذلك ترى كل أصناف الاستفزاز».
وحول عادات المقدسيين وكيف تنعكس المخاوف الفردية والجماعية وهل تتحول إلى تعاون وتضامن اجتماعي، أكد أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالكل «له الله»، «الغالبية لا تتوفر لديها أي سبل للأمان. كما أن أيام الحرب تحولت من فترة يمكن أن توفر وضعًا اقتصاديًا جيدًا في ظل شهر رمضان إلى عكس ذلك، حيث أُغلقت أغلب المحلات ومُنعت من فتح أبوابها مع أول أيام الحرب».
المربي غسان محمود غنام يرى أن المقدسيين، إلى جانب المخاطر في ظل الحرب والقصف، يمارسون طقوسًا غاية في الخطورة مثل الصعود إلى الأسطح أو أي مكان مفتوح من أجل مشاهدة الصواريخ برفقة أطفالهم.
وأضاف : «خلال الفترة الماضية حدث تحول ما، فعندما وقعت الكثير من الشظايا على المنازل والسيارات وسقط صاروخ على ملجأ لليهود حدث تحول في تفكير المقدسيين في ظل غياب سبل الحماية».
وشدد على أن بعض المقدسيين وعددهم قليل لديهم ملاجئ، أما البعض الآخر فيستخدم الأدراج كونها الأكثر قوة بهدف الحماية، وهي معلومات قدمتها ما يُعرف بـ»الجبهة الداخلية» حيث وُزعت بعض المنشورات.
وحول الملاجئ في القدس الشرقية، شدد غنام على أن البيوت الجديدة حسب الترخيص الجديد، أي ما بعد عام 2004، أُلزمت من خلال سن قانون يجبر المالك على بناء بيت تتوفر فيه غرفة كملجأ بمواصفات محددة من قبل دائرة الترخيص ويتم فحصها من قبلهم، «وربما هؤلاء أفضل حالًا من بقية العائلات».
وتابع: «الصاروخ فعليًا لا يميز بين العدو والصديق، لكن هناك من يميز في مدينة القدس»، وقصد بذلك سياسات دولة الاحتلال.
أما آيات بركة، مقدسية تقيم في كفر عقب، فيما تقيم عائلتها في بلدة بيت حنينا داخل الجدار في مدينة القدس، ترى أن أول لحظة يرن فيها الهاتف للتحذير تُعد لحظة بث التوتر والرعب، «فليس أمامنا من عمل سوى الانتظار. ننتظر إلى أن نسمع صوت ارتطام سقوط الصواريخ وكأن ذلك مصدر راحة لنا لكونه دليلًا على أن الصاروخ لم يصب منازلنا، فليس هناك مصدر حماية حقيقي».
وتتابع : «بعد أن نسمع أصوات السقوط تبدأ عملية التكهن بمكان سقوط الصواريخ، أما الأكيد فهو اهتزاز الشبابيك والأبواب نتيجة الانفجار، وهي تجعل المقدسيين في حالة نفسية صعبة».
وتضرب مثالًا: «بنت أختي، رغم أنها صبية، تعاني من حالة هلع من صوت صفارات الإنذار، وفورًا تدخل في نوبة بكاء ورجفة في الجسم عند أول صوت تسمعه، أما أصوات سقوط الصواريخ فهي قصة أخرى لكنها أكثر وجعًا».
توتر وهلع ..
وترى بركة أن جانبًا من التوتر والهلع والرعب الذي يصيب المقدسيين، وتحديدًا بعد اليومين الثاني والثالث من الحرب، سببه غياب الحماية وافتقار غالبية المقدسيين لوسائل حماية مناسبة، كل ذلك في بلدة بيت حنينا في القدس، أما منطقة كفر عقب حيث يسكن عشرات آلاف المقدسيين فأين تكمن الحماية في ناطحات سحاب متلاصقة جدًا؟
وتشير إلى أنه في حالتها: «حوّلتُ أنا وزوجي موضوع نزول الصواريخ عند أطفالنا إلى فرح وسعادة كي لا يدخلوا في حالة نفسية، غير أني كأم، لا أخفيك، أعاني من حالة كبيرة من القلق المستمر عليهم وعلى أمنهم، أراقب الصواريخ من الشرفة بقلق بالغ، وأقوم بإطفاء صوت الإنذار المزعج من أول ثانية حتى لا يدخلوا في حالة من الذعر والتشتت».
وتختم: «بالنهاية نحن مؤمنون وراضون بقضاء الله، لا وجود للملاجئ في بيوتنا إلا أن الله ملجأنا ومنجانا. أستحضر قول الله تعالى: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»، لكن مع ذلك أنا دومًا أمام صعوبات الحياة والقلق النفسي العميق أسأل نفسي سؤالًا حول: ما هو شعور الإنسان الحقيقي الذي يعيش في دول مستقرة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟ ليس اعتراضًا على حكم الله والواقع بالمطلق، وإنما فضول عميق للوصول إلى شعور وإحساس لم أصل إليه منذ وطأت قدماي هذه الأرض».
أما المقدسية هبة فتؤكد أن المنطقة التي تعيش فيها أُعلن فيها عن وجود ملجأين عامين في مدرستين، وأضافت: «غير أن المهم هنا أن نعلم أن الملجأين يتسعان لنحو ألف نسمة تقريبًا، فيما يعيش في المنطقة نحو 25 ألف نسمة. مفارقة، لو ذهب كل الناس سنموت من الزحام».
وحسب المنظمة الحقوقية الإسرائيلية «عير عميم»، وهي تهتم بشؤون مدينة القدس، نشرت بيانًا تحدثت فيه عما يواجهه السكان المقدسيون: «بينما تحتوي معظم أحياء غرب القدس على ملاجئ توفر الحماية، تعاني الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية من نقص حاد في الملاجئ والمساحات المحمية. في حالات الطوارئ، يُترك عشرات آلاف السكان دون بنى تحتية كافية لضمان سلامتهم، في حين لا تتوفر حلول حقيقية لمعالجة هذا التمييز المزمن في التخطيط والخدمات».
وشددت على أن إجراءات الاحتلال أثرت على حرية حركة سكان القدس الشرقية، حيث أُغلقت عدة معابر أمام المدنيين، ما أدى إلى صعوبات كبيرة في التنقل والوصول إلى أماكن العمل الحيوية والخدمات الأساسية. هذه القيود تعمق معاناة السكان وتزيد من حالة عدم الاستقرار في المدينة.
وجاء في البيان: «حرية الحركة والأمن الشخصي ليست النتائج الوحيدة التي يواجهها المجتمع المدني. ففي وسط شهر رمضان، أُغلق المسجد الأقصى أمام المصلين، كما أُغلقت البلدة القديمة، ما حرم آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم والاحتفال بروح الشهر كما اعتادوا. هذه الإجراءات تمس بشكل مباشر بحرية العبادة وحق السكان في ممارسة حياتهم الدينية والاجتماعية».



