نابلس-واثق نيوز ـ سهير سلامة-في نابلس، كما في المدن الفلسطينية الاخرى، يبدأ الجميع استعداداته لقدوم ذالك الزاثر السنوي، المحمل بعبق النور والوجدان، والسكينة، والروائح التي تنتشر في كل مكان، والمساجد العامرة بالمصلين، والاسواق الملئ بالزوار، والانوار في كل مكان.
بقدومه لا تكون نابلس مجرد مدينة، تعيش طقوس الصيام، بل تتحول إلى مساحة نابضة بالإيمان، والتكافل الاجتماعي، حيث تمتزج العبادة بالحياة اليومية في صورة فريدة من نوعها.
يقول الحاج يحيى الذي بادلنا بالدعوات والمسرات، ان لقدوم هذا الشهر الكريم اثره على نفوس المواطنين بشكل عام، وعلى الفقير بشكل خاص، كل منهما ينتظر بطريقته الخاصة، الغني ليجزي بالعطايا والانفاق، لينال الأجر والثواب، وصدقة امواله، والفقير، ينتظره ليدخل الفرح والسرور على ابنائه واهل بيته، بان يجلب اليهم ما لذ وطاب مما حرموا منه، طيلة ايام السنة، ولم يستطع ان يؤمنه لهم.
ويضيف الحاج يحيى الذي يعمل على عربة متنقلة، يبيع كل يوم ما استطاع اليه سبيلا مما استطاع تأمين ثمنه، ان الحياة اصبحت صعبة جدا، وتأمين احتياجات عائلته، من اكثر الامور التي تؤرق تفكيره، حيث انه يخرج للعمل فجرا، ولا يعود الا بالمساء، وبالكاد يؤمن قوت يومه، ولديه ستة من الابناء.
ومع اقتراب موعد الإفطار، تنشط الحركة في أزقة البلدة القديمة، وتزدحم الأسواق بالمتسوقين الذين يسارعون لشراء احتياجاتهم من التمر، والخضار، والحلويات، وتتعالى أصوات الباعة، وتفوح رائحة الخبز الطازج، والكنافة النابلسية، من المحال العتيقة، فتمنح المكان دفئا خاصا لا يتكرر إلا في رمضان.
من جانبه يذكر الخبير والمحلل الإقتصادي، ثابت ابو الروس، ان القوة الشرائية الضعيفة للعامل الفلسطيني والمواطن العادي، تتجه نحو مسارات سلبية، انعكست على السوق الفلسطيني بشكل عام، واثرت على الاقتصاد النابلسي بشكل خاص، مضيفا انه من ناحية اخرى، وقبل حوالي خمس سنوات كانت اسواق المدينة تعج بالباعة والحركة النشطة، والتي كانت تميز نابلس عن غيرها من المدن والبلدات الفلسطينية باعتبارها المدينة الاقتصادية والصناعية، الاولى على مستوى مدن الضفة، والان، تشهد اسواقها تراجعا حادا في قوة الحركة، والنشاط المالي، وشبه الانهيار، الامر الذي ادى لاغلاق بعض المصانع والمعامل الصغيرة، بهدوء وبصمت تامين، وانتقال الايدي العاملة الى مدن اخرى بفعل الهجرة الداخلية التي انعكست على المدينة نتيجة الحواجز والبوابات والاغلاقات المستمرة، لمداخل المدينة.
"ام عابد" التي تقطن في قرية مادما جنوب المدينة، تستذكر انها قبل حوالي السنتين، كانت ما ان تدخل اسواق نابلس، الا وتشعر بالفة وراحة نفسية، لما لهذه المدينة من تعاطف ورحمة بين اهلها والداخل اليها من القرى والمدن الاخرى، وتعود بذاكرتها، وتقول انها لا تجد المودة، والترابط، الا بين ازقة بلدتها القديمة، ومعاملة تجارها مع المتسوقين، وعطفهم، ومراعاتهم لاحوالهم الإقتصادية، ومد يد العون لكل ملهوف يأتي اليها للتسوق، ولا زال هذا مغروسا في نفوس من تاتي وتتعامل معه في كل مرة تزور فيها نابلس.
" رغم الحركة الشرائية الضعيفة والتي تكاد تكون معدومة في الكثير من الايام، الا ان شهر الخير، لا ياتي الا بالخير،" هكذا استقبل سؤالنا صاحب محلات للنثريات، في المدينة، مؤكدا ان مدينة نابلس تعد جامعة لكافة أطياف المجتمع، ففيها الغني، والمتوسط الحال، والفقير، والجميع يساند بعضه البعض، وهذا التكامل المطلوب، بحسب ما يقول، في محله المتواضع في وسط المدينة، هو ما يضفي على مدينة نابلس الجمال والعطاء، الموجة بين ابنائها، وشعورهم تجاه الآخرين.
وفي المقابل وبعيدا عن جميع التراجعات الاقتصادية والمالية، الا انه وعند غروب شمس ذلك اليوم، يخيم السكون للحظات، في انتظار أذان المغرب، حيث تجتمع العائلات حول موائد الإفطار التي تضم أطباقا نابلسية ذات طابع تاريخي عريق.
وما إن يرفع الأذان حتى تتوحد البيوت في لحظة روحانية واحدة، تبدأ بالتمر والماء، وتنتهي بحمد وشكر على نعمة الاجتماع.
وبعد الإفطار، تمتلئ المساجد بالمصلين، ويبرز دور المسجد الكبير في نابلس، في استقبال المصلين لأداء صلاتي العشاء والتراويح، وتستمر الأجواء الإيمانية حتى ساعات متأخرة، حيث تُقام حلقات الذكر وتلاوة القرآن، في مشهد يعكس العمق الايماني، المتجذر في أهل هذه المدينة.
ولا يقتصر رمضان في نابلس على العبادة فحسب، بل يمتد إلى مظاهر التكافل الاجتماعي، إذ تنشط المبادرات الخيرية لتوزيع الطرود الغذائية، وتقام موائد إفطار جماعية للفقراء والمحتاجين. ويحرص الأهالي على تبادل الزيارات وصلة الرحم، مما يعزز روح المحبة والتراحم بين الناس.
ليل نابلس في رمضان له سحره الخاص، فالمقاهي تمتلىء بالرواد، والأطفال يملؤون الأزقة بالضحكات، والزينة الرمضانية تضفي على المكان أجواء من الفرح رغم كل التحديات. إنه شهر يعيد ترتيب الأولويات، ويجمع القلوب على قيم الصبر والعطاء.
ويبقى رمضان في مدينة نابلس تجربة إنسانية وروحية عميقة، تتجدد كل عام، وتؤكد أن قوة المدينة ليست فقط في تاريخها العريق، بل في أهلها الذين يحافظون على تقاليدهم ويصنعون من الشهر الفضيل موسما للخير والنور.



