الكاتب : شادي عياد
جاء رمضان في لحظة فلسطينية دقيقة لا تحتمل المجاملة ولا تقبل التزييف ولا تسمح بإدارة الظهر للواقع. جاء ليضعنا جميعًا أمام مسؤوليتنا التاريخية بلا استثناء قيادة ونخبًا ومؤسسات وقوى سياسية.
ولكي يكون الكلام واضحًا ومنذ البداية: هذا المقال ليس ضد النظام السياسي الفلسطيني، ولا ضد مشروعه الوطني ولا ضد شرعيته، بل هو صرخة من داخل الحرص العميق عليه، ومن داخل الخوف الصادق من أن نُنهك ذاتنا أكثر مما أنهكنا الاحتلال. هو قرع للجدران وليس لهدم البيت ومحاولة إيقاظ لا تشهير بل تنبيه لا تخوين.
جاء رمضان ونحن أمام مشهد مركب من عدوان إسرائيلي مفتوح وحصار خانق وانقسام سياسي مزمن، وتآكل ثقة شعبية وتعب وطني عام. مشهد لا يجوز التعامل معه بعقلية التسيير اليومي ولا بمنطق إدارة الأزمات ولا بسياسة شراء الوقت.
المرحلة تجاوزت منذ زمن مربع التطمينات والخطابات العامة. نحن أمام أزمة بنيوية عميقة في منظومة القرار الوطني، وفي أدوات إدارة الصراع وفي القدرة على تحويل تضحيات شعبنا إلى مكاسب سياسية حقيقية.
ثلاث سنوات عجاف لم تكن مجرد مرحلة صعبة، بل كانت اختبارًا وطنيًا قاسيًا كشف حجم الفجوة بين حجم التضحيات ومستوى الأداء، وبين خطورة التحديات وبطء الاستجابة، وبين جسامة اللحظة وضيق الأفق السياسي.
فلسطين اليوم ليست فقط جرحًا نازفًا بل مرآة وطنية صارخة. مرآة تكشف حدود أدواتنا وارتباك خطابنا، وعجزنا عن إنتاج استراتيجية وطنية شاملة تليق بحجم الكارثة وبعظمة الصمود الشعبي.
ومع ذلك، فإن النقد هنا لا يستهدف إسقاط النظام السياسي الفلسطيني ولا تقويضه بل إنقاذه من الجمود، وحمايته من التآكل، وإعادة ضخ الروح والدم في شرايينه، لأن انهيار النظام السياسي الفلسطيني ليس خيارًا وطنيًا، بل كارثة استراتيجية تخدم الاحتلال وحده.
جاء رمضان ليقول بوضوح إن الشرعية لا تُصان بالصمت وإن الثقة لا تُستعاد بالمجاملات وإن الوحدة لا تُبنى بالإنكار بل تُبنى بالمصارحة وبمراجعة شجاعة وبقرارات صعبة ولكن ضرورية.
المرحلة تتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة، تتطلب قطيعة مع عقلية التردد ومع ثقافة إدارة الحد الأدنى، ومع وهم الاستقرار الهش. تتطلب إعادة بناء جذرية لمنظومة القرار الوطني على أساس الشراكة الحقيقية والكفاءة والمساءلة والشفافية.
لا يمكن لوطن تحت الاحتلال أن يُدار بعقلية البيروقراطية الباردة ولا لقضية تحرر أن تُختزل في بيانات وتصريحات، ولا لشعب قدّم هذا الكم من الدم أن يُطلب منه الصبر بلا أفق وبلا رؤية وبلا أمل سياسي واضح.
جاء رمضان ليضع القيادة والنخب أمام سؤال أخلاقي وتاريخي كبير: هل نملك الجرأة لنقول الحقيقة لشعبنا؟ هل نملك الشجاعة للاعتراف بالخلل؟ هل نملك القدرة على اتخاذ قرارات موجعة لكنها منقذة؟
إن قرع الجدران اليوم ليس ترفًا ولا نزقًا سياسيًا بل واجب وطني. لأن الصمت في لحظات الانكسار شراكة غير مباشرة في استمرار الأزمة.
رمضان هذا العام يجب أن يكون شهر مراجعة وطنية شاملة لا شهر طقوس شكلية. شهر إعادة بناء الثقة، لا شهر إدارة الغضب. شهر فتح النوافذ، لا شهر إغلاق الأبواب.
جاء رمضان، فنجعل منه فرصة إنقاذ لا موسم تهدئة. ولنحوله إلى بداية يقظة وطنية شجاعة تحفظ النظام السياسي الفلسطيني، وتصون المشروع الوطني، وتعيد الاعتبار لمعنى التضحية وتفتح أفقًا جديدًا لشعب يستحق الحياة والحرية والكرامة .



