الكاتب : د مجدي جميل شقوره
في مشهد يعكس تعقيدات السياسة الدولية وتداخل المصالح، كشفت التطورات الأخيرة عن تباين حاد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول مستقبل قطاع غزة، ليس فقط على صعيد آليات إعادة الإعمار، بل والأهم حول المرجعية السياسية والقانونية التي ينبغي أن تحكم المرحلة الانتقالية في القطاع المدمر. فبينما تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الدفع بصيغة مبتكرة تُعرف بـ«مجلس السلام» تمنح واشنطن دوراً محورياً في الإشراف على عملية الإعمار، تتمسك العواصم الأوروبية بالالتزام الصارم بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار الذي يحدد إطاراً زمنياً حتى عام 2027 ويقر بدور فلسطيني أصيل في العملية.
الخلاف لم يعد محصوراً في الكواليس الدبلوماسية، بل خرج إلى العلن خلال مؤتمر ميونخ للأمن، حيث وجّهت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، انتقادات مباشرة للصيغة الأميركية، معتبرة أنها لا تعكس التفويض الأممي ولا تلتزم بالإطار الزمني المعتمد دولياً. في القراءة الأوروبية، لا يمكن إعادة تفسير القرارات الدولية وفق اعتبارات سياسية ظرفية، لأن شرعية أي كيان إداري جديد في غزة ستبقى رهناً بمدى اتساقه مع المرجعية القانونية المعترف بها دولياً.
وتستند المقاربة الأوروبية كذلك إلى اعتبارات عملية تتعلق بالحوكمة والشفافية. فالدول الأوروبية، بوصفها من أبرز الممولين للسلطة الفلسطينية، ترى أن أي آلية لإدارة غزة يجب أن تخضع لمساءلة واضحة وأن تضمن مشاركة فلسطينية فعلية، لا شكلية. وقد حذر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس من أن تجاوز الإطار الأممي قد يضعف وحدة الموقف الدولي ويعقّد مسارات التمويل والتنفيذ، ما قد ينعكس سلباً على جهود الاستقرار.
في المقابل، يُنظر إلى الطرح الأميركي باعتباره محاولة لإعادة هندسة المشهد الإداري في غزة بما يمنح واشنطن نفوذاً مباشراً في إدارة الموارد وتوجيهها. ويرى منتقدو هذه المقاربة أنها تقترب من نماذج سابقة شهدتها دول مثل العراق وأفغانستان، حيث أُنشئت ترتيبات انتقالية بهندسة خارجية لم تفلح في تحقيق الاستقرار المستدام. وحتى داخل الولايات المتحدة، برزت أصوات متحفظة، إذ أعرب السيناتور كريس مورفي عن قلقه من غياب ضمانات رقابية صارمة تكفل الشفافية في إنفاق مليارات الدولارات المخصصة للإعمار.
ولا يتوقف القلق الأوروبي عند حدود غزة، إذ تعكس هذه الأزمة مخاوف أوسع من نمط إدارة أميركي أكثر أحادية واندفاعاً في الملفات الدولية، ما قد يضعف الشراكة عبر الأطلسي ويجعل أوروبا أكثر عرضة لتقلبات القرار في واشنطن. فالمسألة لم تعد تقنية أو مالية فحسب، بل ترتبط بطبيعة العلاقة المستقبلية بين الجانبين وبحدود الثقة السياسية بينهما.
في المحصلة، لا يدور الخلاف حول تفاصيل إجرائية بقدر ما يعكس صراعاً على مفاتيح المرحلة الانتقالية في غزة. فإدارة الإعمار تعني إدارة النفوذ ورسم ملامح النظام السياسي والأمني المقبل. وبين تمسك أوروبي بالشرعية الدولية وسعي أميركي إلى صياغة ترتيبات تمنحها دوراً مركزياً، يبقى سكان غزة الحلقة الأضعف في معادلة شد الحبال. فنجاح أي مسار مقبل لن يُقاس بحجم النفوذ المكتسب، بل بقدرته على إعادة الحياة والاستقرار إلى أرض أنهكتها الحروب، ضمن إطار شرعي يحظى بقبول دولي واسع .



