الكاتب : د بسام سعيد
أعجبت كثيرا عندما قرأت ما كتب محمود درويش يوماً ما نصه : "وتسأل: ما معنى كلمة وطن سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفیر النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى."
وكتبت تعقيبا على ماكتب درويشنا المحمود : اننا نسينا أن نضيف _ في طبعتنا الحديثة المنقّحة _ أنه أمسى : لافتة حزبية أكبر من الشارع، ومؤتمر صحفي يتشاجر فيه الجميع باسم “المصلحة العليا” التي لا يراها أحد.
كان محمود درويش يرى الوطن تفاصيل صغيرة دافئة، تُشبه رائحة الخبز حين يخرج من الفرن، لا حين يُرمى في وجه الجائع.
أما نحن، فقد صغّرنا الوطن حتى صار مقعداً في لجنة، أو شعاراً على منصة، أو حصة أو "سبوبة" في كعكة تتناقص كلما ارتفعت الخطب.
تسأل: هل تتسع كلمة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات؟
نعم، كانت تتسع…
لكنها لم تعد تتسع لزحام الأنا.
فالوطن الذي كان شجرة توت يتفيأ تحتها الجميع، صار شجرة يختلفون على من يملك ظلّها.
والوطن الذي كان قفير نحل، يعمل فيه الكل ليصنعوا عسلاً مشتركاً، صار خلية يتنازعون فيها على من يحمل لقب “الملكة”، بينما يضيع العسل وتلسعنا الفوضى.
الوطن، كما قال درويش، سماء أولى.
أما اليوم فقد صار سقفاً منخفضاً يتدافع تحته المواطن باحثاً عن هواء، فيما الفصائل تتنافس على من يرفع صوته أكثر لا من يرفع الوطن أعلى.
السخرية أن كلمة “وطن” ما زالت قصيرة، جميلة، خفيفة على اللسان…
لكنها ثقيلة جداً على ضمائر من حوّلوها إلى مشروع شخصي، أو مزرعة خاصة، أو منصة خطابة موسمية أو انقسام ومعاناة بلانهاية
الوطن لم يَضِق بنا،
بل ضاق منّا.



