الناصرة - واثق نيوز- يقول الكاتب الصحافي الإسرائيلي أورِن كيسلر، المقيم بين تل أبيب ونيويورك، في كتاب جديد عن الصراع التاريخي المستمر على فلسطين، إن الثورة الكبرى فيها عام 1936 والممتدة ثلاث سنوات، ورغم نعتها بـ”الفاشلة” من قبل جهات مختلفة، قد شكّلت السبب العميق والأهم خلف رحيل الاستعمار البريطاني عنها.
في كتابه “1936: الثورة الكبرى وجذور الصراع في الشرق الأوسط” الذي صدر باللغة العبرية في الأسبوع الماضي بعد صدوره بالإنكليزية، يقول كيسلر إن الثورة العربية الفلسطينية الكبرى كانت “الانتفاضة الأولى” وهدفت إلى تقويض دعم بريطانيا للمشروع الصهيوني، وكان الثمن باهظًا: ما بين خمسة آلاف إلى ثمانية آلاف قتيل عربي، ونحو 500 يهودي، وحوالي 250 بريطانيًا، فضلًا عن عشرات الآلاف من الجرحى.
ويتابع: “على خلفية هزيمة العرب عام 1948، بما في ذلك النكبة وإقامة إسرائيل، درج كثيرون على وصف ثورة 1936 بالفشل. صحيح أن الإمبراطورية البريطانية قمعت الثورة بمساعدة حرّاس صهاينة، لكن الثوّار نجحوا في إجبارها على التراجع عن وعد بلفور، ثم على مغادرة فلسطين. والأطروحة المركزية في الكتاب العبري هي أن الثورة فشلت أساسًا لأن العرب لم يكونوا موحّدين بل غارقين في صراعات داخلية، بخلاف اليهود”.
في هذا السياق، يقتبس كيسلر المؤرخ الإسرائيلي هليل كوهين الذي يرى أن حجم الخلافات الداخلية بين العرب مُبالغ فيه، وأن اليهود شهدوا هم أيضًا خلافات داخلية كبيرة.
يعرّف الكاتب أسلوبه بأنه “تاريخ سردي”، وعلى خلاف معظم المؤرخين الأكاديميين يبني روايته حول شخصيات عدد من الأفراد البارزين، غالبيتهم من الجانب العربي للصراع. وهذا الميل إلى التعمّق في شخصيات ملموسة قد يزيد من التشويق وعدد القرّاء، لكنه لدى كيسلر يأتي أحيانًا من دون ما يكفي من التقدير والحذر، وعلى حساب معلومات وتحليلات ضرورية للفهم.
هبة يافا
طبقًا للكتاب العبري، بدأت الثورة بإضراب عام كان شبه شامل، ترافق مع عنف شديد يضعه كيسلر في صلب كتابه تحت عناوين مثل “يوم الدم في يافا”، “الأحد الأسود”، “الأرض المشتعلة” و”الثورة تزداد توحشًا”، بيد أنه لا يعود للعوامل العميقة للثورة.
في مقدّمة الكتاب يشكر كيسلر اثنين من أصدقائه أسهما في تزويده بمعارف باللغة العربية. غير أنه ليس واضحًا إلى أي حدّ يتقن هذه اللغة؛ إذ يعتمد أساسًا على مصادر باللغة الإنكليزية. وربما يفسّر ذلك اختياره وضع شخصيتين عربيتين في قلب الكتاب، كلتاهما مندمجتان في ثقافة الإمبراطورية البريطانية وقيمها، وكلتاهما من خرّيجي جامعة كامبريدج: جورج أنطونيوس وموسى العلمي — شخصيتان آسرتان بلا شك، لكنهما في الحقيقة ليستا ممثلتين ولا محوريتين. يكتب كيسلر أن أنطونيوس كان “أكثر العرب موهبة في فلسطين، وربما أكثرهم اضطرابًا نفسيًا”. وقد ألّف كتابًا لا يزال يُعدّ حتى اليوم حجر الأساس في الوعي القومي الفلسطيني؛ كما شارك من حين إلى آخر في اتصالات سياسية، بما في ذلك محادثات مع دافيد بن غوريون. غير أنه، بخلاف بن غوريون، كان يمثّل في الأساس نفسه. أمّا العلمي فكان قانونيًا وموظفًا رفيعًا في حكومة الانتداب البريطاني؛ انشغل كثيرًا بالتفكير في حلّ الصراع، وحاول من دون نجاح تنظيم مفاوضات بين بن غوريون والمفتي الحسيني، لكن تأثيره، شأنه شأن أنطونيوس، ظلّ هامشيًا. لكلٍّ منهما ما يبرّر كتابة سيرة ذاتية عنه، وقد نالها بالفعل، لكن من يريد التعرّف إلى الثورة العربية الكبرى لا يحتاج إلى معرفة أن والدة أنطونيوس كانت “بوهيمية غريبة الأطوار”، كما يروي كيسلر، ولا أن زوجته، مثله، لم تكن جميلة “بالمعنى المتعارف عليه للكلمة”، إذ كانت قصيرة القامة ولها أنف كبير. وقد انتهى زواجهما بالطلاق.
فوزي القاوقجي وموسى العلمي وعز الدين القسّام
يصف كيسلر أحد قادة الثورة، فوزي القاوقجي، بأنه “قائد أنيق يتمتّع بكاريزما استثنائية، كانت مآثره البطولية تُعزَّز أحيانًا بكؤوس من الشمبانيا أو الشاي الممزوج بالروم”. ميله إلى الكحول يُذكر في الكتاب ثلاث مرات. فوزي- كما يكتب كيسلر مستخدمًا اسمه الأول فقط- كان مرتزقًا محترفًا من مواليد لبنان، توصّل في مرحلة ما إلى ما يشبه اتفاق عمل مع المفتي. معارفه تذكّروه رجلًا بشوشًا دائم الابتسام، وبشرته الفاتحة جعلته يبدو أقرب إلى أوروبي منه إلى رجل من الشرق.
من دون الإشارة لمصادره في هذه الجزئية، يروي كيسلر أن المجاهد الشهيد عزّ الدين القسّام الذي استشهد قبيل الثورة وسُمّيت على اسمه، كان أقلّ “ودّية”: كان يلقي خطبه أحيانًا وهو يحمل سيفًا أو مسدسًا، وفي إحدى المرات دعا صبيًّا يلمّع الأحذية إلى استبدال فرشاة التلميع بمسدس، وإطلاق النار على أوّل إنكليزي يجلس على كرسيه.
عن العلمي يكتب كيسلر أن له أخًا بالتبنّي، يهوديًا. كان يمكن أن يكون ذلك سبقًا صحافيًا لو كان صحيحًا: فقد حدث أن نساء يهوديات سلّمن أطفالًا للرضاعة لدى جارات عربيات، والعكس أيضًا. أحيانًا نشأت عن ذلك علاقة مستمرة بين الأطفال، لكنها لم تكن تبنّيًا.
توم سيغف
ضمن نقده للكتاب يقول المؤرخ الصحافي في “هآرتس” توم سيغف إن كيسلر يضع الثورة في تشابك الصراعات والخلافات التي مزّقت المجتمع العربي؛ ويكتب أنه لولا أن البريطانيين دفعوا بالمفتي الحاج أمين الحسيني إلى الواجهة “لكان على الأرجح قد طواه النسيان التاريخي”.
ويضيف هنا: “غير أن معارضة العرب للصهيونية رافقتها منذ بداياتها الأولى، كما كتب أحد أبرز قيادات المجتمع العربي في القدس، رئيس البلدية السابق يوسف الخالدي، إلى تيودور هرتسل نفسه، قبل ما يقرب من أربعين عامًا على اندلاع الثورة العربية. هذه الرسالة، المحفوظة اليوم في الأرشيف الصهيوني، لا يعرفها كثير من الإسرائيليين، ولا يذكرها كيسلر.
كذلك يقول سيغف وبحق عن غياب عوامل العمق خلف الثورة: “لا يمنح حيّزًا كافيًا للتحوّل العميق الذي شهدته البلاد في أعقاب الاحتلال البريطاني، ولا سيما بعد وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا: ففي السنوات الثلاث التي سبقت اندلاع الثورة، كاد عدد اليهود الذين استقروا في البلاد أن يضاعف العدد الإجمالي القائم. وكلما ازداد العدد، تصاعدت عدائية العرب”.
ويخلص سيغف للقول إنه في هذه الأيام، يصعب قراءة كتاب مترجَم للعبرية عن الصراع من دون التساؤل عن الموقف السياسي لمؤلفه: “معنا” أم “ضدّنا”؟ وبما أن كيسلر يرى في الثورة العربية الحلقة الأولى في الصراع، ويمدّ سرده حتى “النكبة الثانية”، فإن نقطة الاختبار البديهية هي ما يكتبه عن النكبة الأولى. هنا يتهرّب كيسلر: “تفاصيل هذا الصدام، وقبل كل شيء أسباب مغادرة أو طرد نحو 700 ألف لاجئ، موضع خلاف مرير، وتتجاوز نطاق البحث في هذا الكتاب”.
ويرى سيغف أن السؤال الجوهري الذي يبقى بلا إجابة هو ما إذا كانت هناك في أي وقت إمكانية للتوصّل إلى اتفاق مع العرب، أي ما إذا كانت هناك فرصة ضائعة.
ويتابع: “المحادثات بين قادة عرب ويهود، كما يصفها كيسلر، تشير إلى أنه منذ ثلاثينيات القرن الماضي لم يعرف حتى أكثر المعتدلين في كل طرف أن يطرحوا ما يمكن أن يقبله أكثر المعتدلين في الطرف الآخر. ومع ذلك، لا يحسم كيسلر موقفه هنا أيضًا، بل يترك الكلمة الأخيرة لموسى العلمي: “ما زلت أؤمن، حتى الآن، بأن في هذه البلاد إمكانية للسلام”. لا شيء مما كُتب في الكتاب يدعم هذا الإيمان، لكن هكذا هي العادة في أمريكا: في النهاية، لا بدّ من قول شيء متفائل”.



