الكاتب : عيسى قراقع
في قرية سوسيا جنوب يطا في محافظة الخليل حيث تنحتُ الرياح قصصاً على وجه الجبال والكهوف التاريخية وتحتشد الذاكرة في كل صخرة وخيمة وحجر، وقفت المرحومة الحاجة زهرية النواجعة ام جهاد حاملةً لافتةً لم تكن مجرد قطعة قماش، بل كانت بياناً وجوديًا: "سوسيا لن تموت". كانت هذه الكلمات، وهي ترتفع في مواجهة ارهاب وعنف المستوطنين ونهب الأراضي، أكثر من شعار سياسي؛ كانت تشريحاً واقعيا لجوهر الصراع على الأرض والهوية والوجود.
سوسيا ليست مجرد موقع جغرافي عمره آلاف السنين منذ القرن الثاني قبل الميلاد، إنها جسد حي يحمل في تضاريسه ذاكرة الأجداد، وندوب التاريخ، وأمل الأحفاد، عندما ترفع الحاجة زهرية لافتتها، فإنها لا تدافع عن أمتار من التراب، بل تدافع عن "مكان" تحول إلى "معنى"، عن جغرافيا تحولت إلى سيرة ذاتية جماعية، عن حماية المكان الذي يتعرض للتطهير والضم والإبادة، وهذه اللافتة المرفوعة في وجه المستوطنين والجنود هي اكبر وأعظم رسالة من امرأة فلسطينية تقول: الأجساد قد تموت ولكن الأرض لا تموت، اهدموا ودمروا وخربوا لن تقتلعوا اعماقنا، ولن تكسروا احلامنا، هذه الأرض جدتنا ومعبدنا، وهنا سنبقى حتى لو ضاقت الحياة.
النساء في بلدة سوسيا مشغولات بعرض الأعمال اليدوية التراثية لكل من يصل هناك، المقاومة الثقافية تراها في المشغولات والاثريات الراسخة في هذه القرية المقامة على عدة سفوح صخرية، قلعة كنعانية وليست توراتية، النساء يواجهن سياسة الطمس والالغاء بالإبرة والخيط، وبالفأس وعين النبع الذي لم تطفئه الحفريات.
سوسيا لن تموت، صرخة في وجه الإزاحة الصامتة التي تجري على مدار الساعة في الضفة المحتلة والقدس، هندسة الواقع الديمغرافي والسياسي، التهجير القسري لآلاف التجمعات السكانية بشكل تراكمي وبلا ضجيج حرب، نقل النكبة من قطاع غزة إلى الضفة وتحويلها إلى سجون ومعازل وجزر سكانية خاضعة للابتلاع التدريحي.
سوسيا لن تموت، شعار يقول: انتبهوا، هناك هولوكست تطهير عرقي تقوده الصهيونية الدينية وميليشيات المستوطنين، الاعتداءات اليومية، الحرق والاقتحامات والهدم ونهب الممتلكات، إتلاف المحاصيل، الاعتداءات الجسدية، اغلاق الطرق، إقامة البؤر الاستيطانية، أنه رعب متواصل ويومي، خلق واقع معيشي لا يحتمل وإجبار السكان على الرحيل، أنها حرب البقاء في ظل غياب الحماية الدولية.
المرحومة زهرية النواجعة لاتخاف من قطعان المستوطنين المحميين من الجنود، لا تخاف من هذا الهجوم اليومي على القرية وسكانها، التخريب والحرق واقتلاع المزروعات والاعتداءات بالضرب والرصاص والاعتقالات، هجمات ليل نهار، جرائم متصاعدة في كل مكان، يقودها ابن غافير في السجون، والمتطرف المدعو لوتسكي في بلدة سوسيا، وقد توسعت الإبادة والاستيطان والاعدامات والطرد والتهجير لتفريغ الارض، والهدف أن نختفي أمام فرض وقائع ميدانية بالقوة، ونتخلى عن جبالنا، ونذوب في هذه البنية العميقة للمشروع الاستيطاني الاستعماري، ونصير ظلالا بلا رواية.
الحاجة زهرية تبحث عن دعم وصمود لمواجهة عمليات التهجير القسري وعصابات المستوطنين، الضم الزاحف وبوسائل متنوعة أمنيا سياسيا قانونيا اداريا، ادوات تحاصر الفلسطيني وتدفعه للرحيل طوعا، إبادة سياسية تقوض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهي أشد خطورة من القتل المباشر.
الحاجة زهرية لا تستعطف ولا تستنكر ولا تحب التصوير، منذ الفجر تزور الأرض وتقلب ترابها وتشم رائحة قمحها ودمها وتقيم الصلاة.
التقارير الاممية مخيفة وهي تتحدث عن تهجير أكثر من خمسين ألف مواطن فلسطيني منذ حرب الإبادة على غزة، ترحيل سكان المخيمات في شمال الضفة والتجمعات السكانية البدوية في الأغوار والخليل والقدس، القيود المشددة على تراخيص البناء، الشوارع الالتفافية والحواجز والبوابات، تسارع بناء الوحدات الاستيطانية وقرارات تملك الأراضي والعقارات، وتجريد الفلسطيني من صلاحيات التخطيط والبناء، نزع الصفة السياسية عن الضحية لتكون قابلة الفناء البطيئ.
عندما تقول زهرية "لن تموت سوسيا فهي تنفي الموت كحقيقة نهائية عن سوسيا. لكن أي موت تنفيه؟ إنها تنفي موت المكان ككيان معنوي، موت العلاقة الروحية بين الإنسان والأرض، موت الحق الذي يتحول إلى واجب. في مواجهة المستوطنين الذين يحملون سلطة العنف والفاشية، ترفع هي سلطة الحق المتجذر في عمق التاريخ. ليست المقارنة بين القوة المادية والقوة المعنوية، بل هي تعارض بين رؤيتين للعالم: واحدة ترى الأرض كمورد استهلاكي، وأخرى تراها كعلاقة وجودية.
لم تكن صدفة أن تحمل زهرية نواحعة لافتة تقول سوسيا لن تموت، ففي فلسطين، كما في كثير من مجتمعات المقاومة، تحولت المرأة إلى حارسة للذاكرة الجمعية، إلى جذر يثبت الشجرة حين تهب العواصف. حملت زهرية لافتة "سوسيا لن تموت" كما تحمل الأم طفلها، بحماية غريزية وبإيمان لا يتزعزع. في هذا الفعل، تتجلى فلسفة المقاومة بوصفها فعل خلق مستمر للحياة، رغم كل محاولات إنتاج الموت.
توفيت الحاجة زهرية، لازالت اللافتة مرفوعة، من يرفعها الان في وجه الجرافة وعربدات المستوطنين وتصبح المقاومة حياة؟



