نابلس ـ واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة-في الطرف الجنوبي الشرقي من مدينة نابلس، حيث تتماوج التلال ويهدأ الزمان، وتغرد العصافير المهاجرة رواحا ومجيئا، تقف "خِربة يانون"، كحكاية قديمة لم تُغلق صفحاتها بعد.
هي ليست قرية كبيرة، ولا مدينة صاخبة، بل مكان يعرف كيف يحتفظ بالذاكرة. حجارتها الصامتة تهمس بأن هنا عاش أناس، زرعوا القمح، رعوا الأغنام، وانتظروا المطر كما يُنتظر الوعد.
حكاية الاسم ..
سُميت خربة لأنها شهدت فترات خراب، بين فترة واخرى، لكن اسم يانون بقي صامدا، ينتقل من جيل إلى جيل، وكأن الأرض رفضت أن تُنسى، ومنها مشتق الاسم من اليمن والخير والبركة، لخصوبة الارض وعطائها، ربما هو اسما كنعانيا، وربما رومانيا، لكنه بالتأكيد أقدم من كل الحكايات المتداولة اليوم.
حياة بين التلال ..
يانون ليست وحدها، فهي امتداد لبلدة عقربا، الواقعة جنوب شرق مدينة نابلس، منها جاء أهلها، وإليها يعودون. وفي الصباحات الباكرة، يخرج الرعاة مع ماشيتهم، وفي المساءات تجتمع العائلات حول البساطة، والخير الكبير، خبز، زيت، وحكايات عن أرض لا تزال تنهل بركة وعطاء.
مكان صغير… بمعنى كبير ..
رغم صغرها، تحمل يانون معنى التشبث بالأرض، معنى أن يبقى الإنسان، حيث ولدت ذاكرته، حتى لو قل العدد وكثرت التحديات، خِربة يانون ليست مجرد موقع على الخريطة، بل شاهد حي على أن بعض الأماكن تعيش، لأن أهلها يرفضون الرحيل.
مرت الخربة كما هو حال كثير من التجمعات الريفية الصغيرة في المنطقة، بفترات نزوح جزئي، ثم تلاها عودة للسكان، فبلدة عقربا المجاورة لها، تعد امتدادا ريفيا لها، وجزءا اجتماعيا وجغرافيا منها، باعتماد سكان الخربة على اسواق بلدة عقربا من اجل البيع والشراء، واتمام كافة احتياجاتهم، باعتبارها بلدتهم الام.
تبعد يانون نحو ١٥ كم عن مركز مدينة نابلس، وتقع شرقي بلدة عقربا، وهي مثل الكثير من التجمعات الريفية الصغيرة، في شمال الصفة الغربية، وتتبع اداريا لمدينة نابلس، عدد سكانها قليل جدا، ينتمون الى عائلات ريفية تقليدية، ومثل بقية التجمعات الصغيرة، تعاني من نقص حاد في الخدمات والبنية التحتية، ولكن صمود الاهالي، وثباتهم لا ينتهي، فقد شهدت الخِرطبة تواجدًا مكثفًا لقطعان المستوطنين، بحجة شراء الأراضي والمنازل في المنطقة. وقد أقدم المستوطنون على حراثة الأراضي بالقوة، وتدمير جزء من البيوت البلاستيكية، كما منعوا أي شخص من خارج الخِربة من الوصول إليها، ومنعوا إدخال الأعلاف للمواشي، وإجبار الأهالي على المغادرة، ومنع المقيمين في المنطقة "ب" من أداء الصلاة في مسجد الخِربة، إضافةً إلى منع ترميم المنازل .
عمد الاحتلال، وحسب تصنيفات اوسلو، الى تقسيم الخربة الى قسمين، يانون الفوقا وتقع ضمن منطقه "ج"، وهي التي اخليت من السكان، ويانون منطقه "ب"، التحتا، وتعاني من المضايقات، والانتهاكات.
منطقة مصنفة "ج" ..
الخِربة تقع في يانون الفوقا المصنّفة ضمن المنطقة (ج)، في حين أن يانوت التحتا مصنّفة ضمن المنطقة (ب)، وعليه، فإن هذه الانتهاكات طالت أهالي يانون الفوقا (المنطقة ج) بشكل مباشر، بينما شملت القيود المفروضة أيضا، سكان يانون التحتا (المنطقة ب)، خاصة فيما يتعلق بحرية التنقل وأداء الصلاة والوصول إلى الأراضي والممتلكات.
وحسب عائلة بشناق، التي تسكن في مدينة نابلس وتمتد، فان أصولها تعود الى خربة يانون، بوجود عقدة في ملكية الأرض بالمنطقة، مسجلة باسم العائلة، من العهد العثماني.
بقيت الخربة الفوقا والمصنفة منطقة "ج"، هدفا واضحا وكبيرا، للوصول للربط مع جبل الحج محمد، وخلة الورد، والجدوع، من أراضي بيت فوريك، شرق المدينة.
يتواجد قطعان المستوطنين في الخربة بحجة شراء الارض، والبيوت في المنطقة، واجبروا الاهل بعد حراثة الأرض، من اخلائها، وعمدوا الى تدمير جزء من البيوت البلاستيكية، ومنع اي شخص من خارج الخربة من الوصول إليها ومنع احضار أعلاف للمواشي، اجبر اهل الخربة على المغادرة، كما تم منع المقيمين بمنطقة "ب" من أداء الصلاة في مسجد الخربة ومنع ترميم البيوت.
يذكر ان السكان هجروا ذات مرة قبل ٢٥ عاما، وعادوا بعد أيام مع تواجد متضامنين من مجمع الكنائس.
وجع لا ينسى ..
ما بُني بصبر السنين يُهدم في لحظة، ليبقى وجعٌ لا يُنسى، ان القلب ليعتصر ألما من مشهد اليوم. تهجير قسري، تهديد في وضح النهار، وطرد واستفزاز، رغم صمود أهلها حتى آخر رمق، وعدم تخليهم، ورغم قساوة الظروف، والتهديد اليومي، الذي عاشوه أيامًا وسنين. اليوم، وفي لحظة واحدة، تتحول هذه السنين إلى ذكرى.. تُبكي العين ويعتصر لها الفؤاد ألما.
المدارس اغلقت وفرغت من طلابها، وساد الصمت في ساحاتها، اغلقت الابواب، وبقيت الجدران شاهدة على ايام انتهت فجأة، رحلت المدرسة مع اهلها، ولم يبق منها سوى الذكريات والامال، والطموحات التي سطرها كل طفل وطفلة، لوصولهما لمستقبل رسماه في عقليهما الصغيرين ، الكبيرين ، في آن واحد.




