نابلس ـ واثق نيوز-سهير سلامة-يعد مخيم طولكرم واحدا من أبرز المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية ازدحاما واقتظاظا بساكنيه، وقد شهد خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من النزوح القسري، بسبب العدوان الإسرائيلي الممنهج، الذي ادى إلى تدمير المنازل، والبنى التحتية، تجريف الشوارع، وفقدان ادنى مقومات الحياة الآدمية، ونزوح الاف العائلات الى المناطق المجاورة للمخيم، تاركا اثارا سلبية جدا على حياة هؤلاء النازحين، من جميع النواحي الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية ايضا.
ويمثل هذا النزوح امتدادا لمعاناة بدأت منذ النكبة عام 1948 وما زالت تتجدد في كل مرحلة من مراحل الصراع، والوجود الفلسطيني.
رنا عبيد إبنة مخيم طولكرم، نزحت كغيرها من ابناء وبنات هذا المخيم، عن جدران قضت عمرها الخمسة والعشرين، بين حاراته وأزقته، التي احتضنت امالها وطموحاتها، في ان تكبر وتتعلم وتعمل على مساعدة اهلها في تأمين لقمة عيش شريفة ، بعيدا عن المعاناة، والقهر.
رنا عبيد واحدة ممن فقدن المسكن والأمن، والسكينة التي كانت تعتقد انها ستنتهي بها الى الحياة الكريمة المستقرة، بعيدا عن الظلم والقهر والالم الذي رأته وعانته داخل مخيم للاجئين هجروا من قراهم ومدنهم، واستقر بهم الحال للجوء الى قطعة ارض لتصبح مخيما للجوء الظالم، معتقدة ان ما عاناه اجدادها لن يتكرر ، ولكنها رأته عينا، متكررا مرات ومرات عديدة .
تقول عبيد ل"واثق نيوز"، ان ما رأته كان أشبه بالخيال، ولا يمكن لأي عقل ان يتخيل بيوتا آمنة مطمئنة، تضم بين جنباتها أرواحا تتوق للحياة، مفعمة بالضحكات والمسرات، انها ستصحو يوما من نومها، على اصوات صواريخ وهدم وتدمير، مضيفة انها لم تكن تعي في البداية ماذا يحدث، ولم تكن تدرك حجم المأساة التي تنتظرها هي وعائلتها، لم يكن عقلها يستوعب انها ستجد أخاها يوما بين يديها يقطر دما.
وتضيف عبيد انها كانت ليلة شتاء قاسية، كانت بداية شباط تم اقتحام المخيم وبدأ مسلسل الدمار، والدماء ملأت المكان، وكان اخي احمد بين العشرين جثة التي تم انتشالها، ولن انسى اصوات الرعب والصراخ، والقتل، والدمار، الذي ملأ الارجاء، في تلك الايام السوداء، وكان شتاء مخيفا من كل النواحي.
وترجع عبيد في ذاكرتها الى تلك الساعات و الايام التي تركت فيها مخيمها ونزحت الى بيت اخيها في مدينة طولكرم، ليكون مأوى يضم ٥٠ شخصاً في بيت واحد، لا خصوصية للنساء ولا راحة، ولا شيء مما كان عليه الوضع في بيتها.
ولكن عيونها تعلن الصمود والاصرار، وان لا شيء يمنعها من العودة الى بيتها، ومخيمها، الذي لن تألو جهدا عن الوقوف كل يوم، والمطالبة بعودته.
وكان "لواثق نيوز" لقاء آخر مع نازحة من مخبم طولكرم، هناء كحلة ، وهي ام لخمسة أطفال، نزحت خمس مرات وفي كل مرة يؤمنون بيتا، يأمرهم الاحتلال بتركه، تحت التهديد، وان لا عودة لهم للمخيم.
وتقول كحلة ان اطفالها في كل لحظة، يستذكرون همجية هذا الاحتلال والعنف الذي رأوه بأم أعينهم، وسمعوا الرصاص والهدم والتدمير، وكأنها نكبة اخرى مكتوب على الشعب الفلسطيني ان يحياها، مرة تلو الاخرى، مضيفة ان ابناءها حرموا من التعليم، ولم نستطيع تأمين مواصلاتهم الى مدارس اخرى، وقد خسرت جميع العائلات مصدر رزقها، ولا يمكنها العمل والاستمرار في تأمين قوت يومها، عدا عن اسئلة اطفالها عن ألعابهم، وبيتهم، وحياتهم السابقة، ولا جواب لهذه الاسئلة.
وتتساءل كحلة "لواثق نيوز" انه كم من عائلة شردت واصبحت تفتقد لكل مقومات الحياة والأمن والاستقرار والخصوصية، في ظل وجود عائلات باكملها، في مساحة لا تتعدى ال ١٠٠ متر مربع، عوضا عن الامراض وعدم تلقيهم المساعدة الطبية والغذائية، والضغط النفسي والخوف المستمر من إصابة الأطفال بالصدمات النفسية، لفقدانهم الشعور بالامان أو فقدان أحد أفراد الأسرة، من كبار السن، في ظل هذه المعاناة، وزيادة التكاليف المعيشية على الأسر النازحة.
على الرغم من كل هذه الظروف يبقى أهالي مخيم طولكرم مثالا للصمود والإصرار على البقاء في أرضهم، وايمانهم برجوعهم اليه واعماره مرة اخرى، رغم تضرر البنية التحتية وقسوة الظروف، فالنزوح بالنسبة لهم ليس تخليا عن المكان، بل خطوة اضطرارية للحفاظ على الحياة، والانسان اولا واخيرا، وحاجة ملموسة إلى دعم إنساني حقيقي، وأهمية نقل الصورة كاملة كما هي للعالم اجمع، لمنع هذا المحتل من تكرار هذه الانتهاكات وانهاء اللجوء تلو اللجوء لأصحاب الأرض والهوية الأصليين .



