الكاتب : الصحفي عبد الهادي بركة
الفيلم من اعداد طاقم الوكالة الفرنسية للأنباء AFP ، العاملين في غزة، وجرى عرضه في مقر المعهد الفرنسي بالقاهرة، بحضور السفير الفرنسي إيريك شوفالييه، والمستشار الثقافي لدولة فلسطين ناجي الناجي: وحضور لافت من الصحفيين، والمثقفين.
الفيلم الوثائقي "من داخل غزة " كشف عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنينين والصحفيين على وجه الخصوص، التي لم يسلم من آلة حربه بشراً، او حجر ، هذا ما استطاعت ان تصل إليه كاميرات الصحفيين الفلسطينيين في غزة للعالم، في محاولة منها بأن يخجل هذا العالم ليوقف هذه الإبادة عند هذا الحد من الإجرام.
وقد وثق الصحفيون صور الحرب والدمار، كما وثقوا حياتهم القاسية التي تعايشونها بين نقل الحقيقية وقسوة الحياة مع ذويهم .
وأنا أشاهد احداث الفيلم الوثائقي الذي يعرض امامي في شاشة لأول مرة أشاهد هكذا عرض، كمكان وشاشة سينما بهذا الحجم الصورة الدقيقة .
هذه المشاهد التي عرضت كثيرا ما كان يعيشها الزملاء وربما أفظع من ذلك، من حين لآخر انت أمام مشاهد مؤلمة، لا قدرة للعقل ان يتحملها، لكنك مجبرا على ان تتعايشها وانت أمام ارتباك لحظي، بين صوت وآخر لتلك القذائف التي تنهمر على مباني يتم استهدافها، فتنهار على من فيها، كصحفي ومتابع للاحداث كان يجب ان اكون مع الزملاء اشاهد الاحداث لحظة بلحظة كنت ارى الزملاء على عجل يمتشقون كاميراتهم ويذهبون مسرعين تجاه المكان المستهدف، وغالبا ما يكون بجوارهم اذ لم يعد مكان لم يتم قصفه. هذه المشاهد تأسرني وانا اتابع هذا العرض كأن صورة المكان تعود من جديد لذاكرتي لأن ما تعايشته من اهوال الحرب على غزة ربما طمس على ما بذاكرتنا من أيام جميلة عايشتها ولو للحظة قبل هذه الحرب. لتستوطن الذكريات الاليمة بدلاً لها . سكن صوت الرصاص بأشكالهُ وانواعه المتعددة الذاكرة حتى صار علينا ان نميز صنعه عندما تتفاوت مستويات صوته، وحجم فتاكته التي تحدثها بالاجسام، القذائف هي كذلك تسقط متنوعة الصوت ومختلفة القوة التدميرية وهذا اتضح لنا عندما كنا نهرع للمكان المستهدف في اللحظات الأولى قبل ان يخمد الدخان، ورائحة البارود ، اشاهد الجثث الملقاة بعد القصف مقسومة من النصف، او مفقودة الساق والذِراع، وكثيرا ما نجدهم يلفظون انفاسهم الأخيرة، وقل ما تجد ناجين بين هذا الركام الذي أطبق على من فيه ... على وقع هذا المشاهد يلتقط الصحفيون صورهم بينما تأخذ سيارات الإسعاف ما تبين من جثث او إصابات ويبقى الاهالي والاقرباء ينبشون في الركام بوسائلهم البسيطة في محاولة لأن يصلوا الى احد ممن هم تحت الانقاض، حتى يأتي عاقلُ يقول ماذا تفعلون أدعوا لهم بالرحمة لا حول ولاقوة لنا على هذا الدمار ....
بين هذه الصور من الدماء، والدمار، وقسوة الحياة، وبشاعة المشهد كان واقع الصحفيين الأكثر خطراً همُ الميدان لهذا الحدث ...
وانا أشاهد العرض كنت مشدوداً لأن المشاهد تعيد نفسها في ذاكرتي على اختلاف الاماكن التي التقطت به صور هذا الفيلم ، لكن في ذاكرة من بقي على قيد الحياة من الصحفيين الاف الصور التي ستبقى تصاحبهم لسنين طويلة ربما تخلد معهم في اماكن او حياة آخرى .
في الختام شكرا للعزيز الصحفي القدير محمد البابا وزملائه عادل الزعنون, وسعيد الخطيب وبلال بسام ، ومحمود الهمص، ومي ياغي والمخرجة هلين لام ترنك، أبطال هذا العمل الصحفي الإبداعي في توثيق أحداث الحرب على غزة, الذين ابدعوا هذا الانتاج الوثائقي الذي يوصل رسائل عديدة للعالم عن واقع الصحفيين الأكثر قساوة وظلما على مر التاريخ، وعن حياة الفلسطيني الذي يعاني مرارا بفعل الاحتلال الإسرائيلي وممارساته.
ويستمر البحث عن الحقيقة كما قالها الزملاء هذه المشاهد للسنة والنصف الأولى للحرب وان هناك الكثير من المشاهد والاحداث التي لم تصور والقصص التي لم يكشف عنها بعد .



