الكاتب : د. سليمان جرادات
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم برمته والمجتمع الفلسطيني بشكل خاص ، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، وأداة فاعلة في تشكيل الرأي العام. ومع أن هذه الوسائل لعبت دورًا مهمًا في نقل معاناة الفلسطينيين، وفضح ممارسات الاحتلال، وتعبئة الجماهير في وجه الظلم، إلا أن هذا الدور لا يخلو من مخاطر، أبرزها تأجيج المشاعر والانفعالات بصورة عشوائية قد تهدد النسيج الوطني، خاصة عندما تُستخدم بطريقة غير منضبطة ولا تراعي المصلحة العامة.
فالشعب الفلسطيني، الذي أبدع في تحويل معاناته إلى قوة ضاغطة دولياً، مدعو اليوم إلى إعادة إنتاج هذه الخبرة في الفضاء الافتراضي، ليكون رقماً صعباً في معادلة الحرب الإعلامية، وقادراً على حماية نسيجه الاجتماعي وهو يحقق انتصاراته الرقمية يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحويل هذه المنصات إلى أدوات بناء لا هدم، تعكس صورة الشعب الفلسطيني بمكوناته كافة صامداً في وجه الاحتلال، موحداً في وجه محاولات التقسيم، منتمياً لقضيته العادلة وهذا لن يتحقق إلا بتبني ميثاق شرف مجتمعي يجمع بين قوة الرواية وحكمة الأداء، لضمان أن تبقى وسائل التواصل في خدمة المشروع الوطني التحرري، لا أداة لتمزيق نسيجه من الداخل.
إن ما ينشر عبر المنصات بين الفينة والأخرى ، وإن بدا فرديًا أو عفويًا، سرعان ما يتسارع ويتحول إلى موقف عام، ويؤثر في المزاج الشعبي، خصوصًا في السياقات المتوترة سياسيًا أو اجتماعيًا او اقتصاديا او امنيا . فقد شهدنا في العديد من المحطات كيف أن تدوينة أو مقطعًا مجتزأ قد يؤدي إلى إشعال نزاع داخلي، أو إثارة فتنة، أو تحميل جهات بعينها مسؤوليات دون تحقق أو تروٍّ ، وهذا ما يجعل الحاجة ملحة إلى تقنين استخدام هذه الوسائل ضمن إطار وطني جامع، يراعي حساسية السياق الفلسطيني وتعقيداته، ويحول دون أن تتحول المنصات إلى ساحة للفوضى الرقمية.
من هنا، تبرز أهمية تطبيق البعد القانوني، حيث بات من الضروري سن تشريعات واضحة تنظم استخدام مواقع التواصل، وتجرم التحريض على العنف والكراهية، وتحد من نشر الإشاعات والمعلومات المضللة، دون أن تمس بحرية التعبير المسؤولة ، كما أن تطبيق هذه التشريعات يجب أن يكون على أسس نزيهة ومتوازنة، تراعي المصلحة الوطنية العليا، وتحمي كرامة الأفراد، وتحافظ على السلم الأهلي والامن المجتمعي.
أن البعد التربوي ذو أهمية كبيرة ، إذ إن الوعي باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الرقمي لا يبنى فقط عبر العقوبات، بل عبر الارشاد والتعليم فالمؤسسات التعليمية الفلسطينية مدعوة لأن تدرج في مناهجها مواد تتعلق بالأخلاق الرقمية واهميته لتعلم الطلبة كيفية التعامل الواعي مع المعلومات، وطرق التحقق منها، وتجنب الانسياق خلف العناوين المثيرة أو الخطابات التحريضية ، كما أن الأسرة عليها مسؤوليات بصفتها الحاضنة الأولى مطالبة بمتابعة سلوك الأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها وتوجيههم نحو القيم الإيجابية في التعبير والنقاش.
لا شك بان البعد الديني، يمثل المرجعية الأخلاقية التي لا غنى عنها في السياق الفلسطيني، خاصة في ظل استغلال بعض الجهات للدين والخارجة عن القانون في التجييش أو التحريض فقد حث الإسلام على حفظ النفس والكرامة، ونهى عن إشاعة الفتنة، والغِيبة، والبهتان، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى البغضاء بين الناس، ومن هنا، فإن الخطاب الاعلامي يجب أن يسهم في التهدئة ، والدعوة إلى التسامح، وتحريم الاعتداء على النفس والممتلكات، وتوجيه الناس نحو الحوار والإصلاح بدلاً من التأزيم والفرقة.
وفي قلب كل هذه الأبعاد، يبقى البعد الوطني هو الإطار الأوسع والأسمى في مجتمعنا الفلسطيني ، فوسائل التواصل يجب أن تكون أداة لتعزيز الانتماء الوطني، والدفاع عن الحقوق، ونشر الوعي بالقضية الفلسطينية، بدلاً من أن تستخدم كوسيلة لنقل الخلافات الداخلية، أو الإساءة إلى رموز الشعب، أو التقليل من تضحياته فالفلسطينيون يخوضون معركة وجود، ويواجهون احتلالًا يمارس كل وسائل القتل والتدمير و يراهن على تفتيت الوعي وتمزيق الصفوف ، وليس من الحكمة أن نمنحه أدوات لذلك لتحقيق أهدافه.
ان الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل من كافة الشرائح المجتمعية يعتبر ركيزة أساسية لبناء مجتمع فلسطيني متماسك في عصرٍ تشكل فيه وسائل التواصل الاجتماعي سلاحا ذا حدين، يبرز الاستخدام الواعي لهذه المنصات كضرورةٍ حتمية للحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية ففي ظل تشريعات رادعة تحمي المجتمع من خطاب الكراهية والمحتوى المضلل، وتعزز القيم النقدية والإعلامية، وخطاب ديني معتدل يدعو إلى الوحدة والمسؤولية الأخلاقية، يصبح الفضاء الرقمي أداةً فاعلة في بناء فلسطين المستقبل.
إن تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ ثقافة كل كلمة مسؤولية يجنب المجتمع مخاطر الاستقطاب والتفكك، ويحول المنصات الاجتماعية إلى جسورٍ للحوار البناء، وتعكس صورة فلسطين الحقيقية: أرضا تقاوم بالكلمة كما بالحجر وتصنع مستقبلها بوحدة لا تعرف الانكسار. فليس هناك مكان للشائعات أو الخطاب التخويني حين يدرك كل مواطن أن زر نشر قد يكون بداية فعل تغييري أو هدم لا يعوض. فحين يصبح لكل كلمة وزن، ولكل منشور مسؤولية ، سنكون أقرب إلى بناء فضاء رقمي آمن، يعكس صورة فلسطين التي ننشدها: حرة، موحدة، وعادلة.
*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراة في الوظيفة العمومية



