الكاتبة : ميساء عصفور
في عالم يتسم بالتغيرات المتسارعة، لم يعد التعليم مجرد عملية نقل للمعلومات، بل أصبح منظومة متكاملة تهدف إلى بناء شخصيات قادرة على التكيف والابتكار والمساهمة الفاعلة في مجتمعاتها. وفي قلب هذه المنظومة، تبرز العلاقة التكاملية بين المنزل والمدرسة كعنصر حاسم في تحقيق الجودة الشاملة للعملية التعليمية. هنا يأتي دور مجالس أولياء الأمور والمعلمين، التي لا تُعد مجرد لجان استشارية، بل هي شراكات حقيقية وديناميكية تُشكل جسرًا حيويًا بين البيئتين الأهم في حياة الطالب. إن تفعيل هذه المجالس ليس رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان بيئة تعليمية محفزة، شاملة، ومستدامة.
إن تفعيل دور مجالس أولياء الأمور والمعلمين ليس مجرد إضافة بروتوكولية للمدرسة ، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل التعليم ومستقبل الأجيال. عندما تتضافر جهود المنزل والمدرسة في شراكة حقيقية مبنية على الثقة والاحترام المتبادلين، فإن النتائج تتجاوز مجرد التحصيل الأكاديمي. إنها تُسهم في بناء شخصيات متوازنة، واثقة، ومسؤولة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة والمساهمة بفعالية في بناء مجتمعاتها. إن الجودة الشاملة في التعليم لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن هذه الشراكة، فهي جسر للنجاح والتميز و التكاملية الذي نطمح إليه في العملية التربوية التعليمية .وتنطلق فلسفة تشكيل وعمل مجلس أولياء الأمور من تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمجتمع لتحقيق التنشئة الإجتماعية السليمة للأطفال وإشباع الاحتياجات النفسية والمعرفية لهم وتحقق أواصر التعاون بين المدرسة والمجتمع المحلي و المشاركة المجتمعية ، وذللك كثمرة لمبدأ "التعليم مسؤولية الجميع"
يكمن دور مجلس أولياء الأمور في البيئة المدرسية في هذه العناصر الرئيسة والتي من شأنها أن تساهم في تحقيق جودة التعليم الشاملة.
تعزيز التواصل الفعال وبناء الشراكة الحقيقية :
إن جوهر فعالية مجالس أولياء الأمور والمعلمين يكمن في قدرتها على بناء قنوات تواصل مفتوحة وشفافة. فالتواصل ليس مجرد إرسال رسائل أو إعلانات، بل هو حوار مستمر يهدف إلى فهم عميق لاحتياجات الطالب وتحدياته. من خلال اللقاءات الدورية المنظمة، وورش العمل التفاعلية، وحتى استخدام المنصات الرقمية الحديثة (مثل بوابات المدارس الإلكترونية وتطبيقات التواصل)، يتمكن أولياء الأمور من متابعة التقدم الأكاديمي والسلوكي لأبنائهم بشكل مستمر. في المقابل، يكتسب المعلمون رؤى قيمة حول الظروف الأسرية والاجتماعية التي قد تؤثر على أداء الطالب، مما يمكنهم من تصميم استراتيجيات تعليمية أكثر فعالية ومراعاة للفروق الفردية.
هذا التواصل ثنائي الاتجاه يعزز الثقة المتبادلة والاحترام بين الأطراف. عندما يشعر ولي الأمر بأنه شريك حقيقي في العملية التعليمية، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات، يزداد دعمه للمدرسة والتزامه بأهدافها. هذا الدعم ينعكس إيجابًا على الطالب، الذي يشعر بالمساندة من جميع الجهات، مما يعزز دافعيته للتعلم ويقلل من احتمالية مواجهته لمشكلات أكاديمية أو سلوكية. الشراكة الحقيقية تتجاوز مجرد الحضور في الاجتماعات؛ إنها تتجلى في تبادل الخبرات، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي للطلاب، والعمل المشترك على حل أي تحديات قد تنشأ.
المشاركة الفاعلة في صنع القرار وتطوير المناهج :
يمتد دور مجالس أولياء الأمور والمعلمين إلى ما هو أبعد من التواصل ليشمل المشاركة الفاعلة في صنع القرار على مستوى المدرسة. يمتلك أولياء الأمور، بحكم تجربتهم المباشرة مع أبنائهم واحتكاكهم بالمجتمع، منظورًا فريدًا يمكن أن يثري النقاشات حول السياسات المدرسية، وتخصيص الموارد، وتصميم الأنشطة اللامنهجية، وحتى تطوير الإطار العام للمناهج الدراسية.
على سبيل المثال، يمكن للمجالس أن تقدم مقترحات بناءة لتحديث المناهج لتتواكب مع متطلبات سوق العمل المتغيرة، أو لإدراج مهارات القرن الحادي والعشرين مثل التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع. كما يمكنهم المطالبة بتوفير برامج دعم إضافية للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة أو المتفوقين، أو اقتراح أنشطة تعزز القيم الأخلاقية والمواطنة الصالحة. هذه المشاركة تضمن أن القرارات المتخذة في المدرسة تعكس رؤية مجتمعية أوسع وتلبي احتياجات الطلاب بشكل أكثر شمولية. إن إشراك أولياء الأمور في هذه العملية يعزز من شعورهم بالملكية والمسؤولية تجاه المدرسة، ويؤدي إلى قرارات أكثر استنارة وفعالية. إنه يجسد مفهوم "الحوكمة المشتركة" في التعليم، حيث تتقاسم جميع الأطراف المعنية مسؤولية قيادة المؤسسة التعليمية نحو التميز.
دعم البيئة المدرسية وتحفيز الأنشطة اللامنهجية :
لا تقتصر مساهمات مجالس أولياء الأمور والمعلمين على الجانبين الأكاديمي والإداري فحسب، بل تمتد لتشمل دعم البيئة المدرسية الشاملة. يمكن لهذه المجالس أن تكون قوة دافعة في تنظيم الفعاليات المجتمعية، وجمع التبرعات لدعم المشاريع المدرسية (مثل تحسين المكتبات أو المختبرات)، والمساهمة في برامج التجميل والصيانة للمرافق المدرسية. كما يمكن لأولياء الأمور التطوع بوقتهم وجهدهم في الأنشطة الصفية واللامنهجية، مثل المساعدة في الرحلات الميدانية، أو تنظيم الفعاليات الرياضية والفنية، أو تقديم الدعم للطلاب في مشاريعهم البحثية او تنظيم جلسات عمل لزيادة الوعي المجتمعي بقضايا الأطفال وأهمية تسليط الضوء عليها لتحقيق المصلحة الفضلى للأطفال .
هذا الدعم العملي يخلق مناخًا مدرسيًا إيجابيًا ومحفزًا، حيث يشعر الطلاب بالانتماء والدعم من مجتمعهم المدرسي الأوسع. كما يلعب أولياء الأمور دورًا حيويًا في تشجيع أبنائهم على المشاركة في الأنشطة اللامنهجية التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من التنمية الشاملة للطالب. فمن خلال الرياضة والفنون والنوادي الثقافية والعلمية، يكتسب الطلاب مهارات حياتية أساسية مثل العمل الجماعي، القيادة، إدارة الوقت، وحل النزاعات. دعم أولياء الأمور لهذه الأنشطة يعزز من شعور الطلاب بأهمية هذه الخبرات ويحفزهم على استكشاف مواهبهم وتطوير قدراتهم خارج نطاق المناهج الدراسية التقليدية.
مواجهة التحديات وتعزيز الانضباط :
في أي مؤسسة تعليمية، لا بد أن تظهر بعض التحديات التي قد تؤثر على جودة التعليم أو على البيئة المدرسية. هنا، يمكن لمجالس أولياء الأمور والمعلمين أن تشكل رابطة موحدة وقوية لمواجهة هذه التحديات بفعالية. سواء كانت المشكلة تتعلق بالتسرب الدراسي، أو ضعف التحصيل العلمي لبعض الطلاب، أو انتشار بعض السلوكيات غير المرغوبة مثل التنمر أو الغياب المتكرر، أ احدى القضايا التي تؤثر سلبا على حياة الأطفال مستقبلا فإن التعاون بين المنزل والمدرسة هو المفتاح.
من خلال التنسيق المشترك، يمكن وضع آليات واضحة للتعامل مع المشكلات السلوكية للطلاب، وتطبيق سياسات انضباطية عادلة ومتسقة. هذا التعاون يضمن أن الرسائل المتعلقة بالانضباط والقيم تصل إلى الطالب من كلا الجانبين (المنزل والمدرسة)، مما يعزز من فعاليتها. كما يمكن للمجالس أن تساهم في تصميم وتنفيذ برامج توعية لأولياء الأمور حول كيفية دعم أبنائهم في التغلب على الصعوبات الأكاديمية أو السلوكية، وتوفير الموارد اللازمة لهم. إن بناء بيئة مدرسية آمنة ومستقرة، حيث يشعر الطلاب بالاحترام والتقدير، هو مسؤولية مشتركة، ومجالس أولياء الأمور والمعلمين هي الأداة المثلى لتحقيق ذلك.
على الرغم من الأهمية القصوى لمجالس أولياء الأمور والمعلمين، إلا أنها قد تواجه بعض التحديات التي تعيق فعاليتها الكاملة. ومن أبرز هذه التحديات التي تواجه الشراكة بين أولياء الأمور و المدرسة :
أولا : معيقات متعلقة بأولياء الأمور مثل عدم اهتمامهم او استعدادهم للمشاركة في فعاليات المجالس وضعف مهارات الاتصال والتواصل لدى أولياء الامور ، أو قدرتهم على المساهمة في عملية ااتخاذ القرار و المشكلات الاسرية .
ثانيا : المعيقات المتعلقة بالمدرسة وطاقم التدريس مثل عدم وجود أماكن مخصصة لتنفيذ الفعاليات الخاصة بالمجلس وعدم توفير الدعم اللوجستي المناسب لتنفيذ الأنشطة والعجز في الميزانية المخصصة لتنفيذ الانشطة التي يخطط لها المجلس . انشغال او قلة دافعية البعض من طاقم التدريس للمشاركة في سبل تحقيق الأهداف الخاصة بالمجلس ومن ناحية فنية أكثر عمقاً قد تشكل أدوات التقييم التقليدية عائقا أمام قدرة المعلمين على اعطاء تغذية راجعة دقيقة حول الاطفال وبالتالي يؤدي الى تقليص نتائج الجهود التي يبذلها المجلس
وللتغلب على هذه التحديات، يجب تبني حلولا مبتكرة وابداعية مثل :
• المرونة في المواعيد من خلال توفير خيارات متعددة لمواعيد الاجتماعات (صباحًا، مساءً، عبر الإنترنت) لاستيعاب جداول أولياء الأمور المختلفة.
• توضيح الأدوار ووضع لوائح داخلية واضحة تحدد مهام وصلاحيات المجلس وأعضائه.
• بناء قدرات أعضاء المجلس وتوفير ورش عمل وتدريبات حول مهارات التواصل الفعال، حل المشكلات، وصنع القرار، التخطيط ، اعداد التقارير ، المتابعة والتقييم و الضغط والمناصرة
• تعزيز قدرات مجلس أولياء الامور في حملات لقضايا الأطفال و المبادرات المجتمعية المتعلقة بالاطفال جلسات تعزيز الوعي بالانضباط الايجابي وحماية الطفولة ومسارات الاحالة
• تنفيذ أنشطة لبناء الثقة بين المدرسة و أولياء الامور وأنشطة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للاطفال وأولياء الامور سوية لخلق بيئة ايجابية سليمة تساهم في تحقيق رفاهية الأطفال .
• الاستفادة من التكنولوجيا من حيث استخدام المنصات الرقمية لتسهيل التواصل، تبادل المعلومات، وإدارة الاجتماعات عن بُعد.
• الاحتفال بالنجاحات وتسليط الضوء على الإنجازات التي تتحقق بفضل جهود المجلس لتعزيز الدافعية والمشاركة.
• التنوع والشمولية والتأكد من تمثيل جميع فئات أولياء الأمور في المجلس لضمان تغطية أوسع للاحتياجات والآراء.
• تبني مبدأ المشاركة المجتمعية وتحقيق مبادئ الانسانية والحياد وعدم الانحياز والاستقلالية لضمان مشاركة حقيقية آمنة في العملية التعليمية
لضمان استمرارية فعالية مجالس أولياء الأمور والمعلمين، من الضروري قياس الأثر وتحقيق التميز المستمر بوضع آليات لقياس أثرها وتقييم أدائها بشكل دوري. يمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من الاستبيانات التي تساهم في التحسين والتطوير المستمر مثل استبيانات الرضا وتستخدم لقياس مدى رضا أولياء الأمور والمعلمين والطلاب عن الخدمات المقدمة و لجمع آرائهم حول فعالية المجلس وتأثيره ، مؤشرات الأداء الأكاديمى لمتابعة تحسن مستويات الطلاب في الامتحانات والتقييمات ، مؤشرات السلوك والانضباط لرصد انخفاض معدلات الغياب والمشكلات السلوكية ، ومؤشر مستوى المشاركة لقياس نسبة حضور أولياء الأمور في الفعاليات والاجتماعات . هذه المؤشرات، سواء كانت كمية أو نوعية، توفر صورة واضحة عن مدى نجاح المجلس في تحقيق أهدافه وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير.
ان الدور التكاملي الذي يخلقه اتحاد مجلس أولياء الأمور والمعلمين يساهم بشكل حيوي وفعال في تحسين وتطوير العملية التعليمية ويقدم خدمة شاملة متكاملة للأطفال مما يؤدي الى تحقيق الجودة الشاملة في المؤسسة التعليمية والعلمية التربوية ككل .
*ناشطة تربوية



