الكاتب : الاديب الشاعر/هيثم جابر
أن تكتب ولديك كل الإمكانيات المادية والمعنوية هذا شيء طبيعي جدا ،تستطيع أن تختار الوقت والزمان الذي يناسبك وتكتب ،لاشيء ينغص عليك وقتك ،ولا فكرك ،تمارس طقوسك الكتابية ،تعد قهوتك ،تجلس في مكان هادئ وتبدأ بسكب افكارك .
على اوراقك الخاصة والجميلة ،تختار نوعية الورق ، ونوعية القلم أو ان تكتب مباشرة على جهاز الكمبيوتر خاصتك فهذا وضع طبيعي ،لا شيء خارقا للعادة ،ولا شيء استثناءا في ذلك ..لكن أن تكتب وانت في السجن ، والقيود تحيط بك من كل حدب وصوب فهذا هو الاستثناء .في السجن انت لاتملك وقتك ولا حتى ادوات الكتابة بشكل طبيعي ،لا الوقت ملكك ولا الزمان لك ، تخاف أن يأتي العدد في اي لحظة ،تخاف أن تكون هناك مداهمة أو تفتيشا ،فيذهب كل ما كتبت ادراج الرياح ويتم مصادرتها من قبل السجان ،ثم المكان الكئيب الذي يفرض عليك لونا واحدا من ألوان الكتابة ،فلا انت مطلع على الأحداث بشكل كامل ولا انت حر لتحاور الناس وتتبادل معهم الأفكار والمعلومات ،ان تكتب في حيز ضيق ،في وقت ضيق ،في زمان ضيق ، المعلومات ناقصة ،والمكان والزمان ،تضيق بك من كل جانب ،ومع ذلك تكتب ،انت لم تسافر ولم تر اماكن ولا بشر لاثراء تجربتك الكتابية والإبداعية ،ومع ذلك تكتب .
تكتب شعر الحرب بناء على ما تسمعه من اخبار شحيحة ، وتكتب شعر الغزل بناء على ما تتخيله في حبيب المستقبل ،او ربما أن رأيت امرأة جميلة في تلفاز أو في مخيلتك الجائعة للانوثة والجمال ،كل شيء حولك مختلف ،لا شيء يشبه الحياة الطبيعية في ذلك المكان الكئيب ،ومع ذلك تستطيع اقتناص برهة من الليل ،دون أن يرقبك سجان وتكتب شيئا ،يشعرك انك لا زلت انسانا لك رسالة تؤديها اتجاه كينونتك ونفسك وشعبك ووطنك.
لكن أن تكتب في زمن الحرب فهذه مغامرة لا تحمد عقباها ،ربما تكلفك تلك الكلمات حياتك ،مجرد سؤال ،سألة الأسير الشهيد "ثائر ابو عصب "لأحد السجانين "هل هناك هدنة تلوح في الأفق"؟
فكان جواب هذا السؤال ،ان الشهيد الأسير "ثائر " ارتقى للعلا بعد لحظات نتيجة الضرب المبرح بهدف القتل. بعد الحرب أصبحت الكتابة شيء من المستحيل ، وترف لا يمارسه الا المجانين ،لا وقت لديك ، الرعب سيد الموقف ،تنتظر موتك بكل لحظة ، لا تملك إلا ملابسك التي ترتديها ،فالحصول على قلم وورقة كانك تقوم بتهريب سلاح ،او كأنك تقوم بمغامرة حربية من مغامرات السوبر مان ، بعد أن مر على الحرب أشهر طويلة ،لم نشهد شيئا منها ،بعد أن تم مصادرة حتى ملابسنا الداخلية ،قطعت عنا الماء والكهرباء ولا أبالغ اذا قلت حتى الهواء.
إنه الجحيم بحد ذاته ،تفقد حياتك لسبب تافه جدا ،،ربما يقتلوك أن وقفت على باب الزنزانة لترقب شيئا من احباطك وألمك وقهرك .ذات مرة استطعت أن أحصل على قلم من سجان كنت اعرفه قبل الحرب ،قمت بتجميع اوراق أوامر الاعتقال الإداري ، وبعد ذلك اهتديت إلى اوراق الجبنة الصفراء المربعة ،وكنت انظفها واجففها لأكتب عليها .
كتبت اجزاء مبعثرة من قصائد متنوعة وكنت أخفيها اوقات التفتيش والفحص الأمنى ساعدنا في ذلك طريقة السير التي فرضها علينا السجان وهي أن نمشي على أربعة ارجل منحني القامة والظهر ،حتى كانت هناك مداهمة مفاجئة مما اضطرني لاخفاء الاوراق في كيس المهملات .لكن للاسف تم العثور عليها .
وتم العثور على قصيدة باللغة العبرية ، كنت امتحن نفسي في الاستطاعة الكتابة بلغة غير اللغة الأم .يومها اتهمني السجان أن القصيدة ..قصيدة حب ،وهي موجه إلى إحدى السجانات وهي ابعد ما تكون عن الحب ،اردت أن احاكي قصيدة محمود درويش ، "بين رتا وعيوني بندقية" لكن الجريمة كانت أنني كتبتها باللغة العبرية ..لذلك ارسلوني إلى العزل لمدة عشرين يوما .
وتم معاقبة الغرفة عقوبات متفاوتة لانه ضبط فيها اوراق وقلم . إضافة إلى شبحنا مكبلي الأيدي والارجل في غرفة انتظار من الصباح حتى المساء ..كل ذلك من أجل ورقة وقلم ..لقد كانت الكتابة المستحيلة في الحرب بعد السابع من أكتوبر كتابة مجبولة بالدم والأهات ..عدى عن الممارسات الإجرامية التى ربما سمع عنها البعض في "ابو غريب غوانتانامو" لكن القلم بقي حيا والكلمات استلقت على شاطئ الورق .ورغم الموت والإرهاب والتجويع إلا أن هناك متسعا من شظايا زمن للكتابة، في زمن الحرب والموت ، ولدت عدة مشاريع كتابية لدي ،خاصة بعد أن تم اغتيال دواني الشعري الرابع ، سأنتقل لكتابة الديوان الخامس .. وسانجز رواية القديسات ..وسأكتب عن الفن الروائي في القرآن ..و سأنجز كتاب ." اضواء على الإعلام الاسرائيلي" وانجز كتابي التاريخي ..الانقلاب الأموي على الإسلام " كلها مشاريع كتابية ولدت في الحرب .سيكون هناك متسع للكتابة.. لكن هذه المرة بنكهة الحرية ..



