الكاتب : المؤرخ تامر الزغاري
نلاحظ أن لقب "بائع الجولان" هو أكثر الألقاب التي اشتهر بها حافظ الأسد، وهذا ليس من فراغ، فقد كان تسليم وزير الدفاع حافظ الأسد للجولان هو الثمن الذي دفعه مقابل أن ينال حكم سوريا، وهذه صفقة مثبتة أكدها وزير الأعلام السوري عام 1967م محمد الزعبي، وضباط كبار شاركوا في الحرب وأهمهم رئيس أركان الجيش السوري أحمد السويداني وقائد جبهة الجولان السابق فهد الشاعر وضابط الاستخبارات السوري خليل مصطفى وغيرهم الكثيرين، فهنا نحن نستند لمراجع وشخصيات قيادية شاركت في تلك الحرب وشاهدوا بأنفسهم مجرياتها، وسألخص موضوع بيع حافظ الأسد للجولان في النقاط التالية:
1) في بداية الستينات خططت إسرائيل لإحتلال الجولان السوري، وذلك لما يمثله من إرتفاع استراتيجي يصل إلى 2500 متر ليمثل برج مراقبة طبيعي يكشف سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وليكون أيضا جداراً طبيعياً يحمي إسرائيل، وليوفر لإسرائيل المياه والأراضي الزراعية، حيث كان الجولان قبل عام 1967م يوفر لسوريا 14٪ من إحتياجاتها المائية، وكان أيضا أكثر المحافظات السورية خصوبة.
2) لتحقيق هذا الهدف زرعت إسرائيل في سوريا الجاسوس إيلي كوهين ولكن بإسم كامل ثابت بصفته سوري مسلم ثري مغترب في الأرجنتين، وقرر أن يعود إلى وطنه سوريا ليفيدها بخبراته وأمواله، فنجح بأن يصبح من قياداتها بعد إنقلاب البعث عام 1963م، ونجح إيلي كوهين عام 1964م بتصوير خطوط الدفاع السورية في الجولان ومواقع الألغام، مستغلا مكانته والتي كاد بسببها أن يصبح رئيس وزراء سوريا ولكن كُشف أمره وتم القبض عليه ثم تم إعدامه في 1965/05/18م.
3) في 1965/05/19م سافر حافظ الأسد إلى لندن بعد يوم واحد من إعدام إيلي كوهين بحجة العلاج، ولكن كشفت الوثائق البريطانية واهمها وثيقة رقمها التسلسلي EY 1224، بأن حافظ الأسد اعد له برنامج عمل كامل من وزارة الدفاع البريطانية وأنه التقى بالوزير البريطاني جورج طومسون وهو وزير الدولة للشؤون الخارجية ومن صلاحيات هذه الوزارة الاشراف على المستعمرات البريطانية، فكانت لقاءات حافظ الأسد سرية آنذاك، لأنه كان مسافراً بحجة العلاج ولأن منصبه كان قائد القوات الجوية فلا يجوز له الإجتماع وتحديد سياسات ومصالح سوريا.
4) خلال هذه اللقاءات وافق حافظ الأسد على أن يكمل مسيرة إيلي كوهين في أن تأخذ إسرائيل الجولان ولكن مقابل أن ينال حافظ الأسد حكم سوريا، فحتى باتريك سيل الذي كتب مذكرات حافظ الأسد بأمر منه لم ينكر في مذكراته بأن هناك هدفا ظاهرا وهو العلاج يخفي أهدافاً سرية، ولم ينكر باتريك سيل بأن حافظ الأسد إلتقى بشخصيات أخرى غير طومسون، وكما أن بقاء حافظ الأسد في بريطانيا استمر ثلاثة أشهر، فوصفها باتريك سيل بأنها لم تكن علاج لأمراض طبية بل لأمراض دبلوماسية تخص حافظ الأسد.
5) كشف القيادي البعثي احمد ابو صالح "بأن تحركات حافظ الأسد المريبة في بريطانيا تم كشفها، وأثارت حوله الشكوك فتم القبض عليه عندما عاد إلى سوريا، وتم التحقيق معه في مطار الضمير وتولى التحقيق المقدم بدر جمعة وكان موضوع التحقيق لقاء حافظ الأسد مع شخصيات مشبوهة"، ولكن مساندة صلاح جديد وعدد من الضباط أخرجت حافظ الأسد من هذه الأزمة، والذي أصبح عام 1966م وزيراً للدفاع، وبمجرد توليه أقال قائد الجولان فهد الشاعر وعين مكانه أحمد المير ليقوم بمهمة التسليم.
6) في حرب 1967م قام وزير دفاع سوريا حافظ الأسد بتسليم الجولان، حيث بدأت الحرب في 1967/06/05م، واستمر الجيش السوري واقفاً لا يتقدم رغم عدم تعرضه لأي ضغط اسرائيلي في البداية، ورفض حافظ الأسد اقتراح القيادة المشتركة بإستغلال انشغال إسرائيل في مصر بقيامه بمهاجمة طبريا، وفي تاريخ 1967/06/09م بدأ الجيش الإسرائيلي بإحتلال الجولان بعد أن تفرغ من مصر والضفة وغزة.
7) بدل أن يأمر وزير الدفاع حافظ الأسد جيشه بالدفاع عن الجولان أمرهم بالإنسحاب، وهذا ما قاله رئيس الأركان أحمد السويداني وكذلك قائد جبهة الجولان السابق فهد الشاعر والذي أكد أن الانسحاب كان نتيجة أوامر سياسية وليس قرارًا عسكريًا، مشيرًا إلى أن القيادة خذلت الجنود في الميدان، وحتى سعد الدين الشاذلي قال "بأن الدفاعات السورية كانت قادرة على الصمود، وأن الانسحاب جاء نتيجة قرار سياسي مشبوه أكثر من كونه هزيمة عسكرية"، وتم تسليم الجولان بإنسحاب قائد الجولان اللواء أحمد المير والمقدم رئيف علواني والنقيب رفعت الأسد بقواتهم من الجولان ليتسلمها الجيش الإسرائيلي، ولكن عددا من الضباط الصغار قاوموا، ومنهم النقيب "محمد سعيد يونس" الذي بقي في المنصورة يقاوم حتى استشهد مع جنوده، وأيضاً الملازم أول "رفيق سكاف" بقي في تل الفرس واستشهد مع جنوده، والنقيب "أسعد بدران" الذي قاوم مع جنوده في الخشينة حتى أصيب ونجا ولكنه بدل أن يُكافأ حوكم بتهمة عصيان الأوامر بالإنسحاب.
8) وأما تسليم القنيطرة في 1967/06/10م فقصتها معروفة وموثقة، فقد أعلن حافظ الأسد سقوطها قبل أن يصل لها الجيش الإسرائيلي، فحديثاً قال وزير الإعلام السوري آنذاك محمد الزعبي بأن حافظ الأسد طلب منه إذاعة البيان رقم 66 والذي يشير إلى سقوط القنيطرة، ولكن بعد ذلك تم إكتشاف أن القنيطرة لم تكن وقتها قد سقطت وهذا أدى لدب الفوضى بين الجنود السوريين في القنيطرة، وبعد كشف خيانة حافظ الأسد بتسليمه للقنيطرة، لم يقم بتدارك الأمر بل أمر من تبقى من الجنود السوريين في القنيطرة بالانسحاب بحجة أن القنيطرة سقوطها مسألة مؤكدة.
9) بعد انتهاء الحرب باحتلال الجولان والقنيطرة استمر حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وهذه حالة فريدة تاريخياً، بأن يستمر وزير دفاع في منصبه رغم هزيمته المدوية واحتلال اراضي من بلده، وأما رئيس الأركان أحمد السويداني فاتهم حافظ الأسد بشكل علني بالخيانة، وقال بأنه كان متواجداً في القنيطرة عند الإعلان عن سقوطها وأن أقرب اسرائيلي لها كان على بُعد 4كم، وفي شهر 2-1968م طالب رئيس الأركان أحمد السويداني بعمل تحقيق معه ومع حافظ الأسد أو قبول استقالته، فما كان من صلاح جديد إلا أن قام بقبول استقالة أحمد السويداني وقام بترقية حافظ الأسد، وفي عام 1969م تم سجن أحمد السويداني.
10) في عام 1970م اشتعل الخلاف بين صلاح جديد وحافظ الأسد وعندها صرح صلاح جديد بخيانة حافظ الأسد في حرب 1967م، ولكن الوقت قد فات ودفع صلاح جديد ثمن مداراته لحافظ الأسد الذي إنقلب عليه وسجن صلاح جديد مع أحمد السويداني، وتولى حافظ الأسد الحكم عام 1971م، وفي عام 1974م وقع حافظ الأسد مع إسرائيل اتفاقية فض الإشتباك، والتي بها بقي الجولان تحت حكم إسرائيل وبقيت مساحات واسعة بين الجولان ودمشق كمنطقة عازلة، يُمنع أن يدخلها الجيش السوري إلا بأعداد رمزية وبإذن إسرائيلي، وحتى جبل الشيخ بقي أغلبه مع إسرائيل، والقسم الأصغر السوري لا يتجاوز عدد الجنود السوريين فيه 20 جنديا، وبهذا أصبحت الحدود السورية بالنسبة لإسرائيل أكثر الحدود هدوءاً واستقراراً.
*** المصادر :
1) سقوط الجولان، خليل مصطفى
2) الأرشيف البريطاني
3) خفايا سقوط الجولان، فهد الشاعر
4) الأسد: الصراع على الشرق الأوسط، باتريك سيل
5) السقوط الكبير: حرب 67 وسر الجولان، محمد حسنين هيكل
6) في خدمة السلطان: مذكرات ضابط عربي، زين الدين مصطفى
7) النظام السوري والجولان، عبد الله عبد الله



