الكاتب : د بسام سعيد
وأنا أتجول اليوم في سوق السجائر بدير البلح، وسط رائحة الدخان، وبين باعة الشاي والقهوة الجائلين، خطر ببالي سؤال: كيف استطاع مهاجرون وأبناء مهاجرين من أصول صومالية وفلسطينية ومصرية الوصول إلى مواقع مؤثرة في الحياة السياسية الأمريكية، والمشاركة في صناعة القرار داخل المجتمع الذي هاجر إليه آباؤهم أو وُلدوا فيه؟
وكيف استطاع زهران ممداني، ابن الأربعة والثلاثين عاماً، أن يصبح عمدة لنيويورك؟
نظرت حولي إلى عشرات الباعة الشبان، بوجوههم المرهقة وأحلامهم الملفوفة بورق التبغ، وقلت في نفسي: لعل بين هؤلاء عمدة مؤجلاً، أو عضواً في الكونغرس بوزن عبدول المصري! لكن يبدو أن الحظ اختار لبعضهم أن يولدوا هناك، لا هنا. فبدلاً من توزيع الوعود الانتخابية، ينشغلون بتوزيع سجائر بطعم الملوخية والمارلبورو والرويال، والدخان الشامي أو العربي اللي" بيعدّل المزاج" !
يا لبؤس الواقع، ويا لفارق الفرص حين تكون قيمة الإنسان محكومة بالمكان الذي وُلد فيه، وبالمؤسسات التي تتيح له أن يحوّل قدراته إلى إنجاز!
إن صعود أبناء المهاجرين إلى مواقع سياسية متقدمة في الولايات المتحدة يضعنا أمام حقيقة اجتماعية تستحق التأمل: الكفاءات البشرية لا تنتمي إلى جغرافيا بعينها، والطموح لا تحدّه الأصول العرقية أو الخلفيات الثقافية، لكن فرص تحققه تتأثر بطبيعة المؤسسات، وعدالة الفرص، وقدرة المجتمع على احتضان طاقات أفراده وتمكينها.
وبالمناسبة، في غزة عندنا زهران أيضاً، لكنه بائع حمص وفول مشهور، أما عبدول فما زلنا نبحث عنه!
يبدو أن مشكلتنا ليست في غياب زهران أو عبدول، بل في غياب الطريق الذي يمكن أن يأخذهما من بسطة السجائر وعربة الفول إلى صناعة القرار.
*أكاديمي وكاتب

