آراء

عن سردية الزيت والزيتون 

10 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتب : عصام بكر

لم يعد تناول التعديات التي يتعرض لها المزارع الفلسطيني في موسم الزيتون الحالي يرتبط بعدد الاعتداءات مقارنة بالأعوام السابقة فالقفزة الكبيرة في نوعية وحجم ما يجري تتعدى الوصف التقليدي كما جرت العادة سابقا ووضع المؤشرات إزاءها لا يمكن قياسها بنطاق جغرافي . فعلى امتداد الأرض الفلسطينية في الريف في الضفة الغربية والقدس يتراءى للناظر دون عناء حجم الكارثة جراء الانفلات العنصري على أيدي عصابات المستوطنين بحق الإنسان والأشجار وحياة الناس. 
حتى الدبلوماسيين الدوليين تم الاعتداء عليهم أثناء قيامهم بجولة ميدانية للاطلاع على صورة بعض ما يجري ولو من بعيد لم يسلموا من هذه الاعتداءات التي باتت مشهدا يوميا قاسيا متواصلا تعيشه الأراضي الفلسطينية المحتلة اتسعت نسبيا مع بدء الموسم من إيذاء المزارع وضرب المحصول ومنع جني الثمار .

هذه الممارسات كانت ضمن خطة تم الإعلان عنها على مواقع المستوطنين منذ أوساط الشهر الماضي وسط فتاوى لكبار الحاخامات التي حللت "سرقة الزيتون" جملة من الملاحظات النوعية والمختلفة يمكن تسجيلها هذا العام احدى أهمها بالإضافة الى اتساع وامتداد الاعتداءات في نفس التوقيت تقريبا، ومهاجمة المزارعين في مناطق شاسعة مما يعني وجود توجيهات وجهات راعية منظمة تدير عملية الهجوم الجاري والتحرك على الأرض لكن اللافت هنا أيضا هو إقدام المستوطنين على إقامة وفتح معاصر للزيت في العديد من المستوطنات وهذا لأول مرة منذ الاحتلال وتهديد المعاصر الفلسطينية بالقوة لعصر ما يسرق من ثمار الزيتون فيها بعد اقتحامها وقياهم بالاستيلاء على كميات من الزيت بالقوة تحت التهديد.

المسألة الثالثة ربما في هذا السياق هي قيام مجموعات المستوطنين ببيع منتج الزيت المنهوب والإعلان عن قائمة أسعار(مخفضة) وهذا ليس صدفة أيضا فهي محاولة لتقمص ما جرت العادة عليه من الأجداد الفلسطينيين سنوات الستينات والسبعينات من القرن  الماضي من قبل الفلاحين الفلسطينيين الذين كانوا وما زالوا يعتمدون على الموسم للقيام بالعديد من القضايا الحياتية من تدريس الأبناء أو تزويجهم أو غيرها من الالتزامات الاجتماعية، مسألة أخرى تتمثل في إحراق وتحطيم وتكسير واقتلاع أعداد كبيرة من الأشجار هذا العام مجزرة تحل بالأرض فعلا حتى تلك القريبة من البيوت في عشرات القرى والبلدات . مثال ذلك سهل ترمسعيا، المغير، أبو فلاح شرق رام الله إضافة لمناطق واسعة في جنين وواد الشاعر شرق سلفيت وحتى مسافر يطا جنوبا أي أن الفعل الإجرامي تعدى كل ما هو معروف حتى الآن بمنع الوصول لحقول الزيتون ليشمل هذا العام محو واجتثاث الشجرة من الوجود.

وهذا ليس صدفة أو مجرد أحداث عنف بل الهدف منها ضرب اعتماد المزارع على الموسم وإفقار الناس وسلبهم لقمة عيشهم أو ما تبقى منها وجعل الواقع غير قابل للحياة وشطب الوجود، المسألة الأخرى هي عملية التنسيق الكامل والمتكامل مع جيش الاحتلال الذي لا يقوم فقط بتأمين الحماية والحراسة بل يعد الخطط والتنفيذ ويمنع الحركة والتنقل ويغلق المناطق لمنع الوصول الى ألاراضي ناهيك عن منع التصاريح وإعلان الحقول مناطق عسكرية مغلفة . وهذه الملاحظات  غيض من فيض فقط لسلوك عدواني يومي يعيشه المزارع الذي بات مكشوفا تماما لا حول له ولا قوة .
من دلالات موسم الزيتون وما يجري هذا العام ويمكن أن يكتب عن ذلك الكثير الكثير عن ممارسات باتت تنطوي على خطورة كبيرة أن هذا العام هو(تأسيس) فعلي لمرحلة قادمة ضمن مخطط الأمر الواقع لإفراغ الأرض من سكانها، هذا العام رغم التحدي الباسل والإصرار من قبل المزارعين على البقاء والوصول الى أرضهم وجني ثمار الزيتون رغم الثبات الذي قل نظيره لارتباط الفلسطيني بارضه إلا انه أيضا كان عاما داميا وموسما مغمسا بالدم والوجع وصرخات الأهالي تملأ الجبال وتشق طريقها الى السماء بعد أن سدت السبل أمامها .

هذا العام عام سيكون له ما بعده فهو إعداد لأعوام تتخذ أشكالا أخرى من العدوان اكثر وحشية وقسوة بما في ذلك قد نشهد منعا تاما من الوصول لما تبقى من حقول وربما وسط إجراءات اكثر ضراوة هو تدشين حجر الأساس لإحكام السيطرة وتحويل حياة الناس الى شبه مستحيلة ضمن مخطط التهجير طوعا وقسرا لإجبار الناس على المغادرة تحديدا من الريف نحو المدينة أو الى خارج فلسطين، وهو أيضا عام إعلان عن حرب اقتصادية حياتية شاملة لن تتوقف بانتهاء موسم الزيتون الحالي أو انتهاء الانتخابات الإسرائيلية بل ستمتد الى ما بعد ذلك مهما كانت الجهة الفائزة فيها . لكن العبرة من كل ما يجري تكمن في أن شعبا يرى في شجرة الزيتون بمثابة ابن أو ابنة له ومزارع يغرس معنى الثمر الطيب في الأتراب لا يمكن هزيمته أو نزع الصورة المطبوعة في ذهنه لما يجري مهما حصل وهو غير قابل على الخضوع لأنه ببساطة يرى في سردية الزيت والزيتون اصل الحكاية ويرى فيها تعاقب الأجيال وجبين وجنة الجد الذي اوصاه . وهي شجرة لن تكون للزينة او للحدائق المنزلية فهي محفورة بالوعي قدم التاريخ الطويل وهي غير قابلة للمحو والإبادة طالما يحافظ عليها شعب كامل وان غدا لناظره قريب.