آراء

حين يعرف الزيتون زارعه : حقوق الإنسان في سياق الحلّ السياسي

4 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين


من الآخر، ونحن من نكتوي بنار الاحتلال، أكان في تعرضنا لهجوم المستوطنين من "فتيان" ومن جنود احتلال بثوبهم، أو في الحصار المالي بسبب قرصنة أموالنا، فإننا في ظل "تحسّن لحياتنا اليومية" الموعودين به (كما نفترض)، فإنه وليس في أي حال من الأحوال سنقبل "بحصر وقصر" قضيتنا في مسألة "إدارة حياة سكّان"، فلم نقبل بالأمس ولا اليوم ولا في الغدّ. لذلك، فإننا في ظل الآني بما نعيشه من أخطار، نرى أن إبعاد أذى المستوطنين وجيش الاحتلال واجب على حكومة الاحتلال، وهو واجب دوليا، وأمميا؛ لذلك سننظر الى "تحسين حياتنا اليومية"، وهو مصطلح فكريّ سياسيّ احتلاليّ خبيث، أنه من المطلوب فلسطينيا أن يكون في سياق حلّ سياسيّ عادل للقضية الفلسطينية، نكون فيه منفتحين على أي حلّ يتعلّق بالكيانية، بشرط تنفيذ حقّ تقرير المصير وحفظ كرامتنا. "خلص الكلام" كما كان يختتم شعبان عبد الرحيم أغانيه، رحم الله يا شعبولة.
-    طيّب ما الذي سيجعل حكومة الاحتلال القادمة تقبل الليونة نسبيا بدلا من التشدّد اليمينيّ المطلق، في تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؟
-    ................!
في الوقت الذي تنجز دولة الاحتلال إنجازات استراتيجيّة لترسيخ سياسة الأمر الواقع، بحكوماتها المتعاقبة، على مسار خطّ اتجاهيّ اليسار واليمين، فإنها بالمقابل تاريخيا، منذ الموافقة على المشاركة في مؤتمر مدريد عام 1991، وهي تتقبّل "تخفيف" قبضتها على الشعب الفلسطيني، وبخاصة في تجمعاته الكبيرة، كونها تدرك أنها ستمنح السيادة على "السكّان" لمن يتقبل جوهر سياسة الاحتلال بالاحتفاظ بالسيادة على الأرض، لأسباب متنوعة منها الطمع بخيراتها وليس فقط لأسباب "أمنية" كما تزعم، فبعد دخول الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، أصبح الزعم الأمني ساخرا.
خلال ذلك، ظلّ وجودنا هو من رسّخ أمر واقعنا الطبيعيّ، منذ نكبة عام 1948، من منطلق وطنيّ يقوم على أن الأرض هي أرض الوجود أصلا، وهي الركن الأول في المجتمع والدولة.
دوليا وأمريكيّا، فإن التنافس الدولي يدفع الولايات المتحدة إلى فعل مؤقت يتجلّى بإدارة الصراع هنا؛ ففي شبه التفهّم الدولي لتأجيل الانتخابات، والبدء بحوار وطنيّ، تلتقط الدولة الكبيرة الحريصة أن تظلّ الكبرى، الفعل السياسيّ، فتضغط على حكومة الاحتلال القادمة تقبل الليونة نسبيا بدلا من التشدّد اليمينيّ المطلق، في تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين، من خلال تخفيف الاحتقان، بإعادة الوضع الى الحال السيئ السابق أصلا، فمعروف أن إبعاد هجوم المستوطنين يتمّ فعلا "بكبسة زرّ"، كون المستوى السياسيّ هو الذي يغطيهم، في حين يستجيب "الجيش والشاباك" على مضض، كون المستوى العسكريّ والأمنيّ أكثر معرفة بلا جدوى ما يتمّ هنا، وأن الحلّ لن يكون إلّا سياسيّا.
والآن، في ظلّ الحرب القبيحة على الزينون وزارعيه، وأبنائهم وبناتهم والأحفاد، فإنّ إصرار "أهل الزيتون" على زيتونهم، يشكّل عبقريّة وجودية تفرض نفسها على المشهد الدولي:
"الأرض، والفلاح، والإصرار،
قل لي: كيف تقهرْ...
هذي الأقانيم الثلاثة،
كيف تقهرْ؟"
كان محمود درويش ابن 25 عاما حين كتب قصيدته "عن الصمود"، التي ضمّها ديوان "أوراق الزيتون" الذي صدر عام 1964. كان في مقتبل الحياة، لكنه كان في اكتمال عمق رؤية البقاء على الأرض. فعلا هذه الأقانيم المقدسة الثلاثة كيف تُقهر؟
حين قرأت القصيدة فتى، منحني محمود درويش ما لم يمنحني أحد من قوة بعده وقبله؛ قلت لنفسي وقتها إذن فإن الشاعر الكبير يحتفل بالفلاحين وأرضهم، إننا مهمّون في هذا الصراع. وصرت كلما ابتعد الفلاحون عن الأرض للعمل بروليتاريا في المستوطنات وورش الاحتلال، أحزن، في حين كان والدي يلوم بصمت تاركي الأرض، فماذا سيفعل إزاء ظاهرة إغراء المزارعين بالمال؟

في أحد الحوارات بين مزارع ومستوطن، يستغرب الثاني من عمل الفلسطينيّ الشّاق في الأرض الجبليّة الوعرة، وينصحها ببيعها ليرتاح، ويذهب بعدها لعمل سهل في ورش الاحتلال ومزارعه. استغرب الفلسطيني استغراب المستوطن، فلم يكن ليتقبل النصيحة. كان ذلك في أواخر السبعينيات، لكنّ التحولات فيما بعد للأسف أرتنا كيف أن مزارعين تركوا الأرض الزراعية ليعملوا في مزارع الاحتلال!
لقد شرب محمود درويش من والده سليم الثلاثيني عام 1949، حين تسلّل من لبنان التي لجأ وأسرته لها إثر أحداث النكبة. عادوا متسللين إلى الجليل فوجدوا قريتهم (البروة) قد دُمرت، وبالرغم من ذلك عاشوا وأبدعوا البقاء.
في مشهد مؤثّر في المشاهد الأخيرة من مسرحية "كأسك يا وطن"، التي كتبها الكاتب الساخر محمد الماغوط وأخرجها خلدون المالح عام 1979، يقول غوار الطوشة: "خليني أسنسلها":
أمريكا، فإن الأمر كما ذكرته، وهي إن أرادت الفعل ستفعل، في سبيل مصالحها، أما إسرائيليا، فهناك تخوّ من عدم الحسم في الانتخابات، لذلك تسرّب في الإعلام عن ضغوط رئيس الكيان هرتسوغ لتشكيل حكومة وحدة بقيادة نتنياهو-آيزنكوت، بعدها بدلا من الاضطرار لانتخابات جديدة. فلسطينيّا، ففي ظل تأجيل الانتخابات والبدء بحوار وطني، فمن المهمّ الفعل على الأرض، بتشكيل حكومة نأمل أن تكون حكومة خلاص وطنيّ أكثر منها حكومة توافق أو حكومة تكنوقراط، لذلك، فإن الأمور تجري من منطلق كل فريق، بالنسبة لنية واستراتيجية".
لن تستطيع دولة الاحتلال العيش في فوبيا الخوف الى ما لا نهاية؛ فقد مُنعت طائرة شحن تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية، من دخول "إسرائيل" بعد أن تبيّن أن أحد أفراد طاقمها إندونيسي!
فلسطينيا، ودوما كذلك، ولتخفيف مفارقة رحابة الروافع الشعبية العالمية ومحدودية فعلنا هنا على الأرض، فإن علينا تطوير أدوات الفعل، لمناهضة الاحتلال والأبارتهيد، في ظل ارتفاع أصوات داخل "دولة الاحتلال"، منها أصوات قادمة من استخلاصات "أمن وعسكر"، علينا التقاطها، لأن العيش المشترك في دولة واحدة ممكن، أما غير الممكن فهو استمرار هذا الجنون الوحشيّ المكلف. ويمكننا النجاح في ظل استنهاض العوامل الذاتية الوطنية والقومية والإسلامية، بربط أي حراك سياسيّ بتنفيذ حلّ سياسيّعادل وآمن.
أغصان زيتوننا و"دلوبها" رموز سلام، كما دلتنا الكتب، لذلك سنقرأ "عن الصمود"، لمحمود درويش مرّات كثيرة:
لو يذكرُ الزيتون غارسَهُ لصار الزيت دمعا
يا حكمة الأجداد لو من لحمنا نعطيك درعا
سنظل في الزيتون خُضرتَه’
وحولَ الأرضِ درعا"
والآن لنا أن نحتضن "زيتوناتنا"، ونحن نقطف زيتها المضيء، باعتبار ما يكون من نور وسلام.