آراء

ماذا لو تحررت فلسطين غدا ؟

58 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتب : أسامة ناصر 

تخيلوا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر تحرير فلسطين وانتهاء الاحتلال وعودة الفلسطينيين إلى أرضهم أحرارا بعد عقود من القتل والتهجير والحروب والمقاومة.
كيف سيستقبل العالم هذه اللحظة التي انتظرها الفلسطينيون طويلا وكيف ستتحول الشاشات من صور الدمار والركام إلى مشاهد شعب يرفع أعلامه ويحتضن أبناءه العائدين من المنافي والمخيمات؟
تخيلوا شوارع لندن وباريس وبرلين ومدريد وروما ونيويورك وواشنطن وتورونتو وسيدني تمتلئ بمئات الآلاف من الناس الذين يحملون الأعلام الفلسطينية وتتحول الميادين الكبرى إلى ساحات احتفال تعلو فيها الأهازيج وتعرض الشاشات مشاهد العودة إلى الوطن. وفي ساحة تايمز سكوير بنيويورك تمتد الاحتفالات حتى ساعات الفجر وتخرج الجماهير إلى الشوارع في مشهد يتجاوز الحدود واللغات.
وفي الجامعات التي شهدت اعتصامات الطلبة وتظاهراتهم تضامنا مع فلسطين حيث يعود الشباب إلى الساحات نفسها للاحتفال بتحقق الحلم الذي دافعوا عنه رغم الانتقادات والضغوط.
وفي المطارات تبدأ رحلة العودة الكبرى : طائرات تقل فلسطينيين من مخيمات اللجوء ومن أنحاء العالم إلى وطنهم للمرة الأولى أو بعد غياب امتد عشرات السنين. يستقبلهم الأهل بالورود والزغاريد ويحمل بعضهم صور أحبائهم الذين رحلوا وهم يحلمون بهذه اللحظة. وفي القدس تتعانق أجراس الكنائس مع أصوات التكبير وأغاني الفرح. وفي يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وصفد وسائر المدن والقرى يستعيد الفلسطينيون الأماكن التي ظلت حية في ذاكرتهم.
ومن أكثر المشاهد تأثيرا خروج آلاف الأسرى الفلسطينيين من السجون إلى الحرية. أمهات ينتظرن أبناءهن عند البوابات وآباء يبحثون بين الوجوه عن أطفال تركوهم صغارا فعادوا إليهم رجالا وأبناء يركضون نحو آباء لم يعرفوا ملامحهم إلا من الصور. أسرى يقبلون تراب الوطن وآخرون يرفعون أيديهم بعلامة النصر فيما تختلط الدموع بالضحكات بعد سنوات طويلة من الحرمان والانتظار. وتستعيد آلاف العائلات أبناءها الذين طال غيابهم.
أما القدس فستكون في قلب المشهد فتمتلئ ساحات المسجد الأقصى بالفلسطينيين العائدين من المنافي وبالمسلمين القادمين من مختلف قارات العالم فيما تستقبل كنيسة القيامة الحجاج والمسيحيين من كل أنحاء العالم الذين يتوافدون إلى القدس للمشاركة في هذه اللحظة التاريخية. ثم ترتفع التكبيرات في ساحات الأقصى وتقرع أجراس الكنائس في أزقة القدس القديمة وتتعانق الزغاريد مع التراتيل وأصوات الفرح.
ويجتمع فلسطينيون من مختلف الأديان وأصدقاء لفلسطين من شعوب وثقافات متعددة في مدينة استعادت حريتها. ويقف كبار السن الذين حملوا القدس في ذاكرتهم طوال سنوات الغياب عاجزين عن حبس دموعهم وهم يشهدون أبوابها مفتوحة أمام أهلها وزوارها.
وستصل إلى الموانئ الفلسطينية في غزة وحيفا  سفن تحمل متضامنين من بلدان مختلفة فيما تقل الطائرات فنانين وكتابا وصحفيين ورياضيين ووفودا من الجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني جاءوا ليشهدوا لحظة تاريخية ويتعرفوا إلى أرض عرفها كثيرون من خلال أخبار الحروب. هذه المرة لن يكون الفلسطيني مضطرا إلى شرح مأساته كي يسمعه العالم بل سيستقبل الزوار على أرضه حرّا عزيزا قويا.
وفي العواصم العربية ستخرج الجماهير إلى الشوارع وترتفع الأعلام الفلسطينية إلى جانب أعلام الدول وتعود الأغاني القديمة إلى الذاكرة فيما تستحضر العائلات من عاشوا ورحلوا وهم ينتظرون هذه اللحظة. وفي مخيمات اللجوء التي تناقلت أجيالها حكايات القرى والمدن الفلسطينية تبدأ رحلة العودة ولمّ الشمل ويصبح الحلم الذي عاش عليه اللاجئون جزءا من واقع جديد.
لكن التحرير لن يكون مجرد احتفالات. ففي فلسطين تبدأ رحلة إعادة بناء البيوت والمدن والقرى. يتوجه الناس إلى الأماكن التي هُجّروا منها بحثا عن بقايا البيوت والحقول والمقابر. ويحمل كبار السن أحفادهم إلى قراهم ليشيروا إلى المواقع التي ظلوا يصفونها لهم في حكايات المساء. وربما تكون أبلغ الصور صورة رجل مسن يلامس تراب قريته بصمت بينما يقف أحفاده حوله وقد تحقق أخيرا حلم تناقلته العائلة عبر الأجيال.
وسيتحول التحرير إلى محطة تاريخية في الثقافة والإعلام. فتصدر الصحف العالمية أعدادا خاصة عن فلسطين وتنتج السينما أفلاما عن رحلة شعبها ويكتب الشعراء قصائد العودة وتنظم المعارض الفنية فعاليات تستعيد تاريخ القضية ونضال الفلسطينيين. وقد تصبح ذكرى التحرير مناسبة سنوية تستحضر فيها الأجيال قصة شعب لم تستطع الحروب والتهجير محو هويته أو انتزاع تعلقه بوطنه.
تخيلوا فلسطين التي لم يعد أهلها بحاجة إلى تأشيرة منفى كي يلتقوا بأحبائهم ولا إلى انتظار طويل على الحدود كي يعودوا إلى بيوتهم. فلسطين التي ظلت حاضرة في المظاهرات والجامعات والبرلمانات تصبح أرضا يقصدها الناس ويشهدون فيها بداية فصل جديد من التاريخ.
*كاتب فلسطيني يقيم في شيكاغو