الكاتب : تحسين يقين
لم أكن متفائلا من قبل كما الآن، ولست وحدي هو المتفائل جدا، بل معي كثيرون، ذلك أنه ما سوف يكون بدأ بأن يكون فعلا على الأرض؛ فالمجرفة التي "استمات" الاحتلال بقبر مشروعنا الوطني، انقلبت عليه، فصار يقبر مشروعه الفاشل بيده. تلك مفارقة تاريخية عظيمة وعظمى.
يدرك كل من يقرأ التاريخ الحديث والمعاصر بشكل موضوعيّ بأننا إزاء وهم تم بناؤه وتسويقه عالميا، وهكذا فإن النتيجة هي تضييع الوقت وأعمار البشر الذين قضوا بسبب افتعال هكذا صراع، تم دعم الظالم فيه من قبل ظلّام آخرين؛ ففي الوقت الذي بدأ فيه الاستعمار يبني نواة دولة الاحتلال وصولا الى إعلانها واستمرارها في سياسة التوسّع، فإنه كان يخرّب نسيج التنوع الديني والثقافي في بلادنا، واستلزم التخريب تخريب العلاقات الدولية، فلم تهدأ المنطقة منذ بدء الصراع المختلق، كما لم تنعم ولم تشعر براحة البال أي دولة هنا وأي شعب، بمن فيه المستوطنون في بلادنا.
والآن، فإن سياسة إطالة عمر دولة الاحتلال، أدت إلى تقصيرها، ولعلنا جميعا سنشهد نهاية كذبة كذبها كاذب وصدّقها كاذبون؛ فقد كان بإمكان أهل البلاد من الأديان السماوية الثلاث، أن يحيوا سالمين مزدهرين هنا وفي بلاد العرب وغيرها، فلم يكن التجميع العنصري حلاّ لمشكلة بل مشكلة صار يصعب حلّها إلا من خلال العودة الى أصول العيش المتعدد والمتنوّع.
لم يستفد الغزاة من قراءة التاريخ، ولا من الطبيعة التي تعيش فيها أنواع النباتات معا أكثر من عيش كل نوع على حده. لذلك فإن الذي حاول إفناء الآخرين، وصل الى درجة إفناء نفسه، فلم يكن في موقف شمشون كي يهدم المعبد على من فيه، بل كان في موقف العيش المشترك بكرامة للجميع، ولم يلتقط يد السلام الممدودة لتحقيق حلّ الدولتين؛ فقد جنحنا فعلا للسلام لكنه أبى أن يجنح، والغريب تراه يتحدث عن صفاء النوايا.
لا يحتاج المتفائل أسبابا؛ فكل ما يراه المتشائم مثلا يجده المتفائل سببا آخر للتفاؤل، وكيف لا نفعل ذلك ونحن شعب حيويّ يعيش على أرض يعمرها، حتى ولو تضيق، فإن وجوده على الأرض وجودا وازنا، فلا يمكن الاستهانة بالكتلة البشرية لأي شعب أو جماعة، فنحن شعب متجذر هنا ولا نستورد البشر الذين إما نهجرهم خوفا وترغيبا أو لاستغلالهم عن طريق جعلهم جماعات مرتزقة لا تجمعها القيم ولا الثقافة بل منافع الاستعمار الواهم والواهمة.
إن استخدام منهجيات الإبادة تعني في العمق ارتدادها على فاعل الجرم، فلا المجرم بقادر أن ينظر بثقة تجاه العالم ولا تجاه شعبه، فكيف سيد نفسه قادرا أن "يفتّح" في البشر، وهو يدرك انه من يقتل نفسا فإنه يقتل الناس جميعا، حيث يجد العالم نفسه معرضا ان يحدث له ما حدث للآخرين، والشعوب تريد ضمان العيش الآمن، فقد خبرت انه يمكن إنجاز الأهداف وتحقيق المصالح بطرق غير عنفية، وهكذا فقد كان الاحتلال وهو يقتل ويهدم، إنما يقتل مشروعيته داخل النفوس والحكومات، ويهدم وجوده، فكيف وهذا الوجود قد تمّ عن طريق الحراب واستخدام غير أخلاقي لمنطق القوة الغاشمة.
والآن، لشعبنا الفلسطيني، ما يجمع عليه جادا بعيدا عما فرّقنا ويفرقنا من سبل التفاهم مع غزاة لا يقرؤون، وإن قرأوا لن يفعلوا إلا ما سوّلت لهم أيديهم من قتل فقتلوا، دون مراعاة دين في السماء والأرض، بمبرر واه، أو لعله مبرر تم هندسته وبرمجته ليكون مجالا لإفناء شعب. لشعبنا في داخل فلسطين التارة وخارجها أن يسعى في حملة طويلة الأمد لمناهضة الاحتلال والأبارتهيد، تجذب الحكومات والمؤسسات الدولية والأمم المتحدة، تقوم على مبدأ العيش الكريم المشترك، بعيدا عن العنصرية، فالأرض واسعة يمكن العيش فيها وعليها، أما ما يمنع ذلك فهو ضيق العقلية العنصرية. كل الناس عاشوا معا باختلاف الدين واللغة والثقافة بالاتفاق على الإنسانية الناظمة، فكل إنسان وله كرامة وحقّ العيش وفق القيم المعهودة.
عندها لن يجد الشعب الفلسطيني في الانتخابات مثلا حلّا، وإن كان من ضمن وسائل الحلّ بتقوية بقائنا عن طريق حسن الإدارة والحكم، كما لن يجد في اختلاف اليمين واليسار، ولا جهات أخرى، ما يغريه من برامج، فأمامنا ما نسعى له وما يغري الآخرين، بمن فيهم من مستوطنين في بلادنا، أن يسلكوه.
وللشعوب العربية والعالمية أن تجمع على تحقيق هذا الهدف، لأنّ إيجاد فلسطين الإنسانية الآن الى الحضور الدولي سوف يغيّر وجه التاريخ، وسيكون الطريق للتحرر القومي ووقف نهب الموارد ووأد سياسة الإذلال.
وهكذا، فإن علينا إزالة العقبات، ومواجهة التحديات الذاتية والخارجية، فكل من يرفض الحل الإنساني للصراع هنا، فإنه ببساطة صاحب مطمع يريد تحقيقه عن طريق إطالة أمد الصراع.
فقط، لنتأمل اليوم التالي لحلّ القضية الفلسطينية حلا عادلا يضمن استدامة السلام هنا، فإن الكثير من الظواهر ستتأثر فتزول، فلن يكون هناك مبررات لكل هذا السلاح الفتاك، ولا للقبول بوجود قواعد عسكرية تؤجج الصراعات ولا تنهيها، وهي أصلا لا تحمي نفسها فكيف ستحمي الآخرين، كذلك فسيكون للدول الكبيرة والصغيرة أساليب ضمان المصالح عن طريق بناء علاقات دولية سليمة ومسالمة.
وصدق الثائر حامل البندقية بيد وغصن الزيتون بيد أخرى حين قال: الحرب تبدأ في فلسطين والسلام يبدأ من فلسطين.

